نظرة إسرائيلية قديمة/ متجدّدة إلى المشرق

نظرة إسرائيلية قديمة/ متجدّدة إلى المشرق

كشفت تحليلات إسرائيلية كثيرة لاتفاق التطبيع مع الإمارات ليس فقط عن غايات تتطلع دولة الاحتلال إلى تحقيقها من ورائه مع الجانب الثاني حصرًا، إنما أيضًا عن أمنياتٍ خفيّةٍ يمكن أن يشكّل الاتفاق أساسًا مكينًا للتعويل عليه، من أجل الدفع بها على مستوى المحيط العربي برمّته.

وإذا كانت إحدى أهم الغايات من الاتفاقات المماثلة السابقة التي أبرمتها إسرائيل مع دول عربية أخرى، ونقصد الاتفاقيتين مع مصر والأردن، وكذلك اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، كما جاهرت بنفسها مرارًا وتكرارًا، تتمثل في الحصول على شرعية عربية لـ"الدولة اليهودية" في المشرق العربي، فإن هذه الغاية لم تعد على ما يبدو ذات أولوية في الوقت الحالي، وإن لم تسقط كليًا من الأجندة. وربما يتبيّن، في وقت لاحق، أنها تراجعت في سلّم الأفضليات الإسرائيلي، بسبب إمكان أن تصير إلى مجرّد تحصيل حاصل لخطوات أخرى، حدثت في السرّ سابقًا، وتحدث في العلن الآن على نحو تدريجيّ.

يقف في طليعة هذه الخطوات العلنية، ولا نكشف جديدًا، تحقيق التطبيع أخيرا على أساس مصالح متبادلة، استراتيجية واقتصادية، وتعزيز التحالف ضد أعداء مشتركين من وجهة نظر الجانبين. وليس من العسير على من يتابع هذه التحليلات يوميًا أن يلاحظ أن الاتفاق مع الإمارات يعود بالنفع على دولة الاحتلال في عدة جوانب، غير أن شبكة المصالح المُفترض أن يخدمها غير منحصرة في هذه الدولة فقط، وفي أكثر من مستوى. ولكي لا نبقى في إطار الأحكام العامة، أتطرّق إلى قضيتين جرى التوقف عندهما بشكل خاص، لا سيما في الأيام الأخيرة على خلفية انطلاق عملية وضع اتفاق التطبيع الإماراتي - الإسرائيلي موضع التنفيذ.

الأولى أن الاتفاق ليس فيه ما يلزم إسرائيل أن تخرج عن طورها، كي تثبت أنها تريد السلام مع محيطها العربي، وأن التطبيع مع الإمارات ناجم عن التقاء مصالح الدولتين في مجالات عديدة لا عن تقديم تنازلاتٍ من الجانب الإسرائيلي، وفقًا للصيغة التي اصطلح على تعريفها بـ"الأرض مقابل السلام". وتتعلق الثانية بوجهة مهمة من الوجهات الكثيرة التي يخدم فيها الاتفاق دولة الاحتلال ونظامها الحالي، في ما يتعلق تحديدًا بسياستها الداخلية، وهي مواجهة مقارباتٍ تدّعي أن مستقبل إسرائيل في المشرق العربي مرهونٌ باندماجها فيه على أكثر من صعيد، وأنه في سبيل هذا مطلوب استخلاص العبر من التاريخ الحافل بتجارب كياناتٍ رفضت هذا الاندماج، وتعاملت مع محيطها باستعلاء وقوة السلاح فاندثرت، وما عاد لها وجود يذكر.

وبرأي رئيس "برنامج الأمن القومي" في جامعة حيفا، استبطن معظم الإسرائيليين، ولا سيما إثر ثورات الربيع العربي عام 2011، أنه لا وجود لشيءٍ ما يرغبون بالاندماج فيه في المنطقة العربية المحيطة بهم. ولذا ينأون بأنفسهم عن هذه الصيرورة. وبناء على ذلك، حسبما يضيف بلهجة تهكّمية، "يصعب العثور على شخصٍ في إسرائيل يرغب بحقوق إنسان كما في سورية، أو بمعاملة للنساء كما في العربية السعودية، أو باستقرار سلطوي كما في ليبيا، أو بابتكارٍ علميّ كما في اليمن، أو بجيش طائفيّ كما في لبنان، أو بمستقبل اقتصادي كما في مصر. وليس ثمّة سبب واحد لدى إسرائيل كي تندمج في وادي النيل أو الفرات أو دجلة، في الوقت الذي تتنافس فيه بنجاح ملفت في وادي السيليكون".

مشكلة هذا الكلام كامنة في أنه يستخدم وقائع لا يجوز تجاهل أنها قائمة لتوكيد نظرة إسرائيلية مستعلية متأصلة حيال المشرق العربي، أدلجتها الصهيونية، ولا تزال تُمسك بتلابيب إسرائيل، وتعيد فكرتها إلى أصولها التي لم تنقطع عنها قطّ، فالمستوطنون اليهود في فلسطين لم يهاجروا إليها بغية الاندماج فيها، بل بهدف إنشاء مجتمعهم المنفصل كليًّا عن مجتمع السكان الأصلانيين العرب؛ وقد نُظر إلى هذا المجتمع الأخير بأنه مختلف ثقافيًا وعرقيًا، ومتخلّف حضاريًا!

(عن "العربي الجديد")