الآخر هو الشيطان...

الآخر هو الشيطان...

يبدأ غرس القيم والعادات الجيّدة أو الرديئة في الإنسان منذ ولادته، فما يُلَقن الطفل به، يبقى عالقًا في ذهنه لسنين طويلة، فهي تصبح ثوابت لا جدال فيها، والبعض يعيش إلى مرحلة يستطيع محو أو تعديل بعضها، والبعض يرحل قبل أن يكتشف خللا فيها، وهذا يؤثر على مصير الإنسان الشخصي، وهذه هي اللبِنة التي يتكون المجتمع والشعب منها.

التربية على النظرة إلى الآخر قد تكون تنطلق من الاحترام والتفهّم، وقد يكون العكس في بعضه أو كلِّه، فالطفل الذكر الذي يتربى على أنه أفضل من الأنثى، ينعكس هذا في تعامله اليومي معها، حتى عندما تكبر وتصبح زوجة أو أمًّا، فما يحق له لا يحق لها، وهو صاحب قراره وقرارها، وهذه التربية كثيرًا ما أدّت إلى جرائم قتل، منها ما نعرف ومنها ما لا نعرف، فهي تستبيح دم الأنثى لذكور العائلة.

كذلك، هناك من لقّنوه بأن عائلته من أشرف العائلات، وبأنه ينحدر من أصول طاهرة عفيفة ومن سلالة فرسان لهم أمجاد، ومع مرور الوقت تتحول هذه المعلومات إلى نرجسية ونظرة استعلاء إلى الآخرين، فتؤدي إلى تصدعات اجتماعية وحتى سياسية، فهناك من يروّج خلال الانتخابات شعار عشيرتنا أو عائلتنا أولى بالسلطة لأنها أعرق، ومنهم من يقول: لن نسمح لعائلة فلان أو علان الذين كانوا" قطاريز" عند أجدادنا بأن يحكمونا، وهذا يُترجم إلى صراعات على السلطة المحلية وحتى القطرية وقيادة الدويلات، وقد تكون دموية.

كأمة وشعب تعرض لهزائم كثيرة ومتتالية نحتاج إلى استعادة الثقة بالنفس أمام هجمة التشويه العالمية التي يخوضها ضدنا من لا يحلمون لنا بالخير، ولكن البعض ذهب بعيدًا، فراح يحفر في الماضي ويتمسّك به ويقلّده، حتى في الألفاظ والتعابير الخطابية مثل "اسألوا التاريخ عنا"! و"أين كانت أوروبا عندما كنا نكتشف الفلك والدورة الدموية"؟ إلخ، رافضين مواجهة الواقع والمتغيّرات التي حدثت خلال مئات السنين من التطور البشري والتقلّبات السياسية التي نشأت، والثورة الصناعية والفكرية في أوروبا ونتائجها على البشرية كلها، ثم الصناعات الدقيقة المستمرة، والتي ما تزال تتطور في تسارع هائل.

النتيجة أن من لا يعترف بتخلّفه، لن يعترف بأسباب هذا التخلف، ولن يتقدم، وسينشغل في ماضيه أكثر من حاضره، وفي الشكليات أكثر من الجوهر، وبالتالي، يصبح التلاعب في مشاعره ووعيه أكثر سهولة، وهذا لا يتوقف عند حدّ معيّن.

في هذه الأيام، يتناقل كثيرون أشرطة مسجّلة تقارن بين ما كانت عليه فلسطين قبل النكبة، وما كانت عليه دول النفط، وهي ردة فعل على مسيرة التطبيع الخليجية، والحقيقة أنه قبل النفط بعشرات القرون كانت هناك عشائر عربية، وحضارة عاشت ونمت في الجزيرة العربية، والتاريخ الذي يتحدث معظمنا عنه، لم يكن في زمن نفط ولا غاز، بل كانت هناك شعوب أنتجت حضارة وصنعت تاريخًا، فتاريخ الجزيرة العربية ليس الإمارات النفطية وملوكها المعاصرين، بل شعوب عريقة.

صحيح أننا كفلسطينيين نحتاج إلى ثقة بالنّفس، ولكن هذا لا يعني استصغار شأن الآخرين، وتوجيه إهانات لشعوب شقيقة عريقة.

الشعر العربي واللغة العربية الفصيحة التي نتفاخر بها، والتاريخ الذي نزهو به، انطلق من شبه الجزيرة العربية، والنبي محمد (ص) الذي نعتز به، أتى من جزيرة العرب، والخلفاء وأمراء المؤمنين وقادة الجيوش الذين شكلوا إمبراطورية، لا تغيب الشمس عنها.

جيّد أن يتربى الطفل على أنه ينحدر من أسرة طيّبة أو عريقة، هذا من حسن حظّه، ولكن من الخطأ تلقينه بأنه أهم وأكثر قيمة وشرفًا من الآخرين، حينئذ سيعيش متقوقعًا في وهم بأنه من معدن مختلف، ويحق له ما لا يحق لغيره. نعم نريد زرع الثقة في الطفل العربي، وفي كل أسرة وأسرة، ولكن ليس على حساب غرس الأنانية والاستعلاء وكراهية وشيطَنة الآخرين، فالآخر قد يكون الجار، وقد يكون ابن العائلة الأخرى، أو الشعب الشقيق، وقد تكون الشقيقة في الأسرة نفسها وابن الطائفة الأخرى في البلدة نفسها، وتصبح هذه التربية أكثر خطورة عندما تتعلق في الدين والقناعات العقائدية.

ما من مشكلة في تلقين الطفل بأن يحب دينه ومذهبه وقومه، ولكن شرط أن ينظر إلى ديانات ومذاهب الآخرين باحترام، ومن الخطأ الفاحش تحقير مذاهب الآخرين ومعتقداتهم وإهانة رموزهم، وهذا ينطبق على الجميع، فهذا باب واسع للعنف وحتى للحروب، هذا ينطبق كذلك على التربية الحزبية المتعصّبة، التي تنفر من كل تنظيم مختلف وتهاجمه وتحقرّه وتشوهّه، وهذا بدوره ينمّي نزعة العنف والتدمير الذاتي في مجتمعنا، وبالذات في النقاط التي نعتبرها مصدر قوّتنا. الآخر ليس شيطانًا، فلنبدأ من هنا.

اقرأ/ي أيضًا | سلام الخرفان