المقاومة الشعبية والمقاطعة والبديل الديمقراطي

المقاومة الشعبية والمقاطعة والبديل الديمقراطي

عقد الملتقى الشبابي التابع لحركة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية يومين دراسيين حضرهما عدد لا بأس به من مؤيدي وأنصار البديل الديمقراطي وجلهم من الشباب المتحمس وغير المؤدلج. وقد كان جميع المحاضرين/ات من مثقفين/أكاديميين/ات من فلسطين 48 باستثناء مشاركتي من غزة المحاصرة، والتي تناولت تاريخ حل الدولة الديمقراطية الواحدة والمقارنة مع التجربة الجنوب أفريقية.

والحقيقة أن هذه من المرات القليلة التي أخاطب نشطاء فلسطينيين من مناطق الـ48 بعيدًا عن خرافة التنسيق مع "إخوتنا" رغبة في التأثير على الرأي العام الإسرائيلي العنصري بأغلبيته الساحقة. وتصادف هذا اليوم الدراسي مع مشاركتي في ندوة أخرى مع نشطاء جنوب أفارقة، دعوتُ لها من قبل لجنة التضامن في مدينة كيب تاون للحديث أيضًا عن حل الدولة الديمقراطية الواحدة وإمكانية تطبيق الحل الجنوب أفريقي في فلسطين بعد التخلص من نظام الأبرتهايد العنصري.. النتيجة في كلتي المشاركتين كانت أن إمكانية التعايش مع أشكال الاضطهاد المركّب الذي تمارسه إسرائيل هو ضرب من الخيال الانهزامي، وأن أي حلول تجزيئية يجب تجنبها حتى لو بدت مرحلية، وأن ذلك لا يمكن أن يتأتّى في ظل الخلل الهائل في ميزان القوى بين المضطهِد الصهيوني والمضطهَد الفلسطيني، إلّا من خلال تدخل المجتمع المدني الدولي وذلك بتبنيه نداء المقاطعة الذي أطلقه المجتمع المدني الفلسطيني وقواه الحية عام 2005، ثم الانتقال إلى البرلمانات والحكومات.

وتصادف أنه في نفس التوقيت قامت مدينتا الملح الإماراتية والبحرينية بتوقيع اتفاق التطبيع الخياني مع دولة الاستعمار الاستيطاني والأبرتهايد دون أن تقوم الثانية بأي تنازل في ما يخص الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني من حرية وعدالة ومساواة، أو حتى العمل على تحسين شروط القهر المركب الذي تمارسه بحق كل مكونات الشعب الفلسطيني. وتم التطرق في كلتي المحاضرتين لأشكال المقاومة التي يجب التركيز عليها في ظل الهجمات المكثفة من قبل الإمبريالية الأميركيّة وإسرائيل وقوى التطبيع العربية. ومن الطبيعي أن يتم التطرق في هذا السياق لأهمية حركة المقاطعة الفلسطينية التي تقود حركة البي دي إس العالمية.. لكن المقاطعة لوحدها، وهي شكل ريادي من أشكال المقاومة المدنية، لا تكفي وأن التوجهات التي تأخذها هذه الحركة المتنامية بشكل مضطرد يجب أن تأتي من فلسطين (67، 48 وشتات) وتتكامل مع حركة عصيان مدني ومسيرات تشارك فيها كل أطياف الشعب الفلسطيني.

وهذا بالضبط ما كان مأمولًا من تشكيل القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية التي شُكّلت بقرارٍ فوقي لم يأخذ بعين الاعتبار حالة الإجماع الوطني التي تتمحور حول نداء المقاطعة الصادر عام 2005، ولا تعريف التطبيع ومعايير المقاطعة المقرة عام 2007 من قبل المجتمع المدني الفلسطيني وقواه الحية. وبالتالي فإنه، ومن منطلق النقد الذاتي الضروري في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة، يمكن الادعاء أن صدور البيان الأول، والوحيد حتى اللحظة، من قبل القيادة الموحدة للفصائل يفتقد لفهم معمق لمعنى المقاومة الشعبية كعمود رئيس من أعمدة النضال التي يجب أن تتكامل مع المقاطعة وعدم الاستثمار وفرض عقوبات على إسرائيل في ظل الفشل الدبلوماسي الرسمي في التعامل مع تسونامي التطبيع المندفع.

ومن الملاحظ، أيضًا، الغياب المتعمد لدروس مسيرة العودة الكبرى كشكل من أشكال المقاومة الشعبية الفلسطينية ومطالبتها بتطبيق القانون الدولي، بالذات ذلك الجزء الذي يتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة وتعويضهم عن أكثر من 72 عامًا من التشرد والتطهير العرقي الممنهج. بمعنى أن تجربة المسيرة، كفكرة وممارسة خارج إطار القيادة الفصائلية لها، أبدت تفهمًا لما تنادي به الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني باعتبار أن نضالنا هو نضال مركب ضد استعمار استيطاني استخدم أشكالًا متعددة من القهر لا تقتصر على احتلال عسكري مباشر للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. بل أنه تخطى ما قام به نظام الأبرتهايد الجنوب أفريقي من تفرقة عنصرية مقيتة ضد سكان الأرض الأصلانيين، وبالتالي فإن تعدد أشكال الاضطهاد الصهيوني تتطلب إبداعات في مقاومته. وهنا تكمن أهمية التركيز على التدخل الأممي لجسر الهُوّة الهائلة بين المستعمِر الأشكنازي الأبيض (لتبيان أهمية البعد العرقي) والمستعمَر الفلسطيني.

وهذا ما افتقده بيان القيادة الموحدة الذي كان يستطيع أن يربط هاتين التجربتين الخلّاقتين، المقاطعة وبعدها الأممي والتقاطعي مع النضالات الأخرى، ومسيرة العودة ببعدها الشعبي. وهنا يكمن ملخص مشاركتي في المحاضرات التي تناقش فكرة البديل الديمقراطي وكيفية تحقيقه عبر وسائل كفاحية خلّاقة. أي أن البديل لما تم طرحه منذ دورة المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، وما اصطلح على تسميته بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية، مرورًا بمعاهدة كامب ديفيد (1979) واتفاقيات أوسلو (1993) ووادي عربة (1994)، وصولًا لصفقة القرن التصفوية ومعاهدة التطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل (2020)، يجب أن يستفيد من تجربة النضال ضد نظام الأبرتهايد ويركز على مفهوم قاعدي للمقاومة الشعبية كسنيد أساسي لحركة مقاطعة عالمية، بقيادة فلسطينية، تؤدي إلى عزل منظومة الاستعمار الاستيطاني والأبرتهايد وطرح رؤية ديمقراطية، إنسانية، غير إقصائية لا يمكن لها أن تتعايش مع منظومة كولونيالية عنصرية.