إسرائيل والولايات المتحدة: من التابع؟

إسرائيل والولايات المتحدة: من التابع؟

تعيد كل أزمة اقتصادية، ولا سيما عالمية، سيلًا من التداول واسع النطاق في السؤال: هل إسرائيل مستقلة من الناحية الاقتصادية؟ وإلى أين وصل مدى تبعيتها لدولة عظمى خارجية؟

ولدى متابعة جوهر تداولات كهذه في فترة جائحة كورونا الحالية، وما ترتب عليها من أزمةٍ اقتصاديةٍ حادّة، لا يتعذّر على شخص مثلي، لا يمتلك ناصية مقاربة هذا الموضوع بأدوات التشريح الاقتصادية، أن يلاحظ ما يلي: في وقتٍ يُجمع فيه المتداولون، على اختلاف انتماءاتهم العقائدية والسياسية، على أن اقتصاد دولة الاحتلال يشتمل على نقاط قوة كثيرة، اكتسبها بمرور الأعوام تجعله من الاقتصادات المتقدّمة في العالم، بل والرائدة في بعض المجالات، لأسبابٍ شتى، يرتبط بعضها بطبيعة هذه الدولة، فهم في الوقت عينه يجمعون على أنها لم تصبح مستقلة اقتصاديًّا بعد.

ويختلف التفسير لهذه النتيجة الأخيرة، بحسب هوية كل قائل بها، فمثلًا، يرى رئيس الحكومات الإسرائيلية والزعيم الأوحد لليمين منذ أكثر من عقد، بنيامين نتنياهو، أنه في العصر الحالي، عصر العولمة، لا توجد دولة يمكن اعتبارها مستقلة اقتصاديًّا على نحو مطلق، وهذا ينطبق على إسرائيل، ولا ينبغي به أن يبهظها قطّ.

وبموازاة هذا، يؤكّدون أن نطاق استقلال إسرائيل آخذٌ بالاتساع عامًا تلو عام، وهي باتت أشدّ قوة من الناحية العسكرية، وأقلّ تبعية للمساعدات الأمنية الخارجية من الولايات المتحدة. يشدّد هؤلاء كذلك على أن هذه المساعدات ما زالت عظيمة الأهمية، غير أنهم يشيرون إلى أن الفترة التي كانت فيها إسرائيل عاجزةً عن تغطية ميزانيتها الأمنية من دون هذه المساعدات التي بلغ معدلها السنوي، حتى فترة قريبة، نحو ثلاثة مليارات دولار، وارتفع إبّان ولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى 3.8 مليارات دولار، ابتداء من العام الفائت، 2019، حتى عام 2028، قد ولّت إلى غير رجعة.

وبرأيهم، إذا توقفت هذه المساعدات لسبب ما، وهم يستبعدون ذلك بشكل شبه مطلق، سيلحق بإسرائيل ضرر فادح للغاية ولكن سيكون بإمكانها أن تتحمّله وتواصل العيش.

في المقابل، يشير معارضو سياسة اليمين إلى أن وجود إسرائيل طوال الوقت تحت وطأة خطر حرب هنا أو هناك، وهم يؤمنون بمثل هذه الكينونة مثلهم مثل اليمين، جعلها متعلقة في استمرار حياتها بالولايات المتحدة التي ما انفكّت توفر لها تفوقًا عسكريًا، من خلال منحها المساعدات العسكرية المذكورة، والطائرات الأكثر تطورًا، ومحركات دبابة "ميركفاه"، والأموال لتطوير المنظومة المضادة للصواريخ.

ويجب القول إن تعلق إسرائيل بالولايات المتحدة على المستوى الاقتصادي يظلّ هو الأبعد مدى. أذكر أنه قبل عدة أعوام، وفي مناسبة إحياء ذكرى إقامة إسرائيل، ذكر أحد كبار المحللين الاقتصاديين أن أحد أسباب أهمية دولة الاحتلال للولايات المتحدة يعود إلى أن الأخيرة تستخدم الأولى كـ"حاملة طائرات برّية" في الشرق الأوسط، لكن في الوقت ذاته يمكنها، في أي لحظة تشاء، أن تتخلّى عن هذه الخدمات وتواصل حياتها، بينما لا يمكن لإسرائيل أن تعيش من دون أميركا.

وتقتضي هذه الناحية الاقتصادية الصرف أن يشار إلى أن إسرائيل متعلقة جدًا بالتصدير. وبناء على ذلك، فإن فرض مقاطعة على صادراتها هو بمثابة سمّ زعاف للاقتصاد؛ وتم منع ذلك حتى الآن بفضل الفيتو الأميركي في مجلس الأمن.

عند الاستغراق أكثر في التحليلات الإسرائيلية المعارضة، يصل مخيال أحد المحللين إلى السيناريو التالي: يكفي أن يعلن الرئيس الأميركي، أي رئيس، أنه بصدد "إعادة النظر" بالعلاقات مع إسرائيل، كي تنهار البورصة ويرتفع سعر صرف الدولار. في مثل وضع كهذا ستكفّ المصارف في أرجاء الكون عن منح إسرائيل الائتمان، وسيفرض مجلس الأمن عليها عقوبات اقتصادية تؤدي إلى شللها، وكل المعطيات الاقتصادية الجيدة ستنقلب دفعة واحدة وترسم صورة سوداء من السقوط. وإجمالًا، إذا ما اغتاظ هذا الذي هناك منّا فإنّ كل التايتنيك الصهيوني سيصطدم بالجبل الجليدي!