الإدارة الأميركية وهدية ترسيم الضم المضاعف

الإدارة الأميركية وهدية ترسيم الضم المضاعف

لم يتم الالتفات بشكل كاف في التحليلات الفلسطينية والعربية لنتائج زيارة وزير الخارجيّة الأميركي، مايك بومبيو، للمنطقة خلال شهر تشرين ثانٍ/نوفمبر الجاري، سيما لجهة ترسيم ضم المنطقة "ج" من الضفة الفلسطينية والتي تساوي ثلثي مساحتها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من إسرائيل، ثم تمييزه لغزة عن المناطق التي تحكمها السلطة الوطنية الفلسطينية من الضفة باعتبارهما منطقتين إداريتين منفصلتين.

خلال زيارته، صرّح بومبيو أن كل المنتوجات الصادرة للولايات المتحدة من المنطقة "ج"، يجب أن توسم باسم إسرائيل. في الإعلام ورد أن بومبيو قرر وسم منتجات المستوطنات الاستعمارية في المنطقة "ج" فقط بأنها إسرائيلية، ولكن عندما يعود المرء إلى التصريح الحرفي لبومبيو باللغة الإنجليزية يجد أنه قد قال إنّ كل منتوجات المنطقة "ج" المصدرة إلى أميركا يجب أن توسم بأنها صادرة من إسرائيل. لا يعني ذلك فقط إجبار المنتجين الفلسطينيين في المنطقة "ج" على وسم منتجاتهم بأنها إسرائيلية المصدر، بل يعني أيضا اعترافا أميركيا رسميا بإسرائيلية المنطقة "ج"، وبالتالي اعتراف بحق إسرائيل باتخاذ قرار بضم هذه المنطقة إليها في أي وقت.

بهذا القرار، يكون بومبيو قد تجاوز "صفقة القرن" ذاتها - والتي أقرت ضم ثلاثين بالمئة من الضفة الفلسطينية إلى إسرائيل - فها هو هنا يقبل ضم ما يزيد عن ضعف تلك النسبة وهو كل المنطقة "ج"، مضافة إليها القدس الشرقية التي صادقت الولايات المتحدة رسميا على ضمها إلى إسرائيل عام 2017. يفعل بومبيو ذلك لا لتحضير نفسه ربما لخوض الانتخابات الأميركية عام 2024 بدعم من الأنجليكانيين الأميركان، لكنه يفعل ذلك أيضا انطلاقا من حقيقة أن الولايات المتحدة شريك مباشر في المشروع الاستيطاني الاستعماري، إذ أشارت دراسة صادرة عن جامعة هارفارد عام 2017 لسارة هيرشهورن إلى أنّ واحدا من كل ستة مستوطنين مستعمرين في الضفة هو أميركي وذلك بدون احتساب عدد المستوطنين المستعمرين الأميركيين الموجودين في مستعمرات القدس الشرقية. بمعنى آخر، يعطي بومبيو لذاته وإدارته الحق في التقرير بشأن المنطقة "ج" لوجود نسبة من المواطنين الأميركيين فيها، هذا إضافة لانطلاقه من معتقداته الأنجليكانيّة.

يترتب على التحليل الوارد أعلاه نجاح أميركي إسرائيلي باهر في خديعة العرب والفلسطينيين. فعلى الصعيد العربي، طبّعت الإمارات والبحرين علاقاتمها مع إسرائيل مقتنعتين، حتى تصريح للدكتور أنور قرقاش في 27 تشرين ثانٍ، بأنهما نجحتا في تعليق ترسيم الضم الإسرائيلي لثلاثين بالمئة من الضفة الفلسطينية. فرغم ما ترتب أعلاه عن زيارة بومبيو لا زال الدكتور قرقاش مقتنعا بذلك، ما يعني أنه على الأقل - وإذا افترضنا حسن النوايا - لم يلتقط ما فعله بومبيو خلال زيارته للمنطقة في 19 الجاري من ترسيم للضم لكل المنطقة "ج"، أمّا على الصعيد الفلسطيني ساد خطاب أن ترسيم الضم انتهى مع انتخاب بايدن للرئاسة الأميركية وهو من سيعود لاعتماد المفاوضات بين الطرفين من أجل الوصول إلى حل متفق عليه بدلا عن تأييد الضم الإسرائيلي. السؤال الذي يرتسم الآن أمام الجانب الفلسطيني هو حقيقة من شقين: الشق الأول يتعلق بالعقبة الجديدة التي وضعها بومبيو أمام بايدن بتأييده لضم المنطقة "ج" إلى إسرائيل، فهل ستغض إدارة بايدن النظر عن هذه الخطوة؟ وهل ستستمر في التعامل مع البضائع المنتجة في المنطقة "ج" على أنها منتجة في إسرائيل؟ وكيف ستتم معالجة هذا الأمر فلسطينيا مع إدارة بايدن؟ أمّا الشق الثاني فيتعلق بالضم الزاحف الجاري على الأرض، سيّما بشأن توسيع القدس الكبرى لتلتهم مساحات كبرى من الضفة الفلسطينية بحيث تصل إلى منتصف الطريق إلى نابلس شمالا، وإلى البحر الميت شرقا، وإلى مشارف مدينة الخليل جنوبا. فكيف سيتم التعامل مع هذا الضم الزاحف وهل ستتم العودة للمفاوضات مع إسرائيل في ظل استمراره؟

في إطار العلاقة الأميركية - الإسرائيلية تم التوافق في ما يبدو على إحالة مسألة ترسيم الضم إلى الولايات المتحدة الأميركية لتعلن عنها بدلا من إسرائيل، وذلك كمخرج من عدم استطاعة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الإعلان عنها مؤقتا حفاظا على العلاقات الجديدة مع الإمارات والبحرين والسودان، وبحيث قامت أميركا في المقابل بمنح إسرائيل أكثر من ستين بالمئة من الضفة الغربية بما يتجاوز ضعف ما وعدته بها صفقة القرن ذاتها. فهل يفهم المطبّعون العرب الجدد هذه الحقيقة؟ وهل سيتخذون موقفا من الولايات المتحدة التي تهب أرض فلسطين لإسرائيل وكأنها ضيعة تملكها وتتصرف بها كما تشاء؟

على أنّ الهدية الأميركية لإسرائيل خلال زيارة بومبيو الأخيرة لم تشمل فقط الموافقة على ضم المنطقة "ج" إلى إسرائيل، بل تعدتها إلى اعتبار مناطق الضفة التي تخضع للسلطة الوطنية الفلسطينية وغزة منطقتين مختلفتين، لذلك أعلن بومبيو أن البضائع الموردة من غزة إلى الولايات المتحدة الأميركية يجب أن توسم باسم غزة، وتلك الموردة من الضفة يجب أن توسم باسم الضفة، بهذه الطريقة أعطى بومبيو المنطقة "ج" إلى إسرائيل، كما قرر أن بقية الضفة وغزة لا تشكلان معا فلسطين البقايا، بل قرر أنهما وحدتان منفصلتان واحدة اسمها غزة والثانية الضفة، فيما تبقى القدس خارج الحساب.

تأكيدًا لمواقفه، زار بومبيو مصنع نبيذ في مستعمرة "بساغوت" قرب رام الله، وتم في فترة زيارته الإعلان عن بدء بناء أول مستعمرة جديدة حوالي القدس منذ عشرين عاما باسم "غيفعات همتوس"، وبوشر ببناء قسم E من مستعمرة "هار حوما" (جبل أبو غنيم)، كما طردت عائلات إضافية من حي بطن الهوى في سلوان إرضاءً لمجموعة "عطيرت كوهانيم" الاستيطانية، وبوشر بشرعنة سبعين موقعًا استيطانيًا استعماريًا عشوائيًا في مختلف أنحاء الضفة الفلسطينية بقرار من وزير المستوطنات، تساحي هنغبي، وطرحت الحكومة الإسرائيلية مع بومبيو مسألة بناء تسعة آلاف وحدة سكنية في ما تسمى بمنطقة عطروت قرب القدس في تجاوز آخر لصفقة القرن التي خصصت هذه المنطقة لفلسطين من أجل بناء مطاعم وفنادق ومحطات استقبال فيها للحجاج العرب والمسلمين الذي يتوقع أن يأتوا لزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه فهل يعي العرب هذا الضم الزاحف؟ هل من رهان على موقف إدارة بايدن لوقف كل ذلك؟ أوهل سنعود للمفاوضات رغم الضم الزاحف الجاري ورغم تشريع أميركا لضم المنطقة "ج" إلى إسرائيل؟

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص