إلى متى ننتظر؟

إلى متى ننتظر؟

قاطعتُ التصويت في الانتخابات الثلاث الأخيرة للكنيست بعد أن كنت من أكثر الداعين والمنظّرين والمشاركين في بناء القائمة المشتركة، رغم أنني لم أترشّح للكنيست ولم أفكر في أيّة لحظة بذلك. ولم يجعلني ذلك أشعر بالتردد أو الندم في أيّة لحظة، حتى عندما شهدت الانتخابات الأخيرة فورة وحماس غير مسبوقين في التصويت عند فلسطينيي 48، استجابة للنداءات التي أطلقتها حملة القائمة المشتركة، بأنّ هذه الجولة ستقلب المعادلة الإسرائيلية الانتخابية لصالحهم.

لكنّني، وبوعي تام، لم أدعُ للمقاطعة ولم أر أنَّ الظرف كان ناضجًا للاستجابة لعديد الأصوات بخوض حملة منظمة وواسعة لمقاطعة الانتخابات، لأنه لم يكن لدي، ولا لدى الآخرين، تصوّر بديل فوري يسعف الناس ويخاطب أسئلتهم وحاجاتهم الآنية وبعيدة المدى، مع أنّني في الوقت ذاته احترمت موقف من دعا إلى ذلك من منطلق مبدئي. وليس من المسؤولية أن يساهم المرء في تعميق الفراغ السياسي والوطني الذي ولّده وفاقمه سلوك قيادات في القائمة المشتركة.

وفي داخل "حملة الدولة الديمقراطية الواحدة" في فلسطين التاريخية، التي باشرنا في بنائها قبل ثلاث سنوات، انطلاقًا من حيفا وغزة ورام الله والشتات، كانت هناك أصوات قليلة تميل إلى الدعوة للمقاطعة، غير أنّ القرار القاطع كان عدم زج الحملة في خيار ليست مستعدة له، وفي ظرف بات مئات الآلاف من أبناء شعبنا الفلسطيني ينظرون إلى المشتركة بأهمية كبيرة، بعضهم بتأثير الخطاب التضليلي وغير السياسي بأنّ زيادة المقاعد تعني التأثير في سياسات حكومة الأبرتهايد الاستعمارية، والبعض الآخر كون الوحدة تمنحه بالشعور بالقوّة والثقة بالنفس، وهذا أمر مفهوم تمامًا.

مع ذلك، لستُ سعيدًا أبدًا بتفكّك القائمة المشتركة، بل حزين جدًا وقلق جدًا وغاضب جدًا، مثلي مثل الكثيرين من أبناء وبنات شعبي. ليس الحزن أو القلق نابعين من تفكّك المشتركة بحد ذاته، إذ أنّ التفكك بدأ بعد أشهر قليلة من انطلاقها. بدأ التفكك سياسيا وأخلاقيا، وهو الأخطر، من خلال تشبيه حالتنا بحالة السود في أميركا والتشبّه بمارتن لوثر كينغ والتنصّل من مالكولم إكس، والتنافس الشخصي على النجومية الفارغة ومغازلة التيار الصهيوني الليبرالي في أميركا وفي إسرائيل، وسرقة مقعد التجمع الوطني الديمقراطي والعمل على تطويع قيادة التجمع ودفعها إلى التنصل، عمليًا، من خطاب الحركة الوطنية المتحدّي، الذي نهض به التجمع في ظرف سياسي حالك شهدناه بعد أوسلو، وصولًا إلى التوصية على مجرم الحرب بيني غانتس، والتحالف مع نتنياهو الذي استخدم أحد مركبات المشتركة لتفكيكها.

إنّما غضبي، في الأساس، لأنّ تفككها أعادنا إلى الوراء خطوات كبيرة وخطيرة، وضرب السياسة العربية الوطنية في الصميم، وعمّق إحباط الناس بعد ثلاث سنوات من خطابات التضليل والشعارات غير الواقعية، وساهم في تعطيل الإمكانية الكبيرة في تطوير حالة وحدوية متقدمة من خلال لجنة المتابعة العليا.

والتفكّك ليس تنظيميًا فحسب، بل سياسيًا وأخلاقيًا وإستراتيجيًّا. بكلمات أخرى، بدل أن تصبح القائمة المشتركة قوة مساعدة على إعادة تتظيم الفلسطينيين وتعزيز قوتهم من خلال تطوير وبناء مؤسساتهم الوطنية التمثيلية، تم تحويلها إلى عامل هدم وتدمير بسبب سلوك سياسي هجين كان دائمًا موجودًا ولكنه لم يكن في السابق قادر على رفع رأسه، عندما كان التيار الوطني بشقيه القومي والإسلامي (الشمالية) قويًا ومتحديًا.

ولهذا، فإنّ إمكانية الإصلاح والتصويب تصبح في غاية الصعوبة، بعد أن تجذّر النهج الهجين، والذي بات له حامل اجتماعي يتمثل بشرائح واسعة من الطبقة الوسطى التي نهضت في هوامش الاقتصاد الإسرائيلي والأكاديمية الإسرائيلية. والقوة التي نعنيها ليست متمثلة في الجانب التنظيمي والجماهيري فقط، بل أيضًا في هوية الإطار التمثيلي الجامع أو الحركة أو الحزب. وحين تضمحلّ هوية وعقائدية أيّ تيار سياسي يفقد مبرّر وجوده ولا يعود قادرًا على استعادتها إلا بثورة من داخله أو من خارجه. فالقيادة التي تواصل تبوءها للقيادة في ظرف الانحلال والتحلّل تصبح مجموعة صغيرة تنشغل بذاتها وبفردانيتها، فتقلّ قراءتها وإبداعاتها، وهكذا يصبح الطريق إلى الإصلاح مغلقًا، فيهجر أصحاب الفكر النقدي والثقافة أحزابهم وتتحول هذه الأحزاب إلى هياكل جوفاء ومنفرة.

في الموازاة، بقيت لجنة المتابعة على حالها: عاجزة وضعيفة، وغير مؤهلة للتحول لقيادة حركة وطنية فلسطينية داخل الأخضر، تجمع بين الهموم اليومية والحقوق المدنية. وربط هذا الجزء من شعبنا بقضيته الوطنية العابرة للتجمعات الفلسطينية.

ولقد بات واضحًا أنّنا مع تفكّك المشتركة ووضع المتابعة، وَلَجنا مرحلة جديدة من التردي السياسي على المستوى الشعبي، وذلك بفتح المجال لعودة الأحزاب الصهيونية، بما فيها حزب نتنياهو، الذي أبلى بلاءً في تحقير ومعاداة المجتمع الفلسطيني وقياداته، بالقول والفعل.

لن ينفع الأحزاب تحميل النهج الخطير لمنصور عباس المسؤولية عن وصول الوضع إلى هذا الدرك، فهو أكمل طريق من سبقه، وإن كانت بذور هذا النهج قائمة بنيويًا في نهج الحركة الإسلامية الجنوبية، وكنت قد خضت نقاشا وحوارات طويلة أخوية مع منصور عباس وغيره من قادة الحركة، حتى عام 2015، لكن دون جدوى.

وكما يبدو يذهب المشهد السياسي الحزبي الحالي في المجتمع الفلسطيني إلى خوض الانتخابات بقائمتين، ما يعني توجيه الحرب الإعلامية والسياسية إلى داخلنا، بدل الدولة التي تضطهدنا وتلاحقنا وتسعى إلى إخفاء وجودنا الحضاري على مدار اللحظة. لن تكون النقاشات على خلافات جوهرية، مثل إعادة بناء المرجعية الوطنية وتقوية مجتمعنا والحفاظ على تماسكه القومي، وإنقاذه من عملية تدمير داخلي جارية على قدم وساق؛ بل قد يجعل البعض من الموقف من المثليين، قضية كبرى وكأنّها هي التي تهدد الوجود العربي برمته، بحيث تصغر الكارثة قضية الاستعمار الداخلي الذي تمارسه إسرائيل علينا.

الجانب الآخر للمعضلة، هو غياب المبادرات الوطنية الفعلية للدخول إلى ساحة التصدي لهذه السيرورة المتسارعة أو الإصلاح برؤية وطنيّة ومهنيّة، ومواجهة تلك القيادات بصورة مسـؤولة ومخلصة.

في هذا الجانب، كلّنا نتحمل المسؤولية، فإلى متى ننتظر؟

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص