إضعاف "التأثير".. وسرقة "الإنجازات"!

إضعاف "التأثير".. وسرقة "الإنجازات"!

لسنوات طويلة ترك الليكود ("حيروت" سابقًا) البقية الباقية من الفلسطينيين كشأن سياسي وانتخابي في ملعب "ماباي"، الحزب المؤسس والحاكم لإسرائيل في سنواتها الأولى، والذي لم يميّز بدوره في التعامل معهم كثيرا بين الدولة وبين الحزب، وكان تصويت العرب الفلسطينيين بجموعهم لحزب السلطة جزءًا من إثبات الولاء للدولة التي تتحكم بمصيرهم.

هذا الأمر يتبدى بوضوح بنسب التصويت التي تفوق الـ90% في انتخابات الكنيست الأولى والثانية بشكل خاص، والتي حصل "ماباي" على حصة الأسد منها، وهي نسبة انخفضت طرديًا مع تعاظم شعور العرب الفلسطينيين بقوتهم وصولا إلى التمرد على الوصاية الذي توج بيوم الأرض 1976.

والغريب أنّ الليكود الذي عارض استمرار فرض الحكم العسكري على العرب الفلسطينيين، حتى ولو كان نكاية ببن غوريون، لم يحظ بحدٍ أدنى من أصوات العرب الفلسطينيين الذين لم ينسوا مجازر "الإيتسل" و"الليحي" في دير ياسين وغيرها، ولم يشعروا بأنّ التصويت له يدخل في باب الولاء للدولة مثلما هو الحال مع "ماباي"، بل شعروا أنّ معاداته قد تكون موضع رضا في دوائر الدولة المحكومة من قبل "ماباي".

وشهدت سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات قوائم عربية مرتبطة بحزب "ماباي" وتسمياته الحديثة ("المعراخ" وحزب "العمل") كان آخرها "القائمة العربية الموحدة" التي انتهى أجلها بجريمة مقتل عضو الكنيست حماد أبو ربيعة عام 1981، إثر خلاف على التناوب مع جبر داهش معدي، حافظ بعدها حزب العمل على "تزيين" قائمته الانتخابية باسم عربي كان أبرزهم عبد الوهاب دراوشة، الذي استقال خلال الانتفاضة الأولى وآخرهم زهير بهلول الذي استقال احتجاجا على "قانون القومية".

ما أردنا قوله من وراء هذا الاستعراض أنّ فصول العلاقة مع حزب "العمل" وتسمياته التاريخية لم تبدأ مع حكومة رابين عام 1992، بل هي علاقة مركبة بدأت بين الحاكم والمحكوم منذ عام 1948 وتطوّرت من مراحل الولاء والتبعية، التي شابها الكثير من الازدراء للتابعين العرب، بمن فيهم أعضاء الكنيست، كما يذكر الكثير من الباحثين، وصولا إلى حلّ هذه القوائم تزامنا مع حل العديد من الدوائر العربية التي كانت تكرّس وضعية التبعية لدى العرب الفلسطينيين وضم عضو عربي أو أكثر إلى صفوف الحزب، وانتهاء بانضواء الأحزاب العربية الوطنية المستقلة في إطار المعسكر الذي كان يقوده حزب "العمل" والذي سمي معسكر" اليسار" ثم "اليسار الوسط".

في غضون ذلك، اكتفى الليكود حتى بعد أن تحوّل إلى حزب حاكم بالعمل في نطاق هوامش المجتمع العربي الفلسطيني، خصوصا في أوساط الطائفة الدرزية وبعض التجمعات البدوية في النقب بشكل خاص، وتحاشى - أو لم يستطع - الدخول إلى مراكزه الاجتماعية والحضرية.

لهذا السبب شكّلت "فلتة" منصور عباس نحو الليكود صدمة كبيرة، حتى لو أنّها جاءت كما يدعي لتصويب خطأ تاريخي ووضع العلاقة مع المعسكرين الصهيونيين على قدم المساواة. وهي، بالتالي، فتحت الباب لاختراق ما كان يحلم به نتنياهو وحزبه مستغلّا تصدعات قديمة وجديدة في البنيان السياسي للمجتمع العربي للنفاذ منها.

صحيح أنّنا "نثور" فقط عندما يجري الحديث عن الليكود ونتنياهو، وربما نسكت على ترشيح رئيسة مؤسسة مجتمع مدني من تأسيس رئيس لجنة متابعة سابق وتعمل بالتنسيق مع اللجنة القطرية للسلطات المحلية، في حزب "ميرتس"، وعلى مشاركة رئيس بلدية سابق دعمته القوى الوطنية لحزب يهودي عربي مع رئيس بلدية حيفا السابق يونا ياهاف، لكن أن يُستقبل نتنياهو في عاصمة العرب الفلسطينيين ويعلن رئيس بلدية الناصرة دعمه لليكود في الانتخابات القريبة، هو اختراق نوعي ودليل على مدى الانهيار اللاحق بمجتمعنا.

ما يحدث في البلديات والمجالس التي تحول رؤساؤها بغالبيّتهم إلى مجرّد موظفين لدى وزارة الداخلية يجب أن يؤدوا فروض الولاء للدولة للحصول على فتات الميزانيات، هو عودة للعهود الغابرة بفارق بسيط وهو استبدال "الماباي" بالليكود.

وإن نجحوا في تحويل النقاش الانتخابي إلى موضوع إنجازات وميزانيات، فإن نتنياهو يستطيع بغمضة عين سرقة جميع الإنجازات التي يتفاخر بها رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة وعلى رأسها خطة 922 التي أقرّتها حكومته، وتحويلها إلى رصيده الانتخابي في الشارع العربي، وأن يتبجّح بأنه أكثر رئيس حكومة أعطى للعرب.

على القائمة المشتركة ومركباتها الاعتراف بأخطائها القاتلة وعلى رأسها الوقوع في مطب سياسة التأثير التي قادت إلى التوصية على غانتس وسياسة الإقلاع عن السياسة والاهتمام بالقضايا المدنية والمعيشية، على حساب القضايا القومية والقضية الفلسطينية، فضربت بذلك ليس رصيدها المعنوي فحسب بل والقيم الوطنية الجامعة التي كانت تشكل سدًّا أمام عودة الأحزاب الصهيونية وأعوانها، وسهّلت بذلك اختراق نتنياهو للشارع العربي.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص