من الذي يدمِّر ممتلكاتنا العامة؟!

من الذي يدمِّر ممتلكاتنا العامة؟!

لا يمضي أسبوع أو أقل حتى نرى مشهدًا مثيرًا للاشمئزاز والقرف والحزن في آن واحد، وهي مشاهد تخريب، تحطيم وإحراق في منشآت أو مؤسَّسات عامة، مثل المدارس، والرَّوضات، ومحطات الباص، والمراكز الجماهيرية، ومكاتب أو مخازن تابعة للمجالس والبلديات المحلية العربية، ولا نستثني من هذا أيَّ بلدٍ من النَّقب جنوبًا، حتى الشَّمال، مرورًا بالساحل والمَرْكِز والمُثلَّث.

الجميع يغضبُ ويستنكر، فهذه أموالنا، وهذه المرافق مُعدَّةٌ لأبنائنا وشبابنا وشيوخنا، وهي حقوق وميزانيات لم نحصّلها بسهولة، بل من خلال مطالبات ومثابرات ومكاتبات مع المسؤولين على مدار سنين، وهي من ميزانيات الوزارات المختلفة، وبعضها من تبرُّعات فاعلي الخير ومن الصَّدقات الجارية عن أرواح بعض الأحباء.

إذن ما هي الدوافع التي تقف وراء مثل هذه الأفعال التخريبيَّة المُنكرة؟

هنالك أسباب كثيرة التي تدفع إلى التَّخريب.

منها ما هو نتيجة لمرض نفسي عدواني، جذوره تعود إلى الشعور بالاضطهاد، وكأن الفاعل ينتقم بهذا وينفِّس عن مشاعر الغبن التي تعيش في داخله.

التفكُّك الأسري والشعور بالاكتئاب، وممارسة التخريب كحيلة نفسيةٍ احتجاجًا على الوالدين والأسرة، ولجذب انتباه الناس، أو حتى السعيَّ للشُّهرة، مثل قصة ذلك الذي كسَرَ مزراب العين.

من التجارب الكثيرة المتكرّرة، يتضح أن معظم هذا التخريب يقوم به فتية قاصرون مستهترون لا يعون ما يفعلون، من عائلات في ضائقة، وهي الفئة الأكثر انتشارًا، فلا رقابة عليها من قبل الأهالي، ولا هم يراقبون أنفسهم، ولا يعون الضَّرر المادي والمعنوي الذي يتسببون به لأبناء بلدهم ولأنفسهم، وعادة ما يأتي هذا التخريب وليد لحظته، أي أنه غير مخطَّط، ولا هدف منه سوى الشُّعور في اللحظة الآنية بلذة التمرّد والفوضى والمغامرة والانتقام ورفض الانضباط والنظام والواقع.

وهناك فئة أقل، تمارس التخريب المتعمّد كوسيلة احتجاج وانتقام، مثلا إذا رُفض طلبه أو طلب عزيز قريب منه في إشغال وظيفة ما، فأخذوا غيره، مثل حارس لمؤسسة، أو عامل صيانة، أو حتى موظف. هنالك فئة من المنتقمين لأن نتيجة الانتخابات لم ترضهم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر في رئاسة البلدية أو المجلس المحلي، ويأتي التخريب للمرافق العامة، نتيجة تحريض غير مباشر للفتيان، وتعبئتهم من قبل كبار، بأن هذه البلدة لا تستحق ما أنجزناه لها، أو بهدف وضع عراقيل أمام الإدارة الجديدة لإفشالها.

هناك عمليات تخريب تُستخدم كوسيلة ضغط، لإرغام إدارة مجلس ما أو بلدية، على توظيف شخص ما لحماية الممتلكات أو المواقع التي تعرَّضت للتخريب.

الأهم من كل هذه الأسباب أن التخريب أو الحفاظ على الممتلكات يعكس مدى انتماء الناس إلى بلدهم ومجتمعهم، ويعكس قيَمَهم التربوية والأخلاقية.

لقد عرفنا في الماضي أنّ المال العام هو "مال وقف" وهذا يعني أن مسَّه بسوءٍ حرام.

الوَقْف والحرام، كان قيمة روحية أخلاقية رفيعة، ذات جذور دينية، وهذه ضعفت جدًا وتكاد تفقد، وما نسمعه الآن هو أن "هذا حقُّه مصاري"! أي أن الدافع لتحريم تخريبه، هو ثمنه، وليس لأنه مُحرَّم أخلاقيًا أو دينيًا.

فقدان الشعور بالشّراكة في الحيِّز العام، وبأن له حصة فيه مثل غيره، وبأن عليه واجب المحافظة عليه وحتى الدِّفاع عنه.

الضعف العام بالانتماء الوطني والقومي، وفقدان الشعور بالمصير والمستقبل المشترك، فلا يمكن أن يكون شعب ما بلا هدف وطني جامع واضح لجميع أبنائه، وفي الوقت ذاته أن يكون غيورًا على ممتلكاته العامة التي لا يشعر بأنها تخصّه كشعب، وبأنها من إنجازات المجموعة التي ينتمي إليها، وبأن وجودها هو مصلحة وطنية للجميع.

كذلك ممكن أن يكون احتجاجًا جبانًا يعبُّر عن عجز في مواجهة المحسوبيات التي تفضِّل في التوظيفات فئة عن فئة، وتُهمِّش فئة لصالح فئة أخرى ذات نفوذ، وقادرة على الإيذاء.

الشعور بالعبثية، وهذا لا يمكن فصله عن جرائم القتل وفوضى السِّلاح والأزمة الاقتصادية، وعجز المجتمع عن مواجهتها، الأمر الذي يُعطي انطباعًا بالفوضى وبلا جدوى أو قيمة لأيِّ شيء.

من ناحية أخرى، فإن هذه الأعمال تقوم بها فئة هامشية جدًا في مجتمعنا وممكن محاصرتها، ولكن حادثًا كهذا يُعَكِّر صفاء بلد، مهما كان صغيرًا.

ومقابل هذا التخريب، نرى الكثير من النخوة والجمال في شعبنا، قلّما نجده لدى شعوب أخرى، وهو أكثر بكثير من هذا الشذوذ والانحراف والعقد النفسية.

هناك من يضحُّون بوقتهم ويبذلون من مالهم وينشطون في مجالات إنسانية كثيرة، مثل الإغاثة، ودعم الطلاب الجامعيين، والأسر المستورة، والنشاطات الثقافية الكثيرة، وتشجيع الإبداع في كل المجالات، والأعمال التطوّعية، وتزكية المال، والكفاح الميداني العملي والمعنوي ضد العنصرية وإفرازاتها، ومن أجل حقوق الشعب كلِّه، وهناك أعمال الخير الخفيّة الكثيرة، والنوايا الطيِّبة، والأمل الذي لا بد وأن ينتصر على العبث والتخريب واليأس.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص