همسٌ أمامَ المطر

همسٌ أمامَ المطر

اعتدتُ، في السنوات الأخيرة، أن انتظر المطر بشوقٍ لأشاهده وهو يهطل بغزارة في الخارج، وأراقبه من وراء نافذة غرفتي. أتوقف عن القراءة أو الكتابة لأحدّق في مشهد طبيعي ساحرٍ بدأ يتملّكني يومًا بعدَ يوم، ويخترقه النظر إلى الجبال الخضراء المحيطة بالقرية، وإلى البحر المتوسط حيث ترقدُ مدينتا عكا وحيفا على الساحل الشمالي لفلسطين.

أدعو زوجتي للنظر معي من النافذة، ولكني لم أستطع مرّة واحدة تمالك نفسي في تمرير لحظات قصيرة من التـأمل والصفاء، دون تعكير تأمّلها. إذ تحضرك في الذهن – مباشرةً - صور البؤس المريع في مخيمات اللجوء السوري، التي تغرق هذه الأيام، كما في السنوات السابقة، في المياه والثلج، ويكوي البرد أجسام الأطفال الغضة. كما تحضر صور البؤس ومعاناة الناس تحت الحصار الصهيوني الوحشي في قطاع غزة، الذين يرزحون تحت الفقر، ويحلمون بحياة طبيعية؛ أو في البيئة القريبة والبعيدة التي نعيش فيها، حيث الأقرباء والأحباب والأصدقاء، وأبناء البلد الواحد، الذين تتنوع همومهم وحاجاتهم.

قد تكون في ذلك قسوة على الذات وعلى الغير، ولكنّني لست من الذين يستحضرون تلك المقارنات بين ظروفنا وظروفهم، أو بين ظروف الناس المختلفة لتعذيب النفس بل لتهذيبها، والحفاظ على التوازن - التوازن الروحي والأخلاقي - وردع النزوع المبالغ نحو الراحة الذاتية. كل فرد منا مهما كان متمسّكًا بمُثُلٍ يحتاج لتدريبٍ روحي بين الحين والآخر حتى لا تتجمّد الحواس، وبكونك لست ذاتًا فقط إنّما كيان اجتماعي. وفي مجالٍ غير السياسة، تجد، على سبيل المثال، أشخاصًا عاديين - وليسوا بالضرورة أغنياء - يبحثون عن طلاب محتاجين لدعمهم ماديًا، وأرى في ذلك تطهرًا وممارسةً روحيه، وتعبيرًا عن مشاعر جياشة، تجاه ضائقة الآخر، وعن الحاجة للتوازن النفسي أو الأخلاقي بوعيٍ أو دونَه.

بعد تقدّم العمر، تُعيد اكتشاف جوانب جديدة في الطبيعة، سواءً في الطبيعة الجغرافية أو البشرية، إذ كنت أراها يوميًا، ولكن نظرك لم يكن يخترقها من الداخل.

مثلًا في زحمة النشاط المكثف، وما يصاحبه من توتّرٍ وغضبٍ وإثارة وتفاعل خليط من المشاعر، وتحت ثقل الهموم اليومية، لا يتاح لك التفكير والتمعن في مظاهر عديدة أو حتّى في الكثير من سلوكياتك وطريقة حياتك. وحين تعود إلى الخلف، وتستحضر الماضي، يُخيل لك وكأن قدرًا، أو قوة ميتافيزقية كانت تحرّكك وبقدر قليل من الإرادة الذاتيّة. تحرّكك الأفكار والأحلام الكبيرة غير الشخصية والحماس المشتعل دون حساب التكلفة الشخصيّة، ولكن مع حساب الخسارة والفائدة على المستوى العام. تكتشفُ لاحقًا أن ذلك كان سلوكًا روحيًا دون أن تدري، سلوكًا يحرّك النوازع النبيلة الكامنة في كل إنسان، سلوكًا كنت تعتقد أنه يرمي فقط إلى خدمة الآخرين، قضية شعبك الوطنية في هذه الحالة، فتكتشف أن كل تلك الثورة الذاتية الداخلية جعلت منك إنسانًا آخر، وزوّدتك بمعنى معين للحياة. وحين تتوسّع في القراءة تكتشف أن تلك صفة مشتركة عند غالبية الذين تجاوزوا ذاتَهم إلى العام، واندمجوا فيه وجعلوا انخراطهم فيه مكونًا أساسيًا، بل ربما الأساسي في حياتهم.

لا أتحدّث عن الذين تحوّلوا إلى آلات صمّاء أو واصلوا النشاط بقوّة العادة، حيث تحوّلت مهمتهم إلى أشبه بممارسة الطقوس الجامدة وعبادتها المنزوعة من روحانيتها، بدل العمل من أجل الغاية النبيلة، الله أو الوطن أو الحرية أو كلهم معًا. بل أتحدث عن الذين تظل الجمرة الأولى محرّكة أفعالهم والذين لا يجدون غضاضة في التوقف والمراجعة أو الاعتكاف لفتراتٍ قصيرة، لممارسة التأمل والاستقصاء واستخلاص ما هو أفضل إن تمكنوا. لا أتحدّث عن الذين يظنون أن الدنيا ستنهار إذا خسروا موقعهم، في حين أن خوفهم الحقيقي هو من احتمال انهيار عالمهم الخاص، الذي بدأ عالمًا عامًا وانتهى تدريجيًا إلى مهنة، أو عادة يومية رتيبة.

خلاصة الفكرة هي أنّ الإنسان لا يستطيع أن يتجرّد من صفته الاجتماعية، وما يترتب عليها من شعور التضامن والتكافل وما يتضمّنه من أبعاد روحيّة وأخلاقيّة، يمكن أن تعبّر عن ذاتها إما بفعل سياسي أو خيري أو اجتماعي مباشر أو على شكل دعم معنوي، كلٌ حسب قدرته.

لا شكّ أنّ نمطَ الحياة العصري المتّسم بالفردانية والنزوع نحو الخلاص الذاتي، وكل ما يرافق ذلك من شرور اجتماعية، يجعل مهمة الحفاظ على التوازن القيمي تحّديًا حقيقيًا. لكن لهذا السبب بالذات، تصبح المهمة ضرورة أخلاقية لكل فرد قادر، معرفيًا ومهنيًا.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص