في يوم الصحة العالمي؛ ما المطلوب.. "مساواة" أم "عدالة صحية"؟

في يوم الصحة العالمي؛ ما المطلوب.. "مساواة" أم "عدالة صحية"؟

يصادف هذا اليوم، السابع من نيسان/ أبريل يوم الصحة العالمي والذي يهدف إلى توجيه الأنظار مجددًا إلى الصحة، عامةً، مع التركيز على مواضيع ذات أهمية خاصة. أما هذا العام فيأتي يوم الصحة العالمي، وفق منظمة الصحة العالمية، تحت عنوان "بناء عالم أكثر عدلًا وصحةً".

وفي ظل جائحة كورونا العالمية تتخذ مسألة العدالة الصحية وجها وأهمية متميزة. وتلك الجائحة التي أبرزت الكثير من الحاجات والفجوات القائمة أصلًا بين المجتمعات وفي داخلها والتي عانت منها مجموعات كثيرة من بني البشر وخاصة مجموعات الأقليات في دول عديدة.

ومن جهة أخرى، أبرزت هذه الجائحة العلاقة الوثيقة والتأثير المتبادل بين الصحة والاقتصاد. وحيث أن الرعاية الصحية تعتبر حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان على الدولة احترامه وحمايته وتنفيذه وفق معايير التضامن، العدالة والكرامة الإنسانية، وكشفت هذه الجائحة أيضًا، مدى وواقع تحقيق هذا الحق وخاصةً في المجموعات المستضعفة والمهمشة وفي مجتمعات الأقليات بأشكالها المختلفة.

ولعَلَّ المجتمع العربي في إسرائيل هو أحد مجتمعات الأقليات التي تعاني من سلب هذا الحق الأساسي والذي يتمثل بانعدام المساواة بل والتمييز الممنهج في جميع المجالات وأهمها المجال الصحي.

فالمعطيات الموثوقة ولا سيما الرسمية منها، تشير إلى الفجوات المتعاظمة في المقاييس الصحية المتمثلة بنسبة انتشار العديد من الأمراض؛ مثل الأمراض المزمنة، ومعدل سنوات الحياة المتوقعة، ونسب الوفيات العامة والعينية إلى جانب ذلك النقص الواضح في العديد من الخدمات الصحية في المستوى الوقائي والعلاجي والتأهيلي.

ومنذ أن انضمت دولة اسرائيل إلى منظمة التعاون والاقتصاد والتنمية (OECD) لا شك أن هناك العديد من المحاولات والمبادرات لسد الفجوات الصحية وبالأساس بين مناطق مركز البلاد وأطرافها في الشمال والجنوب، إلى جانب بعض المحاولات الأخرى لسد الفجوات بين المجموعات السكانية المختلفة كالسكان العرب مقابل اليهود.

إلا أن نجاح هذه المبادرات لا يزال محدودًا حيث أن الفجوات لا تزال كبيرة، لا بل تتعاظم في بعض السياقات كنسبة الإصابة بالأمراض المزمنة وعلى رأسها مرض السكري.

وعلى هذه الخلفية، إضافة إلى بعض العوامل الأخرى المتعلقة بالتغيرات البنيوية في منظومات الحكم المركزي والمحلي، لا شك أننا نشهد ازديادًا بالاهتمام بالمسائل الصحية في العقد الأخير حيث أن المسائل الصحية بدأت تشكل جزءًا من الأجندة الاجتماعية والسياسية لمؤسسات الدولة ومتخذي القرار، إلّا أن هذا التغيير لم يؤت أكله بعد ولعل جائحة كورونا قد قدمت البرهان الأكبر على ذلك.

وفي سياق النضال من أجل الصحة وتطويرها، تعتبر "المساواة" هي الشعار والمطلب الرئيسي والتي تقضي بالأساس بتوزيع الموارد الخدماتية والتمويلية بشكل تفاضلي بين المجموعات والمناطق المختلفة بشكل يتلائم بالأساس مع حجمها النسبي من الكل الجامع.

ولكن السؤال المهم، هل هذه "المساواة" وفق المعايير المتبعة ستحقق الهدف الأساسي المنشود وهو تحسين الأوضاع الصحية للمجتمع العربي وسد الفجوات القائمة بينه وبين المجتمع الإسرائيلي عامة واليهودي بشكل خاص؟ وبناءً على ذلك هل يجدر بنا أن نستمر في نضالنا كقيادة صحية وجمهور لتحقيق "المساواة" باستخدام الآليات التقليدية دون بحث وتقييم مجددين للأهداف والنتائج؟

برأيي، فإن "المساواة" تكون غير مجدية في واقع يسود فيه تباين وتفاوت كبيران في نقاط الانطلاق بين المجموعات، الأمر الذي يفضي إلى أن الاستثمار (التمويل على سبيل المثال) الموزع بين مجموعات هدف مختلفة ومن مبدأ تحقيق "المساواة" لا يتم استخدامه واستغلاله بشكل ناجع وكما يجب في المجموعة التي لا تملك من البنى التحتية والقدرات البشرية والمهنية القادرة على العمل أو البيئة الممَكّنة، مقابل تلك المجموعة الأخرى التي تملك هذه القدرات والبنى التحتية. وبهذا فإن المساواة التوزيعية لا تكون ضمانًا للتغيير وتقليص الفجوات.

إن ما نحتاجه حقيقةً، هي "العدالة الصحية"، والتي تشكل مبدأ أساسيا يقضي بتوزيع الخدمات والسلع الصحية وفق الحاجات وليس وفق الحجم النسبي لأي مجموعة سكانية.

أي أن "الحاجة" يجب أن تكون هي المعيار التوزيعي الأهم مما يحتّم عملية تمييز إيجابي يمنح المجموعات ذات الحاجة الأكبر امتيازات وأفضليات في ما يتعلق بالتوزيع التمويلي والبنى التحتية والخدمات.

ولكي يتم ذلك، لا بُد من العمل على إعادة هيكلة المنظومة الصحية عامة وتوظيفها بحيث تضمن الحقوق الصحية والغطاء الصحي لكل مواطن وفق حاجاته الصحية، إضافة إلى تطوير منظومة تمويل عادلة تندمج فيها مقاييس ومعايير تعكس تميز وخصوصية المجموعات المختلفة، مثل الوضع الاقتصادي العام لكل مجموعة سكانية منطقة أو بلد ومدى انتشار عوامل الخطر الصحي وتعرض الأفراد لهذه العوامل.

ومن جهة أخرى، لا بد من عملية مستمرة لتعزيز هذه "العدالة الصحية" ترصد الحاجات من جهة، وتحقيق النتائج المرجوة من جهة أخرى، إلا أن هذه العملية يجب أن تتخطَى التركيز على الأسباب المباشرة للفجوات في الصحة مثل الإصابة بالأمراض وانتشارها نحو بحث أكثر عمقًا لمعرفة أسباب هذه الأسباب ومعالجتها، مثل العوامل المؤسّسة للصحة والتدريج الاجتماعي والظروف التي تخلقها هذه العوامل.

ومما لا شك فيه أن تحقيق "العدالة الصحية" هي مهمة ومسؤولية الدولة المتمثلة بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة؛ الصحية، الاقتصادية، التربوية والسياسية. حيث يعتمد ذلك بالأساس على تطوير سياسات جيدة من أجل الصحة، بمعنى أن تكون الصحة جزءًا ومعيارًا أساسيًا في كافة السياسات وفي المجالات المختلفة. هذه المسؤولية تقع أيضًا على المجتمع كجهاز نحو أفراده والذي من شأنه أن يشكل حلقة التواصل بين المؤسسة وأجهزتها والجمهور.

وفي حال نجاح الدولة والمجتمع وقدرتهما على ضمان "العدالة الصحية" يأتي دور الأفراد بالاستجابة من خلال تحملهم مسؤولياتهم الشخصية الفردية للوصول إلى صحة وافرة من خلال تطوير واتباع سلوكيات صحية كالتغذية الحكيمة، النشاط الجسماني، الابتعاد عن عوامل الخطر كالتدخين وتبني نمط حياة صحي، والذي بالمقابل يحتم على الدولة تأمين وتوفير بيئة مناسبة مشجعة ومسهلة تحَوّل كل هذه الخيارات إلى خيارات سهلة التحقيق.


الكاتب مدير مركز الأبحاث الاجتماعية، جمعية "الجليل" ومحاضر في الكلية الأكاديمية صفد ومركز اللجنة العليا لمتابعة القضايا الصحية في المجتمع العربي المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص