الفرار بين التشكيك والانبهار

الفرار بين التشكيك والانبهار

انبهر مئات الملايين من البشر من العرب وغيرهم في العالم، بعملية فرار الأسرى الستة، وطبيعي جدًا أنه كلما كانت الرقابة في السِّجن أشدّ وأكثر تطورًا وتقنية، كان الإبهار أكبر.

إلى جانب الإنبهار وحتى الفرح، فإن هناك من شكّك في الأمر وسخر من إمكانية حدوث عملية كهذه، بسبب تواضع الأدوات، وشدة المراقبة، ومن هؤلاء الكاتب المصري الروائي يوسف زيدان، الذي كتب في صفحته الشخصية بأنها مسرحية وفيلم هندي، ولم يوضّح الكاتب العبقري ما الذي ستجنيه دولة الاحتلال من هذه المسرحية، والمشهد الهندي الذي مسَّ بهيبة أجهزتها الأمنية، ونزع فرحة عيد رأس السنة العبرية عن ملايين الإسرائيليين؟ ومن هم شركاؤها في المسرحية؟ هل حركة الجهاد أم كتائب شهداء الأقصى؟

من بين الذين طرحوا تساؤلات مشروعة وانطلاقًا من شعور وحس قومي، هو اللواء الأردني المتقاعد محمد باشا الزواهرة، وهو مدير سجن سابق في الأردن، ويعتبر خبيرًا في المجال.

تساءل الزواهرة أين ذهبت كميات الأتربة التي استخرجت من نفق طوله أكثر من عشرين مترًا، وكيف تخلصوا منها؟ ثم كيف تخلّصوا من الحجارة التي تظهر أثناء الحفر؟ كذلك كيف لم تتلف الأدوات البسيطة التي استخدموها في الحفر على مدار عام كامل؟

وكيف أن كاميرات المراقبة العالية التقنية لم ترسل إنذارات، ولماذا نامت الشُرَطية التي كانت في برج المراقبة بالضبط فوق الفتحة التي خرجوا منها في تلك اللحظات؟ ويذهب اللواء الزواهرة إلى احتمال أن تكون سلطة السُّجون قد قتلت هؤلاء السجناء لسبب ما، وأخفت جثثهم، وزعمت أنهم هربوا كي لا يثير مقتلهم ضجَّة وتحقيقات، وهكذا يبقى اختفاؤهم سرًا لن يعرف أحد حقيقته وحقيقة مقتلهم، ويقول، ربما أن هذه ليست سوى عملية تدريب أجرتها سلطة السُّجون، وما الهرب إلا عملية وهمية، وكذلك ربما أن الاحتلال اختلق هذه القصة ليتخذها ذريعة لاجتياح الضفة الغربية.

بعض تساؤلات اللواء الزواهرة منطقية، ولكن مقتل ستة أسرى لا يمكن أن يبقى سرًا في سجن جلبوع، سواء من قِبل القتلة المفترضين أنفسهم، لأنه سيكون أكثر من مُنفِّذ لهذه الجريمة المفترضة، وسيعلم بها كثيرون، سواء الذين نفذوا أو الذين تخلصوا من الجثث، ثم من قاموا في عملية تمثيل الهرب!

كذلك لا يمكن إخفاء أمر قتل ستة من الأسرى عن زملائهم، فلدى السُّجناء طرقٌ مبتكرة ومبتدعة للاتصال مع الخارج، وإخبار الناس بما يحدث داخل السُّجون. ومعروف أن الهواتف متوفّرة من خلال عمليات تهريب ذكية، والحاجة أم الاختراعات.

أما عن التخطيط لاجتياح الضفة الغربية واتخاذها ذريعة ، فهذا ليس له أي ضرورة ولا نفع، بالعكس، فالمطلوب هو مواصلة تعزيز دور السُّلطة الفلسطينية في مجال التنسيق الأمني الذي يجعل من الاحتلال واقعًا مريحًا غير مكلف.

أما عن أنه تمرين وهمي، فهذا خيال غير قريب من الواقع، لأن التمرين لا يحتاج إلى إعلان عن هرب ستة أسرى ونصب مئات الحواجز واستدعاء كتاب من الجيش للمساعدة في العثور عليهم.

أما عن التقنيات والكاميرا فهي صُوِّرت بالفعل ولكن لا يمكن حتى للمراقبين أن يبقوا طيلة الليل والنهار عيونهم على الشاشات، فقد تمر دقائق دون أن يلتفتوا إلى الشاشات لأن العملية تصبح رويتنا مملا على مدار سنوات، وهذا ينطبق على الشرطية التي نامت، يبدو أنها كانت مرهقة وغفت، وهذا طبيعي، خصوصا أن حوادث الهرب تحدث مرة كل بضع سنوات، ولا شك في أنها نامت كثيرا من المرات وليس في هذه الليلة فقط.

الزواهرة رغم شكوكه، دعا بالسلامة والنجاة للأسرى، ومن الواضح أنه إنسان غيور ذو مشاعر قومية وإنسانية، ويقول في النهاية إن ظهور أحد الأسرى حيّا هو ما يمكن أن يحكي ويفسِّر ما حدث.

أما سخرية الكاتب زيدان وزعمه أنها مسرحية، فإنما يدلّ على أن نفسيته ونرجسيته عاجزة عن قبول فكرة المقاومة من أصلها، وهو وأمثاله عاجزون عن الاعتراف بقدرة سجناء مجرّدين من أي أدوات على حفر المستحيل في الأرض الصلبة، وفي وعي الأمة، وحتى في وعي المُحتلين أنفسهم، فهو يرفض قبول وجود مثل هذه الإرادة والرغبة في الحرية، لأن وجودها يحرج أصحاب القوة والموارد العظيمة الذين دافعوا عن العجز والاستسلام بشتى الحجج.

أما النظرية التي تحدّثت عن مؤامرة حاكها محمد دحلان بتوجيه من الإمارات مع قيادات ليكودية لإحراج حكومة بينيت، فهذا نوع من الهذيان وليس أكثر.

إن عملا خارقًا مثل هذا يمكن أن يحرّك المياه الراكدة في الأمة، وأن يرفع معنويات، وهذا يشير إلى أننا نعيش في منطقة رمال متحركة وسريعة التأثر.

وزير الإعلام الأردني الأسبق، طاهر العدوان طالب بفتح الحدود أمام الأسرى الفارّين وحمايتهم، وهذا يشير إلى الحالة المعنوية والحماسة القومية التي يمكن لحدث كهذا أن يسببها، وهذا بلا شك ما تخشاه دولة الاحتلال والمتواطؤون والمنسِّقون معها.

بودكاست عرب 48