عن مصيَدة التحقيق

عن مصيَدة التحقيق

الموقف الفلسطيني الأساسي هو ليس التحقيق في ظروف وحيثيات استشهاد الإعلامية شيرين أبو عاقلة، بل هو توثيق عملية الاغتيال الاحتلالية، وذلك ضمن السعي لإخضاع دولة الاحتلال للعقاب، عقاب الشعب الفلسطيني وعقاب العدالة الدولية، حتى وإن لم يوجد توقُّع بألاّ تكون منقوصةً.

في اللحظة التي يَقبل فيها الفلسطينيون بلجنة تحقيق، حتى ولو كانت دولية، نكون قد خسرنا بعضا من الموقف، فالعالم الغربي يحزم الموقف حيثما يريد، ويدعو للتحقيق حيثما لا يريد أن يحزم، وعلى قدر نضال شعب فلسطين يحدث التحوّل والتحرّك الدوليين. لنتصوّر مثلا أنّ جريمة مماثلة حدثت في أوكرانيا، فلكانت الاتهامات الحازمة والمباشرة قد صدرت وقبل التيقّن من أية حيثيات ودون أيّ لجوء لها. بينما في حالة اغتيال إسرائيل لشيرين، الواضحة وضوح الشمس، فهي "قضية فيها نظر". إنه "نظر" غربيّ فحسب.

لا يملك الشعب الفلسطيني القدرة على مجاراة قدرات إسرائيل التكنولوجية في مساعيها لإخفاء بصماتها، فهي دولة قائمة ومؤسَّسة على الإخفاء والتنكّر وطمس الحقائق، وهذا جانب مركزي من مكوّنات عقيدتها. تتكدّس في أرشيفاتها كميات هائلة من تدوينات الإخفاء لمجمل جرائم المشروع الصهيوني منذ حطَّ في فلسطين، وبالذات جرائم الطرد الجماعي والتطهير العرقي وارتكاب المجازر والنهب، وعليه فإنّ شعبنا يتّهم الاحتلال ودولته، كما ويؤكد صوت الشعب بأنّه لن يرفض أيَّ تحقيقٍ من قبل المجرم في جريمته، ولا ثقة في الاحتلال ولا في دولته ولا في قضائه الشريك في كل جرائمه. إنه قضاء للقضاء على الحق الفلسطيني ولحماية المجرم الإسرائيلي، بل إنه قضاء "قرش شدمي" الذي حكم به قائد القوات التي ارتكبت مجزرة كفر قاسم، ناهيك عن عشرات المجازر الجماعية التي ترفض حتى الاعتراف بها أو بحدوثها، وترفض الاعتراف بقضية اللاجئين والمهجّرين، ولم يحصل أن عوقب سياسيّوها أو ضباطها على أي جريمة ارتُكبت.

تسعى دولة الاحتلال إلى جرّ فلسطين والعالم إلى دوّامة المطالبة بلجنة تحقيق في جريمة هذه الدولة وجيشها. ويكثر الحديث الإعلامي والسياسي عن التحقيق الدولي في اغتيال جيش الاحتلال للإعلامية شيرين أبو عاقلة، فإلى جانب التغطية الهائلة والجديرة للحدث، يكثر الحديث عن التحقيق كما لو كان شأنا موضوعيا أو محايدا. التحقيق الدولي يخضع لتوازنات القوى على الأرض وليس مستقلا عن مصالح الأطراف، وقد يكون ممكنا في حالات معيّنة، لكن ليس أمام جريمة اغتيال شيرين.

يتوجّه رئيس حكومة إسرائيل، بينيت، وبكل صفاقة واستعلاء عنصريين وبروح "الرجل الأبيض" الاحتلالي والمستعمِر، ويدلي بروايته محاولا اتهام شعب شيرين باغتيالها، وفي التستر بأقنعة علّه يبدو فيها ضحية، ووضع اغتيال دولته لشيرين في سياق "محاربة الإرهاب"، وكل فلسطيني في نظره هو إرهابي ربما باستثاء شخصية عربية واحدة مؤتلفة معه. لم يقصد بينيت أن يقنع الرئيس محمود عباس، بل أراد أن يتحدث إلى شعبه وإلى جنوده وإلى جيش الاحتلال الإرهابي. إلا أن الأخطر من بينيت كان وزير خارجيته "المعتدل"، لبيد، الذي توجّه بكل بلادة إلى القيادة الفلسطينية، يدعوها لإجراء "تحقيق مشترَك". لم يقصد لبيد أن يسمعه القادة الفلسطينيون ولا شعب فلسطين، بل أراد أن تنعم له أذن العالم الغربي. وفي حين قام "المعتدل" الآخر بيني غانتس وزير الحرب والمجازر في غزة، بمطالبة الفلسطينيين بتسليمه بقايا الرصاص الانشطاري الذي تفجّر في رأس شيرين، والذي أطلقه القناصة الإسرائيليون من البندقية الأميركية الصنع، والمعدّة للقتل ليس إلا، وهذا الأخير يريد أن يحمي صناع البندقية وأن يحمي مطلقو النار القتلة. ثم إنه حذّر بأنه من دون الرصاصة، فلن يكون بإمكان دولته استنفاد قيامها بتحقيق "مهنيّ"، والتوصل إلى "اليقين"!

كان من الأهمية بمكان أن يؤكّد الرئيس محمود عباس في كلمته في تأبين شيرين في مقر الرئاسة في رام الله، رفض التعاون مع الإسرائيليين في أي تحقيق، والتوجه إلى محكمة الجنايات الدولية مباشرة، حتى ولو ردّت المحكمة الشكوى الفلسطينية، ورغم جدارة هذا الموقف، إلا أنه قد يتعرّض لضغوطات إسرائيلية وأوروبية وأميركية لثني الفلسطينيين عن قرارهم.

إن هذا ليس بالسلوك الجديد، بل كذا كانت الحملة الشرسة التي قادها في حينه شمعون بيرس في عام 2002 لثني القيادة الفلسطينية عن التوجه إلى الجنايات الدولية في أعقاب مجزرة الاحتلال في مخيم جنين. ويكاد يكون هذا السلوك بعد كل مجزرة ارتكبتها دولة الاحتلال.

كما ومن المحتمل أن تستخدم إسرائيل سياسة الجزرة في طرف العصا، بأن تقترح صفقة "تحسين" الشروط الاحتلالية، مقابل التراجع الفلسطيني عن المحكمة الدولية. كما قد تكون الضغوطات الأميركية أكثر خطرا وفاعليّةً من الإسرائيلية. رغم جدارتها، باعتقادي أنّه من المبالغ فيه اعتماد صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية كمرجعية للإعلام الفلسطيني والساسة الفلسطينيين. ومن الأجدر أن يتمحور الخطاب الفلسطيني في اتهام إسرائيل على الرواية الفلسطينية، وبالذات القادمة من موقع الجريمة.

يبقى الرهان الأساس على شعب فلسطين الذي يكرّم شيرين، بكل مستوياته الشعبية والقيادية والدبلوماسية والإعلامية والفصائلية والسياسية، فإنّ المفتاح لأي تحوّل بالموقف الدولي منوط بنضال الشعب الفلسطيني على أرض الوطن. هذا الشعب الذي أعادت شيرين لحمته ووحّدته في الحزن المشترك والضمير المشترك، والغضب المشترك، والإصرار المشترك، والقضيّة الواحدة، فبقدر نضاله لإنهاء الاحتلال والمنظومة الاستعمارية الاستيطانية، يكون التحرّك. لا توجد اختصارات في طريق النضال الشاقّ والقاسي والمستنزِف، لكنه الطريق الوحيد الواعد.

من الضرورة التنويه والتنبيه إلى أنّ السلوك الإسرائيلي لا يرتدع من الجريمة التي ارتكبتها دولته. بل إن المسلك الذي قد تعتمده دولة الاحتلال هو التصعيد الدموي، وحتى التصفيات وتأزيم الوضع بعدوان متجدد، وقد يكون عنوانه جنين ومخيّمها؛ كل ذلك كي تبعِد الأنظار وتخرج من مأزقها الذي تتخبط فيه.

في محصّلة المشهد، إن إسرائيل قد أخفقت، وتخفق كل يوم في عدوانها على الشعب الفلسطيني، وإذ حدّدت بأنّ هدفها الإستراتيجي بعد هبّة الكرامة و"سيف القدس"، هو "الفصل بين الجبهات الفلسطينية" كما قالت، فإنها في جريمتها في مخيّم جنين وفي القدس وفي الداخل، إنما تخلق نقيضَ أهداف عدوانها. لقد نجحت شيرين أبو عاقلة في توحيد القضية وتوحيد الشعب وتوحيد فلسطين، وهذه معادلة واعدة في الطريق لحرية الشعب وحرية فلسطين.

نحمل أحزاننا ونواصل. لروحها السلام شيرين أبو عاقلة.

بودكاست عرب 48