مقاعد وعقائد

مقاعد وعقائد

يبدو أن انتخابات الكنيست القادمة ستكون مصيرية بالنسبة للعمل السياسي في الداخل، كونها بدأت تفرز بشكل واضح بين معسكرين هما في تحالف حاليا؛ المعسكر الأول، معسكر المقاعد، الذي همّه المقاعد في الكنيست من دون أي برنامج أو عقيدة سياسية حقيقية، وبلا حياة سياسية حزبية داخلية، بل هي قائمة على صلة القرابة والمحسوبية؛ المعسكر الثاني هو معسكر العقائد، أي الأحزاب السياسية المركزية، القائمة على مشروع أو عقيدة سياسية وهمها الدفع بها، وتعيش حياة حزبية ديمقراطية إلى حد كبير، وغير قائمة على صلة القرابة والمحسوبية.

ومع انطلاق عام الانتخابات البرلمانية، برز خطر حقيقي يهدد الإجماع الوطني والعمل السياسي والحركة الوطنية في الداخل، التي هي جزء حيوي من الحركة الوطنية الفلسطينية عمومًا. وهذا الخطر يتجاوز المنافسة على ترتيب المقاعد في القائمة المشتركة إلى ما أبعد من ذلك، ويلتقي مع طموحات بنيامين نتنياهو بتفتيت ما تبقى من الحركة الوطنية الفلسطينية ومشروعها السياسي، وخلق "قضايا فلسطينية" لها مصالح متضاربة ومختلفة حسب الموقع الجغرافي والمكانة القانونية.

فقد انطلقت حملة منذ الانتخابات البلدية تستهدف شرعية الأحزاب في الداخل، والتشكيك في جدواها، إلى درجة السعي إلى محاصرتها/ التآمر عليها بهدف تحسين شروط التفاوض على تركيبة القائمة المشتركة أو الانشقاق عنها. أي أن هذا الهجوم على الأحزاب، التي يجب أن ينتقد أداءها التقليدي، لا يسعى إلى تقديم طرح أو مشروع سياسي وطني جديد أو بديل، بل إلى تكريس الانتهازية السياسية والفئوية ودوس كل قيمة أخلاقية من أجل الوصول للكنيست، على اعتبار أنها "درة التاج في العمل الوطني"، وفي الوقت نفسه ضرب العمل الوطني.

والهجوم على الأحزاب وضرب شرعيتها لا يسعى لخلق حالة ثورية أو طرح وجوه قيادية جديدة، بل لتحصيل مكاسب فئوية وللإبقاء على أقدم عضو كنيست عربي لدورة أخرى أو أكثر، وذلك كله تحت شعار خدمة الناس وتصريحات وفيديوهات شعبوية رخيصة على الطريقة الترامبية.

يمكن القول إنه أصبح لدينا في الداخل يمين شعبوي أصفر يخطط لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة من باب "anti أحزاب"، مثل باقي الشعبويين في الغرب والشرق، لكن، وفي حالتنا التي نعيش فيها استعمارا، فإن ضرب الأحزاب سيعني ضرب الحركة الوطنية في الداخل أيضًا، سواء تلك المشاركة بالانتخابات البرلمانية أو تقاطعها، وهذا بالحقيقة هدف نتنياهو واليمين.

هذه الحملة عنوانها ليس فقط تحصيل المقاعد، بل الهجوم وضرب أي شيء له صلة بالعقائد، أي العمل الوطني، لأنه يريد أن يقصر العمل السياسي على العمل البرلماني والوساطة بين المواطن العربي والمؤسسات الإسرائيلية.

هذه الانتخابات ستكون مصيرية، ليس فقط لأن القائمة المشتركة مهددة بانشقاقات أو محاولات الإضعاف، أو لأن هناك من يريد أن يقضي على إحدى أهم المؤسسات المجتمعية الحديثة وهي الأحزاب، بدافع أناني فئوي وضمان مقعده في الكنيست القادمة، بل أيضا لأن هناك عملية إفساد للفرد المواطن وإقناعه أن "الحياة وساطات" وليس نضالات، وتعزيز البحث عن حلول فردية للقضايا العامة بدلا من النضال الجماعي من أجلها.

ضرب الأحزاب والحركة الوطنية من خلال التشكيك بشرعيتها ومحاولة شق القائمة المشتركة بمساعدة بعض رؤساء السلطات المحلية، لن يعني بروز أحزاب وطنية جديدة وحقيقية، بل صعود قوى الإجرام المنظم وشخصيات مرتبطة بالسلطة الإسرائيلية، ولا تملك أي مشروع سياسي حقيقي.

إذًا، نحن أمام انتخابات مصيرية ستحدد وجهة العمل السياسي في المرحلة المقبلة، ويبدو واضحًا أن هناك استهدافا للأحزاب والحركة الوطنية، ومحاولة لطرح مشاريع خدماتية مرتبطة بالسلطة الإسرائيلية تحت شعار "خلي الشعب يقرر"، فيما بالواقع، فإن حركة طارح هذا الشعار قائمة على صلة القرابة والمحسوبية، ولا علاقة لها بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد، وتقوم بدور شبيه بما قام به محمد دحلان من دور بتدمير للحركة الوطنية في فلسطين وتحديدا حركة فتح، من خلال ضرب الانتماء الحزبي العقائدي وبناء ولاءات قائمة على المصالح المادية والخدمات الشخصية. 

من المسؤول عن منع هذا الأمر الخطير؟ أولا، الأحزاب التي عليها أن تدرك خطورة المرحلة، وبأن الأمر ليس مجرد مساومة على مقاعد أو محاولة لشق المشتركة، بل هو مشروع مخطط لضرب الأحزاب، البرلمانية وغير البرلمانية، والحركة الوطنية لتفريغ العمل والخطاب السياسيين من أي عقيدة أو قيمة.

ثانيًا، تلقى مسؤولية كبيرة على النخب بما فيها النخب الأكاديمية والثقافية والإعلامية، بأن تضع حدا لصعود هذا اليمين الشعبوي، الذي لا يملك مشروعا سوى تحصيل المقاعد على حساب العمل الوطني. والمطلوب هو الترفع عن الحسابات الشخصية والفئوية، والتصرف بمسؤولية وطنية أمام المجتمع والشعب، والأهم التصرف باستقامة أخلاقية، لوضع حد لانهيار القيم والعقائد السياسية بعد أن انهارت القيم المجتمعية ونعيش عنفا يهددنا جميعا.

على هذه النخب تقديم خطاب وطني مسؤول بدلا من الانجرار خلف ممارسات شعبوية والتشكيك بالعمل السياسي والوطني، خصوصا وأنها لا تطرح أي مشروع وطني بديل. 

مثلا، هذه النخب وتحديدا الإعلامية، عليها أن تسأل من ناور ونسق مع الحريديين طيلة دورة الكنيست الحالية لمواجهة "قانون القومية"، لكنه فشل فشلا مدويا. وعليها أن تسأل لماذا يعارض الائتلاف الحكومي غالبية قوانين نواب القائمة المشتركة، فيما يتساهل مع قوانين أحد أعضاء هذه القائمة؟ ما سر هذه العلاقة؟

ومن يريد أن يضرب شرعية الحركة الوطنية في الداخل، يجب أن يدرك بأنه معرض لسحب الشرعية عنه، بما فيها الوطنية، وهذا أمر بسيط نسبيا، خصوصا في ظل العزوف المتزايد عن المشاركة في التصويت للانتخابات البرلمانية.

ليست المعركة على بقاء المشتركة أو وحدتها، بل المعركة على صورة العمل السياسي والوطني في الداخل؛ هل سيصبح العمل السياسي عبارة عن قوائم عائلية للكنيست وبلا أي عقيدة وخطاب سياسي حقيقي، بل أشبه بالإقطاع السياسي الوراثي؟ أم عملا سياسيا قيميا عقائديا عقلانيا وغير شعبوي، والأهم من ذلك، بأن يشكل نقيضا وندا للمشروع الصهيوني، ولا يتساوق معه لضرب الحركة الوطنية في الداخل، التي تشمل كوادر كافة الأحزاب الرئيسية في الداخل، بمن فيهم القومي والإسلامي والشيوعي وغيرهم.

هذا هو وجه المعركة الحقيقي، معركة بين معسكر المقاعد ومعسكر العقائد. معسكر يرتبط بطموحات نتنياهو وينسق معه، ومعسكر يتحدى نتنياهو ويصطدم معه.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص