خروج قطر من "أوبك": الأسباب والتداعيات المحتملة

خروج قطر من "أوبك": الأسباب والتداعيات المحتملة

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

أعلنت دولة قطر على لسان وزير الدولة لشؤون الطاقة، سعد بن شريدة الكعبي، في 3 كانون الأول/ ديسمبر 2018 قرار انسحابها من منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، بدءًا من مطلع كانون الثاني/ يناير 2019. ورغم تأكيد الكعبي أنّ القرار جاء لاعتبارات فنية تتعلق بإستراتيجية قطر المستقبلية تجاه قطاع الطاقة ورغبتها في التركيز على الغاز، فإن تأويلات كثيرة أُعطيت للقرار القطري، الذي جاء مفاجئًا لكثيرين، ووضع نهايةً لمسيرة استمرت 57 عامًا، كانت خلالها قطر عضوًا فاعلًا في المنظمة.

تاريخ من الانسحابات

تأسست منظمة أوبك في بغداد، بموجب اتفاقية توصَّلت إليها، في أيلول/ سبتمبر 1960، خمس دول مؤسّسة هي: إيران والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية وفنزويلا. وكان الهدف الرئيس من تأسيس هذه المنظمة الدفاع عن مصالح الدول الأعضاء والتنسيق فيما بينها بما يحفظ مصالحها الفردية والجماعية، وإيجاد السبل والوسائل التي تضمن استقرار الأسعار والإمدادات بطريقة تحقق مصالح المنتجين والمستهلكين. وقد توسّعت عضوية المنظمة بعد ذلك لتشمل كلًا من قطر (1961)، وإندونيسيا (1962)، وليبيا (1962)، والإمارات العربية المتحدة (1967)، والجزائر (1969)، ونيجيريا (1971)، والإكوادور (1973)، والغابون (1975)، وأنغولا (2007)، وغينيا الاستوائية (2017)، والكونغو (2018)، ليصبح عدد الدول الأعضاء 16 عضوًا.

وكانت الإكوادور قد علّقت عضويتها في أوبك في كانون الأول/ ديسمبر 1992، لكنها عادت إليها في تشرين الأول/ أكتوبر 2007. كما انسحبت إندونيسيا في كانون الثاني/ يناير 2009، ثم أعادت تفعيل عضويتها في كانون الثاني/ يناير 2016، لتعود وتقرر تعليق عضويتها مجددًا في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. وألغت الغابون عضويتها في كانون الثاني/ يناير 1995، غير أنها عادت وانضمت إلى المنظمة في تموز/ يوليو 2016.

انسحاب فنّي لا يخلو من السياسة

في صباح 3 كانون الأول/ ديسمبر 2018، تلقّى الأمين العام لمنظمة أوبك، النيجيري محمد سنوسي باركيندو، إخطارًا من دولة قطر تعرب فيه عن رغبتها في الانسحاب من أوبك، وذلك عملًا بالمادة 8 من النظام الأساسي للمنظمة التي تنصّ في الفقرة الأولى على أنه "لا يجوز لأيّ عضو من أعضاء المنظمة الانسحاب من عضويتها دون إخطار المؤتمر بعزمه القيام بذلك". ويدخل هذا الانسحاب حيّز التنفيذ "بداية السنة اللاحقة لاستلام مؤتمر أوبك لقرار الانسحاب"، وذلك حتى تتمكّن "الدول المنسحبة من إيفاء جميع الالتزامات المالية الناتجة من عضويتها"، كما يمكن الدولة استعادة هذه العضوية بحسب الفقرة "ج" من المادّة السابعة من النظام الأساسي والتي تقضي بوجوب قبول العضوية إذا وافق على ذلك ثلاثة أرباع الأعضاء كاملي العضوية.  

جاء قرار الانسحاب القطري مستندًا إلى عوامل وأسباب تنبع بالأساس من اعتبارات محلية خاصة بالاقتصاد القطري وتطلّعاته العالمية؛ وذلك عبر استثمار نقاط القوة الإنتاجية المتمثلة في إنتاج الغاز الطبيعي المُسال، الذي تحتل فيه قطر موقع الصدارة عالميًا بحيازتها نحو 30 في المئة من إنتاج الغاز المسال في العالم. وينسجم هذا القرار مع رغبة قطر في تركيز جهودها على تطوير هذا القطاع تزامنًا مع تحرّك الحكومة نحو زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن إلى 110 ملايين طن سنويًا. من هنا جاء التصريح القطري بأن خلفيات القرار فنية واقتصادية، وتأتي استجابة لمعطيات واقعية تتعلّق بكون قطر منتجًا صغيرًا للنفط مقارنة بإنتاج الغاز، فهي تنتج نحو 610 ألف برميل يوميًا، وتأتي بذلك في المرتبة الحادية عشرة من بين منتجي النفط في أوبك، وتعد واحدة من أصغر المنتجين بمساهمة إنتاجية تقلّ عن 2 في المئة من إنتاج المجموعة.

ويمكن تلخيص وجهة النظر الرسمية لقطر بشأن قرار الانسحاب من أوبك في النقاط التالية:

1) أن القرار فنّي وليس سياسيًا، فهو يتعلق بإستراتيجية قطر في المستقبل تجاه قطاع الطاقة.

2) سعي دولة قطر لترسيخ مكانتها بوصفها مزودًا موثوقًا ومعتمدًا للطاقة إلى جميع أنحاء العالم.

3) وضع إستراتيجية مستقبلية لقطاعَي النفط والغاز ترتكز على النمو والتوسع داخل الدولة وخارجها.

4) التركيز على النشاطات والأعمال الأساسية في قطر، وعلى تعزيز مكانة قطر بوصفها أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم.

ورغم أولوية هذه الأسباب الفنية، فإنّ قرارًا بهذه الأهمية لا يمكن فصله عن الأوضاع داخل أوبك، ولا سيما ما يتعلق بهيمنة الدول الكبرى في إنتاج النفط، وإجرائها اتفاقات خارج إطار المنظمة وفرضها على الدول الأقل إنتاجًا. وكانت قطر تمسكت بعضويتها في أوبك في أشد ظروف المنظمة سوءًا بما في ذلك في أوقات الحرب الإيرانية - العراقية (1980-1988)، واحتلال الكويت (1990)، وغزو العراق (2003)، أو حتّى خلال حقبة انهيار أسعار النفط عقب ثورات الربيع العربي (2014-2017).

وترى وكالات اقتصادية متخصصة في قرار انسحاب قطر في هذه الظروف دليلًا على تراجع نفوذ أوبك، وخاصة أنّ السعودية، التي تقود حصارًا رباعيًا ضد قطر، تعمل خارج إطار المنظمة وبالتنسيق مع دول غير أعضاء (روسيا تحديدًا) للتحكّم في كميات الإنتاج ومن ثم مستوى الأسعار. وقد أخذت هذه السياسات تضرّ بمصالح الدول الأعضاء؛ إذ أدت زيادة الإنتاج بالاتفاق بين السعودية وروسيا، وبطلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى انخفاض أسعار النفط بأكثر من الثلث خلال شهر واحد، فانخفضت من سعر 85 دولارًا أميركيًا للبرميل في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2018 إلى نحو 50 دولارًا عشية الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. وكان الرئيس ترامب قد طالَب أوبك في 20 أيلول/ سبتمبر 2018 بضرورة خفض أسعار النفط، وذلك قبل أسابيع قليلة من فرض عقوبات أميركية على قطاع الطاقة الإيراني، معتبرًا أنّ دولته تحمي بلدان الشرق الأوسط.

وقد استجابت السعودية وروسيا للطلب الأميركي، في محاولة لتحسين حظوظ الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية. وزادت الرغبة السعودية في إرضاء ترامب بعد جريمة اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في إسطنبول، بعد أن غدت هذه القضية ورقة ضغط كبيرة بيد ترامب، يستطيع من خلالها الحصول على ما يشاء من السعودية، وخاصة أنّه تحوَّل ليصبح الحامي الفعلي لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، من تداعيات هذه الجريمة.

من جهة ثانية، يأتي قرار قطر بالانسحاب في الوقت الذي أصبحت عضوية منظمة أوبك تنطوي على مخاطر سياسية. ففضلًا عن هجمات ترامب المتكررة على المنظمة، بدأت وزارة العدل الأميركية رسميًا بمراجعة تشريعاتٍ (قانون NOPEC) لكبح جماح قوّة الكارتل النفطي. وفي حالة إقرار هذه التشريعات في الولايات المتحدة، فإنّ أعضاء المنظمة سيجدون أنفسهم عرضةً لملاحقات قانونية بموجب قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لسنة 1890؛ وهو القانون الذي استحدث في حينه لتفكيك إمبراطورية الملياردير الأميركي جون روكفلر.

تداعيات محتملة

يرى خبراء أنّ خروج قطر من أوبك سيكون له انعكاس إيجابي على اقتصادها، لأنها تتّخذ خطًّا إنتاجيًا بعيدًا عن مسار دول أوبك التي تعتمد على النفط، وسيسمح لها ذلك بزيادة تركيزها على صناعة الغاز وتعزيز نفوذها في سوقه.

أما على مستوى أوبك، فيتوقع أنّ يشجع قرار قطر دولًا أخرى داخل المنظمة، مستاءة من التفرد السعودي بالقرارات، على الانسحاب، وخاصة أنّ سوق النفط أضحت مرتبطة بصورة أساسية باتفاقات السعودية وروسيا لإبقاء الإمدادات تحت السيطرة، الأمر الذي يهدد مستقبل المنظمة ووجودها ويضعف من قدرتها على السيطرة على العرض والطلب. وقد تبدّى هذا الأمر بوضوح في موقف مندوب إيران في منظمة أوبك، كاظم بور أردبيلي، الذي أعرب عن أسفه للقرار القطري، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى تفهّمه بالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع داخل أوبك. وأضاف المندوب الإيراني، أنّ ثمة كثيرًا من الأعضاء في أوبك يشعرون بخيبة أمل من أن اللجنة الوزارية المشتركة للمراقبة التي ترأسها السعودية وروسيا تتخذ قرارات بشأن الإنتاج بصورة منفردة ومن دون توافق مسبق داخل أوبك.

خاتمة

يبدو القرار القطري بالانسحاب من منظمة أوبك مرتبطًا بإستراتيجية قطر الطاقوية؛ إذ إنّها بهذا القرار رسمت طريقًا آمنةً يجعلها بمنأى عن الضغوط والالتزامات التي قد تكون مجحفة في بعض الأحيان. وتنظر قطر بواقعية إلى قدراتها في مجالَي النفط والغاز، وتقرّ بمحدوديتها في المجال الأول، في حين أنّها تطمح إلى الحفاظ على الصدارة العالمية في مجال صناعة الغاز المسال. مع هذا لا يمكن إغفال السياق الجيو-سياسي للقرار القطري المتعلّق أساسًا بسلوك المملكة العربية السعودية داخل منظمة أوبك، وتهميشها للمنظمة في سلوكها خارجها (مثل التنسيق مع روسيا وإملاءات ترامب). وبخروج قطر تتعمق أزمة المنظمة؛ إذ قد تسير دول أخرى نحو سياسات إنتاجية مستقلة بعيدًا عن أوبك، ما لم تلمس هذه الدول تغيرًا في المواقف السعودية بالعودة إلى التزام مصالح الدول الأعضاء.