ما معنى الحركة الوطنية في ظل الفوضى الحالية؟  (1/3)

ما معنى الحركة الوطنية في ظل الفوضى الحالية؟  (1/3)

عوض عبد الفتاح

هل يمكن إقامة حركة وطنية في داخل أراضي 48 أو هل يحتمل واقع فلسطينيي 48 المركب، إقامة حركة وطنية؟ وهل هذا المصطلح مفهوم لكل الناس أو حتى لكل النخب، عدا عما يثيره المصطلح من عواطف وشعور بالانتماء إلى وطن وإلى قضية؟

طرحنا هذا السؤال أوائل التسعينيات من القرن الماضي، عندما تنادينا من كل حدبٍ وصوب للتصدي للآثار المدمرة التي تركتها الانهيارات العربية والفلسطينية والعالمية، واستئثار أميركا الإمبريالية بالهيمنة على النظام العالمي، الذي سينعكس حتما على واقعنا وخياراتنا كجزء من شعب فلسطين. 

كان الانشغال العملي منصبًا على دورنا في ساحة فلسطينيي 48، ولكن من خلال الاستناد إلى العلاقة مع المشروع الفلسطيني التحرري، وكذلك العربي. وبعد التوقيع على اتفاق أوسلو الكارثي في أيلول/ سبتمبر 1993، أصبح السؤال أكثر إلحاحا. وكما هو معروف، تمخضت الجهود الفكرية والعملية في إطلاق مشروع التجمع الوطني الديمقراطي، لتحدي للصهيونية ويهودية الدولة عبر مدخل جديد وهو "دولة المواطنين". هذا المشروع ألقى صخرة في المياه الراكدة، مياه العجز والجمود والدوغمائية. كان ذلك أشبه بمشروع اعتراضي كفاحي وتعبوي، أكثر من كونه مشروعا قابلا للتحقق من دون هزيمة الصهيونية.

ولم أكن أتصور شخصيًا،  وآخرون مثلي أيضاً ربما، أن يبرز هذا السؤال مرة ثانية بعد مرور ربع قرن، بعد أن نجحنا في ما سميناه إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية داخل المنطقة المحتلة عام 1948، وبعد أن خاضت هذه الحركة معارك أيديولوجية وسياسية وميدانية شديدة ضد النظام الصهيوني على مدار العقدين الماضيين؛ والأهم، بعد 18 عاما على الانتفاضة الثانية، التي اشتبك فيها الفلسطينيون خاصة في أول 8 أيام، في ملحمة أسطورية ضد الجرائم الصهيونية، في مشهدٍ بدا للمؤسسة الصهيونية خطة فلسطينية  منسقة ومتفق عليها من على جانبي الخط الأخضر.

نذكر هذه الانتفاضة، الثانية، لأنها أحدثت تغييرات جارفة في مشاعر الانتماء الوطني لدى فلسطينيي 48، وأسقطت تشوهات كادت أن تترسخ بين الناس بسبب اتفاق أوسلو، وأخرجتهم من حالة التجاهل. لقد وطدت تفاعلات هذا الحدث الفلسطيني الكبير التوجهات القومية التي أعاد بعثها بقوة حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي تحدى اتفاق أوسلو، ورفض رسائله المتصالحة مع الصهيونية. وقبل انفجار الانتفاضة الثانية، وعلى مدار 5 أعوام التي سبقت، حفَّز ظهور التجمع القوى الأخرى على استعادة عافيتها من خلال التنافس معه، وتحديدا الجبهة والحركة الإسلامية بشقيها البرلماني والمقاطع. وكان ذلك مفيدا للعمل السياسي العربي في الداخل.

وبدا لنا المشهد، خصوصًا بعد الانتفاضة الثانية وتفاعلاتها بين الفلسطينيين، في الجليل والمثلث والنقب والساحل، متجها نحو مرحلة وطنية جذرية لا رجعة عنها. ففي هذه الأجواء، تجددت المحاولات والاجتماعات بهدف إعادة تنظيم لجنة المتابعة التي كانت بدأت في العام 1998، من خلال لجنة شكلت خصيصًا لهذا الغرض، تمثلت فيها كل الأحزاب. وكانت هذه المرة الأولى التي تتشكل فيها لجنة تعكف على تحويل المطالب المطروحة في السابق بإعادة البناء. وكان التجمع أول حزب يقدم ورقة تصور عام رسمية، لشكل ومضمون عملية البناء ومنها أن تكون منتخبة مباشرة من قبل الجمهور، وتأسيس الصندوق القومي ليجمع من كل مواطن شيكل واحد فقط (تغير الاقتراح لاحقا إلى دولار واحد). 

وقد عشتُ شخصيا بصفتي ممثلا عن التجمع في هذه اللجنة كل النقاشات والمداولات والاختلافات والصعوبات والعراقيل التي تخللت هذه الجهود. لقد أدت الانتفاضة الثانية وامتدادها داخل الخط الأخضر، وما تمخض عنها من تفاعلات، إلى تعليق الاجتماعات لأكثر من عامين. والحقيقة أنه لم يجر تحقيق أي تقدم في الفترة التي سبقت بسبب موقف الحزب الشيوعي الأيديولوجي المناهض لفكرة التنظيم القومي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، حيث واصل تمسكه بالموقف القائل بأن تبقى اللجنة تنسيقية مع إمكانية لتحسينها، وليس لتحويلها إلى عنوان وطني جامع وفاعل لكل فلسطينيي 48.

لقد رأى التجمع، وكذلك حركة أبناء البلد والحركة الإسلامية (الشمالية)، في الأجواء الوطنية الجديدة، أجواء التحدي والإقدام، فرصة للدفع باتجاه إنجاز مشروع البناء، غير أن القوى الأخرى، مثل الحزب العربي الديمقراطي والحركة الإسلامية (الجنوبية)، رأت في رد الفعل الإسرائيلي الوحشي على هبة فلسطينيي الداخل واستشهاد ١٣ شابا، سببًا في التأني وعدم المضي في هذا المشروع، وبذلك التقيا مع موقف الحزب الشيوعي، المختلفة دوافعه. ولهذا لم يصدر عن الاجتماعات التي استأنفت بعد ذلك، وعلى مدار سنوات، سوى إجراءات إصلاحية تقتصر على تحسين تركيبة لجنة المتابعة، بل تقونن واقعها الراهن. كان الأمر الجديد الوحيد الذي صدر عن هذه الاجتماعات، هو أن يجري انتخاب رئيس المتابعة مباشرة من أعضاء مجلسها المركزي (45 عضوا)، بدل أن يكون منتخبا من رؤساء السلطات المحلية.

وقد جرت اجتماعات لعدد من الأحزاب، تحديدا التجمع والحركة الإسلامية بشقيها وأبناء البلد، بعد العام 2009، في محاولة لتشكيل ثقل تنظيمي يؤدي إلى تعديل ميزان القوى داخل اللجنة لصالح مشروع إعادة البناء. ولكن عندما حان وقت الحسم، في أول مرة يجري فيها انتخاب رئيس لجنة المتابعة، في العام 2015، تفرقت هذه القوى وأفشلت مسعاها بنفسها. ورغم ذلك لم يحصل حتى اليوم أي تقدم في بنية وأداء لجنة المتابعة.

ونحن، كجزء من شعب فلسطين، استيقظنا في السنوات الأخيرة على مخاطر وتحديات جسيمة جديدة، أخطرها تلاشي بقعة الأرض التي نملكها، وجعل إمكانية التنمية الاقتصادية الذاتية والثقافية مستحيلة من دون إعادة النظر في سلوكنا، وإعادة تنظيم صفوفنا وخوض معركة شعبية واسعة لاسترجاع أراض نهبت منا. كما تتمثل هذه المخاطر في تفاقم عدوانية الحكم الإسرائيلي واعتماده المزيد من آليات القمع والترهيب، إلى جانب زيادة الفتات بصورة كبيرة نسبياً في الميزانيات والخدمات (مقابل السكوت على نهب المزيد من الأرض وهدم البيوت)، كوسيلة للاحتواء والتدجين. هذه السياسات مجتمعة أضعفت القوى الوطنية وساهمت في بعث سلوكيات قديمة - حديثة، هي نظام الواسطة والمخترة والنزعة الخدماتية المنزوعة عن السياسة وبعدها النضالي والأخلاقي. 

ومن ديناميات هذه السياسات الترهيبية والتدجينية، بروز بل تفاقم النزعة الفردانية والنجومية، وهي ظاهرة عالمية وليست إسرائيلية أو محلية فحسب. في هذه التربة الآسنة، يترعرع اليأس ويتفاقم العنف وتنمو تشوهات عميقة في سلوك شرائح اجتماعية، بما فيها رؤساء بلديات وأعضاء كنيست، الذين يتهافتون على توسل الفتات والخدمات ، من نظام الأبرتهايد الإسرائيلي، المغتبط إزاء هذه الأنماط المشوهة التي في نهاية المطاف تخدم سياساته الهادفة إلى تجريد الإنسان الفلسطيني من هويته الوطنية وارتباطه بشعبه، ومن حاجته الماسة بل الوجودية إلى الأراضي، ليتطور اقتصاديا واجتماعيا وتعليميا وثقافيا لحماية نفسه، وحماية الأجيال الشابة الباحثة عن الأمان من العنف، وعن مستقبل آمن.