تجارب الانتفاضات الشعبية في السودان: التحديات والدروس المستفادة

تجارب الانتفاضات الشعبية في السودان: التحديات والدروس المستفادة

أحمد إبراهيم أبو شوك

تقدم هذه الورقة مقاربةً تاريخيةً عن تجارب الانتفاضات الشعبية في السودان، وطبيعة التحديات التي عرقلت خط سيرها لإحداث تحول ديمقراطي مستدام، وكيف يمكن استثمارها لصالح "انتفاضة ديسمبر 2018"، التي أسقطت رأس النظام الحاكم، وبدأت مرحلة التأسيس لنظام حكم انتقالي، يهدف إلى قيام نظام حكم ديمقراطي، يُسهم في إعادة هيكل دولة ما بعد الاستعمار ومؤسساتها الموروثة.

وتقتضي هذه النقلة المنشودة طرح مجموعة من الأسئلة المحورية. فما الحاجة إلى التغيير في بنية الدولة ومؤسساتها؟ وما المشتركات والمعوقات التي شكلت التركيبة البنيوية للانتفاضات الشعبية في السودان؟ وما الشعارات التي رفعتها تلك الانتفاضات للتغيير؟ وما البنيات السياسية والاجتماعية التي كانت، ولا تزال، مستهدفة بالتغيير؟ ولماذا فشلت أطروحات التغيير؟ وكيف يكون الانتقال في الظرف الراهن من مؤسسات دولة شمولية عميقة، حكمت مدة ثلاثة عقود (1989-2019)، إلى نظام ديمقراطي، يفي باستحقاقات "انتفاضة ديسمبر 2018"؟

نحاول في هذه الورقة الإجابة عن هذه الأسئلة ونظائرها وفق أربعة محاور رئيسة؛ تبدأ بسؤال التغيير: لماذا؟ وإبراز المشتركات والمعوقات في تجارب الانتفاضات السودانية، والدروس والعبر المستفادة منها، وعناصر الجذب والطرد الإقليمية والعالمية التي ربما تؤثر إيجابيًا أو سلبيًا في مخرجات انتفاضة الحرية والسلام والعدالة.

التغيير لماذا؟

يرى بعض الباحثين والمحللين السياسيين أنَّ التغيير في أنماط التفكير السياسي والبناء الهيكلي لمؤسسات الدولة السودانية قد أضحى ضرورة ملحَّة؛ للخروج من دائرة الفشل السياسي المتكرر إلى رحاب ديمقراطية مستدامة، آخذين في الحسبان أن السودانيين قد بدؤوا تجربة المشاركة الوطنية في الحكم بانتخابات عام 1948 لاختيار أعضاء الجمعية التشريعية، باعتبارها خطوةً تأسيسية تجاه الحكم الذاتي في ظل الاستعمار الإنجليزي-المصري (1898-1956)، وأعقبتها انتخابات مجلس النواب والشيوخ عام 1953، التي مثلت الانطلاقة الديمقراطية لقيام أول حكومة وطنية منتخبة، كان لها شرف إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1955. وجاءت بعدها انتخابات عام 1958 بوصفها خطوةً تجاه تمكين الممارسة الديمقراطية الوليدة، إلا أن الصراع الحزبي على السلطة أفضى إلى انهيار تلك التجربة، عندما سلَّمت قيادة حزب الأمة دفَّة الحكم إلى قيادة القوات المسلحة التي حكمت السودان مدة ستة أعوام (1958-1964)، شهد السودان خلالها انتخابات المجلس المركزي عام 1962؛ لإضفاء نوعٍ من الشرعية على الحكم العسكري الذي عارضته معظم القطاعات السياسية والحزبية.

وبعد إزاحة الحكم العسكري عن طريق انتفاضة شعبية في تشرين الأول/ أكتوبر 1964، حُكِم السودان بوساطة حكومة مدنية انتقالية مدة عام واحدٍ، مهدت الطريق لانتخابات عام 1965، التي أفرزت عددًا من الحكومات المؤتلفة بين أجنحة حزبَي الأمة والوطني الاتحادي المتصارع بعضها مع بعضها الآخر.

وفي عهد تلك الحكومة المتعاقبة تمَّ طرد نواب الحزب الشيوعي السوداني من البرلمان، تعللًا بأنهم ينتمون إلى حزب يروّج الأفكار الإلحادية، كما تصاعدت وتيرة الحرب الأهلية في جنوب السودان. وفي ضوء تلك الظروف، أُجريت انتخابات عام 1968، بوصفها خطوةً ثانية لتمكين الممارسة الديمقراطية. إلا أنَّ الحكومة المنتخبة من ائتلاف حزبَي الأمة والاتحادي الديمقراطي لم تدم طويلًا؛ بفعل الصراعات السياسية والحزبية التي أفضت إلى إجهاضها بانقلاب عسكري مدعومٍ من بعض فصائل الحزب الشيوعي السوداني والقوى اليسارية. وقد حكم ذلك الانقلاب العسكري السودان مدة ستة عشر عامًا (1969-1985)، تبنى خلالها أيديولوجيات متناقضة؛ لضمان استمراريته في الحكم، كما سعى جاهدًا إلى شرعنة وضعه السياسي بإجراء العديد من الانتخابات التشريعية والتنفيذية في مناخ غير ديمقراطي. إلا أن هذه المعالجات الشكلية لم تُكسب النظام شرعية سياسية، بل قادت إلى إسقاطه عبر انتفاضة شعبية في نيسان/ أبريل 1985.

وبعد إسقاط النظام قامت حكومة (عسكرية - مدنية) انتقالية مدة عام واحدٍ، كسابقتها، أشرفت خلالها على إجراءات الانتخابات البرلمانية لعام 1985، والتي انبثق منها عدد من الحكومات الائتلافية المتعاقبة. لكنها كانت عرضة لسلسلة من المشاكسات الحزبية ومعارضة الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان. وأخيرًا قاد ذلك الواقع إلى سقوط الحكومة المنتخبة في 30 حزيران/ يونيو 1989، عن طريق انقلاب عسكري، خطط له ونفذه حزب الجبهة الإسلامية القومية. وفي عهد حكومة الإنقاذ الإسلامية (1989-2019) حدثت تحولات سياسية كثيرة في بنية الأحزاب السياسية، إذ ارتفع عددها من 16 حزبًا بحسب سجلات انتخابات 1986 إلى 83 حزبًا مسجلًا، كما تصاعدت حدَّة الصراع بين النظام الحاكم في الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان وفصائل المعارضة الأخرى.

وفي ظل ذلك الواقع الصدامي سعت حكومة الإنقاذ إلى شرعنة نفسها بإجراء عدد من الانتخابات التشريعية والرئاسية، إلا أنها لم تُحدث تحولًا ديمقراطيًا، أو لم تُلَبِّ أدنى طموحات الأحزاب السياسية المعارضة والفصائل المسلحة. واستمر الحال كما كان عليه إلى أن جاءت اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، ممهدة الطريق لانتخابات نيسان/ أبريل 2010، على مستوى الرئاسة والمجالس التشريعية المركزية والإقليمية في شمال السودان وجنوبه. ولكنها أفرزت حكومات فدرالية ضعيفة تحت مظلة حزب المؤتمر الوطني الحاكم والأحزاب التابعة له. وفي عهد تلك الحكومات المؤتلفة زاد استشراء فساد الدولة المنظم، وتمكين عضوية الحزب في مفاصل الحكم، كما استقلّ (أو انفصل) جنوب السودان عن شماله عام 2011. وبموجب ذلك الانفصال فقدت حكومة الخرطوم أكثر من 60 في المئة من مصادر دخلها القوي، المتحصل عليها من عائدات البترول التي أضحت من نصيب حكومة جنوب السودان.

وتفاقمت الأزمة في عام 2018، عندما عجزت حكومة الإنقاذ عن توفير متطلبات الحياة الأساسية (الخبز، والوقود، والنقود)، الأمر الذي أفضى إلى اندلاع انتفاضة "19 ديسمبر" التي انتظم فيها معظم مدن السودان وقطاعاته الاجتماعية، وأخيرًا بلغت ذروتها في الاعتصام منذ 6 نيسان/ أبريل 2019، أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة، مجبرة القوات المسلحة على إطاحة نظام الرئيس البشير في 11 نيسان/ أبريل 2019.

ويمكن إجمال هذه التجارب الفاشلة في ثلاث ديمقراطيات منتخبة وغير متعاقبة، تُقدَّر فترة حكمها بأحد عشر عامًا؛ تخللتها فترتان انتقاليتان مدة عامين، وثلاث حكومات عسكرية (1958-1964، و1969-1986، و1989-2019) اغتصبت السُّلطة طوال اثنين وخمسين عامًا.

أما الآن، فيشهد السودان مخاض انتفاضة شعبية ثالثة، استطاعت أن تسقط قيادة حكومة الإنقاذ الوطني العسكرية، بعد ثلاثين عامًا من التسلط، والإقصاء السياسي، والفساد المالي، والفشل المتراكم في إدارة الدولة ومؤسساتها السيادية والخدمية. ونتيجة لذلك أضحت النخبة السياسية أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن تمضي في تكرار التجارب الفاشلة، وإما أن تسعى إلى تغيير طرائق تفكيرها السياسية لخدمة قضايا السودان الأساسية، ثم تتبع ذلك بتحديث في منظومات أحزابها السياسية وآليات حراكها وتدافعها الديمقراطي.

ويبدو أنَّ قوى الحرية والتغيير قد انطلقت من هذا الخيار الثاني، عندما دعت إلى تشكيل حكومة انتقاليَّة مدنية، مكونة من ثلاثة مجالس (مجلس سيادي، ومجلس وزراء، ومجلس تشريعي)، تتولى سدة الحكم مدة أربع سنوات، بهدف معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية الآنية، وتهيئة المناخ السياسي لإجراءات انتخابات عامة بعد نهاية الفترة الانتقالية. ويُرجَّح الظن أنّ هذا الاقتراح ربما يجنب البلاد سلبيات ثنائية المجلسين (العسكري والمدني)، التي أقعدت الحكومة الانتقالية الثانية (1985-1986) عن أداء الدور المنوط بها. أما طول المدة المقترحة للفترة الانتقالية (أربع سنوات)، فسيسهم في تأسيس آليات تحول ديمقراطي قادرة على تلبية شعار المعتصمين الذي ينادي بـ "الحرية، والسلام، والعدالة".

الشكل (1)

المصدر: من إعداد الباحث.

المشتركات والمفارقات

القاسم المشترك بين انتفاضات السودان الثلاث (1964، و1985، و2019)، أنها لم تُسهم في ميلاد قائد أو رمز سياسي، مثل المهاتما غاندي (1869-1948) في الهند، أو أحمد سوكارنو (1901-1970) في إندونيسيا، أو نيلسون مانديلا (1918-2013) في جنوب أفريقيا. لكنها أفرزت قيادات جماعية، نشأت أثناء اندلاع هذه الانتفاضات، مثل جبهة الهيئات (النقابات المهنية) التي قادت الحراك السياسي بعد استشهاد طالب جامعة الخرطوم أحمد القرشي طه، في مساء 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1964، ثم واصلت النضال إلى أن أسقطت حكومة الفريق إبراهيم عبود، وكونت حكومة انتقالية لتهيئة البيئة السياسية، لإعادة النظام الديمقراطي الذي تشكل بعد انتخابات عام 1965. وبعد اندلاع "انتفاضة مارس" في عام 1985، ظهر التجمع النقابي، الذي تولى زمام النضال ضد حكومة جعفر نميري إلى أن انحازت قوات الشعب المسلحة إلى جانب الجماهير في 6 نيسان/ أبريل 1985. وبموجب ذلك الانقلاب خضعت البلاد لحكم مجلس عسكري من قيادة القوات المسلحة وحكومة مدنية لإدارة فترة انتقالية مدتها عام واحد، تعقبها انتخابات عامة لاختيار الجمعية التأسيسية. وبالفعل، تمَّ إجراء الانتخابات البرلمانية بإشراف الحكومة الانتقالية عام 1986.

أما "انتفاضة ديسمبر 2018"، فقد قادها تجمع المهنيين السودانيين بكفاية عالية؛ إذ التفت حول قيادته للتظاهرات قُوى الإجماع الوطني، ونداء السودان، والتجمع الاتحادي الديمقراطي المعارض. والذي ميّز انتفاضة ديسمبر من سابقتيها، أنها شملت قطاعات واسعة من الشباب (ذكورًا وإناثًا)؛ من الذين لا ينتمون إلى أحزاب سياسية، أو قطاعات مهنية. كما أنها كانت أطول عمرًا من نظيرتيها، وأوسع انتشارًا في معظم مدن السودان وأريافه، فضلًا عن السلمية التي رفعتها شعارًا (سلمية ... سلمية ضد الحرامية). وقدمت عددًا من الشهداء قربانًا لشعاراتها التي تنادي بالحرية والسلام والعدالة، على الرغم من سلميتها.

إذًا، ما المعوقات التي وقفت في سبيل تحقيق طموحات انتفاضتَي "أكتوبر 1964" و"أبريل 1985"؟ تتمثل تلك المعوقات في عدم تجانس خطاب قوى التغيير (جبهة الهيئات، والتجمع النقابي)، وفشل الحكومات الانتقالية في إقناع المتمردين في جنوب السودان بالانضمام إلى حكومة الخرطوم، وإيقاف الحرب الدائرة في الجنوب آنذاك. ويضاف إلى ذلك غياب ثقافة الممارسة الديمقراطية على مستوى الأحزاب السياسية والمؤسسات الدولية، وكذلك غياب الرؤية الإستراتيجية، المعُززة لاستدامة التحول الديمقراطي. والدليل على ذلك، أنّ الأحزاب السياسية نفسها قد ساهمت في تقويض الممارسة الديمقراطية؛ لأنها ساعدت المؤسسة العسكرية في إجهاض التجارب المتعاقبة، كما فعلت قيادة حزب الأمة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1964، وقيادة الأحزاب اليسارية في أيار/ مايو 1969، وقيادة الجبهة الإسلامية القومية في حزيران/ يونيو 1989.

الدروس والعبر المستفادة

تتبلور الدروس والعبر المستفادة من تجارب الانتفاضات السابقة في التصور المبتكر الذي اقترحته قوى إعلان الحرية لإدارة الفترة الانتقالية، بحيث تكون أطول من الناحية الزمنية (أربع سنوات)، وقائمة على حكومة مدنية، مكونة من ثلاثة مجالس (مجلس سيادة، ومجلس وزراء، ومجلس تشريعي). يتكون مجلس السيادة المدني من ممثلين لقوى الحرية والتغيير، وقوات الشعب المسلحة عبر وزارة الدفاع، وتتبلور مهمات المجلس الأساسية في إدارة الشؤون السيادية والتشريفية للدولة. ويتكون مجلس الوزراء من سبعة عشر وزيرًا من الكفاءات الوطنية المشهود لها بالخبرة المهنية والنزاهة والاستقامة، لتنفيذ البرنامج الإسعافي للفترة الانتقالية. وتُشكَّل عضوية المجلس التشريعي المدني من 120 عضوًا، بشرط أن تُمثل المرأة فيه بنسبة لا تقل عن 40 في المئة، مع تمثيل للشباب والمكونات الإثنية والدينية والثقافية في السودان. وتتبلور مهمات المجلس التشريعي في إصدار التشريعيات والقوانين في إطار الدستور الانتقالي لسنة 2005، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، ووضع أسس الاستفتاء على الدستور الدائم وإجازتها، وتشكيل لجنة الانتخابات القومية وإجازة النظام الانتخابي وقانون الانتخابات. ويبدو من الناحية الشكلية أنَّ قوى الحرية والتغيير قد قدمت طرحًا متجاوزًا سلبيات البناء الهيكلي للحكومات الانتقالية السابقة، التي أخفقت في تحقيق متطلبات تجربتَي تشرين الأول/ أكتوبر (1964)، ونيسان/ أبريل (1985).

لكن التحديات الحقيقية التي تواجه الحكومة الانتقالية المقترحة بمجالسها الثلاثة، تتمثل في القدرة الإبداعية في وضع رؤية إستراتيجية متكاملة للأربعة أعوام المقترحة للانتقال. ويقصد بالرؤية الإستراتيجية إعداد دراسة شاملة للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الراهن؛ لمعرفة عناصر القوى التي يمتلكها، وعناصر الضعف التي تقف عائقًا أمام تحقيق متطلبات الفترة الانتقالية، والمهددات التي ربما تعصف بالتجربة الوليدة إذا لم يكن هناك احتراز فطن، والفرص المواتية لتحقيق متطلبات الفترة الانتقالية. وتقود الدراسة الحصيفة للوضع الراهن إلى إعداد رؤية إستراتيجية متكاملة، تقوم على شعار "الحرية، والسلام، والعدالة"، ثم تحدد الهدف المشترك الذي يجمع كل القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الحريصة على تحقيق التغيير الفعلي في مؤسسات الدولة الموروثة من عهد الاستعمار. وهنا يجب اختيار الفاعلين الأساسيين بعناية، من دون الانصياع إلى الترضيات الحزبية والسياسية؛ لأن القضية في مجملها قضية وطن يجب أن يتجاوز إخفاقات تجارب الماضي المتكررة، ويعبر إلى المستقبل بثبات وطموحات جديدة. فإذا كانت استجابة دعاة التغيير أمتن من حجم التحدي الذي يواجههم، فإنَّ التغيير إلى الأفضل سيكون حتميًا. أما إذا كان التحدي (الثورة المضادة) أصلب منهم، فإنَّ الانتكاس سيكون مصير الانتفاضة الشعبية بالرغم من النجاح الباهر الذي حققته في إسقاط رأس النظام. ولذلك يجب أن يستأنس دعاة الحرية والتغيير بمأثورة المناضل نيلسون مانديلا: "إننا لا نخاف من تجربة أي شيء جديد، لكننا في الواقع نخشى أن نعرف مدى قوتنا لتحقيق المستحيل". وتحقيق المستحيل يحتاج إلى أدوات مبتكرة، تستوعب معطيات الواقع الحقيقية، وتلبي طموحات الشباب (الذكور والإناث) الذين شكلوا عصب "انتفاضة ديسمبر 2018" بشعاراتهم الملهمة، وصمودهم الذي لم يتبدل أمام أجهزة النظام الأمنية الباطشة وكتائب ظله. ومع هذا يجب الاسترشاد بتجارب أهل السياسة الذين يقفون معهم في خندق التغيير والبحث عن غدٍ مشرق.

الشكل (2)

المصدر: من إعداد الباحث

عناصر الجذب والطرد الإقليمية والعالمية

بعد نجاح انتفاضة 19 ديسمبر في إسقاط رأس دولة الإنقاذ، الرئيس عمر البشير، برزت في الساحة السياسية عناصر جذب عالمية وإقليمية، تنادي بانتقال السلطة من المجلس العسكري إلى حكومة مدنيَّة، تلبي تطلعات الشعب السوداني المنتفض. كما ظهرت عناصر طرد إقليمية، تسعى لخدمة أجندتها السياسية على حساب التحول الديمقراطي في السودان. وتتجسد عناصر الجذب العالمية والإقليمية في موقف مجلس الأمن الداعم لإحداث تغيير ديمقراطي في السودان، وتأكيدًا لذلك، أرسل الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، مبعوثًا خاصًا إلى السودان، للعمل مع الاتحاد الأفريقي من أجل تسهيل عملية الانتقال الديمقراطي. كما حثت دول الترويكا (الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، والنرويج) قيادة المجلس العسكري على تسليم السلطة إلى حكومة مدنية. أما مجلس الأمن والسلام التابع للاتحاد الأفريقي فقد منح المجلس العسكري مدة خمسة عشر يومًا لنقل السلطة إلى حكومة مدنية، وفي حالة عدم الانصياع لهذا المطلب ستُجمَّد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي. فلا غرو في أن هذه المواقف السياسية قد عضدت موقف قوى إعلان الحرية والتغيير في الشارع السوداني والمفاوضات مع قيادة المجلس العسكري.

وبالفعل، أفضت هذه المواقف الإيجابية إلى تنحي الفريق عوض بن عوف ونائبه الفريق كمال عبد المعروف من قيادة المجلس العسكري، وتعيين الفريق عبد الفتاح البرهان والفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) بدلًا منهما. لكن هذه التعديلات على مستوى القيادة لم تكن مقنعة لقوى إعلان الحرية والتغيير، بل دفعتها إلى المطالبة بتأسيس حكومة انتقالية مكونة من ثلاثة مجالس مدنية، كما أوضحنا. ولا تزال عملية المفاوضات جارية بين الطرفين.

وإلى جانب العناصر الجاذبة، برزت العناصر الطاردة لتحقيق التحول الديمقراطي، والساعية إلى خدمة مصالحها القومية والإقليمية في السودان. ويمثل هذا المحور المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وجمهورية مصر العربية؛ وهو المحور الذي لا يرغب في تحقيق انتقال ديمقراطي، ربما يؤثر سلبيًا في تماسك منظومات حكمها الشمولية. ويضاف إلى ذلك حرص هذه الدول على إبعاد الإخوان المسلمين من دائرة الحكم في السودان، وسعيها لاستبقاء القوات السودانية المقاتلة في اليمن، ومحاولاتها إبعاد حكومة الخرطوم من قطر وتركيا. وإلى جانب ذلك، نلاحظ أن لجمهورية مصر العربية أجندتها الخاصة المتعلقة بتخوفها من قيام حكومة ديمقراطية قوية في السودان يكون لها رأي معارض للوجود المصري في مثلث حلايب، أو يكون لها موقف مساند لإثيوبيا في مفاوضات سد النهضة.

إذًا، يجب على قوى الحرية والتغيير أن تستثمر مواقف الدول الغربية والاتحاد الأفريقي لانتقال السلطة إلى حكومة مدنية، كما يجب عليها أن تتعامل مع الدول الإقليمية بحذر ويقظة شديدين؛ لأن الاصطفاف غير المدروس إلى أي منها ربما يعرقل مسار هذه الانتفاضة في تحقيق طموحاتها السياسية.

خاتمة
يؤكد هذا العرض أنَّ الأساس الهيكلي لدولة سودان ما بعد الاستعمار يحتاج إلى إعادة بناء جذرية، يصحبها تطور في أنماط التفكير السياسي، بعيدًا عن سياسات المحاور ذات الحمولات الأيديولوجية (يسارية أو يمينية). كما يفضل أن تمرّ عملية الانتقال الفكري السياسي عبر ثلاث مراحل رئيسة، تتمثل في "الانفتاح، والاختراق، وإعادة التركيز".

يقصد بالانفتاح تعزيز التواصل بين المجموعات الفكرية والسياسية الناشطة، بعد أن تقوم هذه المجموعات بإجراء مقاربات نقدية-فردية في بنياتها الفكرية والسياسية، وتُطور مخرجات تلك المقاربات في شكل منظومات سياسية وفكرية تلبي الحد الأدنى من متطلبات الواقع المعيش في السودان، بعيدًا عن المنطلقات الأيديولوجية المغلقة. ويقصد بالاختراق البحث عن المشتركات الوطنية والتقاطعات الفكرية التي تشكل خطًّا ناظمًا لحركة القوى القطاعية المؤمن بضرورة التغيير. ويقصد بإعادة التركيز العمل على عزل القوى المتصلبة فكرًا والمتطرفة سلوكًا، وتحييدها، وتجميع قوى الانفتاح والاعتدال وتكتّلها، ثم التوافق في آليات التحول الديمقراطي الجديدة.

ويمكن أن تشكل هذه المراحل الثلاث الضامن الأساس لنجاح التحول الديمقراطي، وإعادة بناء دولة القانون والمؤسسات في السودان. لكن يجب ألَّا نغفل التحديات الجسام التي تواجه عملية التحول الديمقراطي، والتي تتطلب وعيًا سياسيًا جمعيًا حصيفًا من الحاكمين والمحكومين، وأهدافًا إستراتيجية واضحة وخالية من شوائب الحمولات الأيديولوجية، ليلتف الناس حولها، كما ينبغي أن يكون أداء الحكومة الانتقالية المدنية منضبطًا وشفافًا على مستوى مؤسساتها السيادية العليا، وأجهزتها التنفيذية الدنيا.

(المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية