فلسطينيو 48: إما "الثورة" أو القادم أخطر

فلسطينيو 48: إما "الثورة" أو القادم أخطر

جريمة عنف داخلية جديدة تصدمنا كل يوم، وكل ضربة يُنزلها علينا المستعمر، صباح ومساء، ُتذكرنا كشعب أو نخب، أولاً بهول ما فعله هذا المستعمر بنا على مدار أكثر من سبعة عقود، من تشريد ونهب وإفقار، واحتجاز للتطور الطبيعي؛ وثانيا، تضعنا كل يوم أمام عجزنا عن الانتظام الشامل وفرملة عملية التدمير التي لا تتوقف.

ويواصل البعض منا التساؤل، كيف يمكن أن يحصل كل ذلك العجز رغم ما حققناه من إنجازات تعليمية وثقافية وعلمية ومؤسساتية، ورغم توسع الطبقة الوسطى؟ وكيف أن كل ما نقوم به من خطوات، ابتداءً من "الوعظ" والتوجيه السياسي والديني وبناء اللجان وكتابة العرائض إلى المسؤولين، وإلقاء الخطابات النارية اليومية في الكنيست، وأحيانا تنظيم تظاهرات، لا يترك أثرًا فعليًا. ويذهب بعض آخر، إلى التساؤل كيف أنه رغم أننا نحمل المواطنة الإسرائيلية، و"نخفف" خطابنا السياسي لتجنب غضب المستعمر، ونستجدي دعم حكومة إسرائيلية بقيادة مجرم حرب، دون النجاح في إزالة التهديد الذي يتعرض له وجودنا ونسيجنا الاجتماعي، وأمننا الفردي والجماعي. بل بالعكس، يتصاعد العنف الداخلي، ويتصاعد العنف الخارجي، مثل إعدام المواطنين العرب في الشوارع، و نهب ما تبقى لدينا من أرض وموارد وإفقارنا، وتشريد فلسطينيي النقب، ناهيك عن حملات التحريض الدموية ضد مجرد وجودنا في وطننا.

من أجل مواجهة فاعلة ومؤثرة في عملية تغيير واقعنا، علينا إعادة تشخيص خصائص الواقع الذي نعيشه بصورة علمية، ومن ثم استخراج الإستراتيجيات الصحيحة؛

أولاً؛ ضرورة فهم طبيعة النظام السياسي الذي يحكمنا أو يتحكم بنا، فهما علميًا. فهو نظام يشكل العنف والتمييز مكونًا بنيويًا وعضويًا فيه وليس طارئًا. ويُجيد تعريف وتشريح هذه البنية علماء الاجتماع والسياسة النقديين، والعديد من المثقفين والنشطاء المثقفين. أما الإنسان العادي فهو يدرك بفطرته إنّه يعيش تحت نظامٍ قاتل، ولكنه يتحايل عليه في حياته اليومية، لأنّ أولوياته إعالة أسرته وتحقيق حد أدنى من الحياة الإنسانية. وهنا تكمن الخطورة في ظهور سياسيين يستغلون ضائقة المواطن العادي لتمرير سياسة شعبوية سطحية، تضلله بوعود وهمية بإمكانية تحقيق حقوقه عند التخلي عن مواجهة مصدر التمييز الجذري. هذا النهج السياسي، بل غير السياسي، يؤدي إلى تسطيح عقل المواطن ودائرة واسعة من الطبقة الوسطى، فجزء لا بأس منها يبحث عن الخلاص الفردي. وفي نهاية المطاف، تصبح وضع ورقة التصويت في صناديق الاقتراع في انتخابات الكنيست، أكبر وأهم فعل سياسي يقدم عليه المواطن. هكذا تجري عملية تمرير أيديولوجيا التأثير الزائفة، بطرق إجرائية تتجاهل بنية النظام على حساب الفعل الشعبي، وهو الأهم.

ثانيًا؛ تمخضت سياسات ومخططات هذا النظام، نظام الاستعمار الاستيطاني العنصري، عن أقلية فلسطينية تفتقر لبنية تحتية اقتصادية - اجتماعية صناعية متطورة، وظلت تابعة لاقتصاد المستعمر. لقد سدّ هذا النظام الأفق أمام تطور وارتقاء "الأقلية الفلسطينية" إلى جماعة قومية تمارس الحكم الذاتي في مجال التعليم والثقافة، والتوسع في فضائها الجغرافي والحيز العام. وكان ولا يزال لتجريد الفلسطينيين من أراضيهم، الخاصة والعامة، ذاك الدور المحوري في مخطط سد الأفق بهدف إعدام مستقبل الأجيال الفلسطينية الجديدة. لم يتبق من مجمل أراضينا سوى 2.6 في المئة، والباقي خصص للمشروع الاستيطاني الإحلالي الذي لا يشبع. كل ذلك وضع الأرضية للفقر والبطالة والعنف الداخلي غير المسبوق.

ثالثًا؛ في موازاة ذلك وردًا على هذا الواقع الذي راح يتشكل بفعل مخططات المستعمر منذ النكبة، خاض هذا الجزء من الشعب الفلسطيني الناجي من التطهير العرقي، تجربة إعادة بناء هادئة بدأت كتطور طبيعي وعفوي، الذي تحول بعد عقدين من الزمن، من مرحلة الانشغال بالنجاة والبقاء إلى عملية تطور سياسي واعية، شملت إقامة الحركات والأحزاب السياسية والتنظيمات القُطرية؛ الطلابية الجامعية والمدارس الثانوية والبلدية والوطنية الشاملة، وتحديدا لجنة الدفاع عن الأراضي التي أطلقت إضراب يوم الأرض الشهير. لم يكن هذا التطور في الوعي والبناء الوطني نتاج دينامية العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر فحسب، بل أيضا مرتبطاً بالنهوض السياسي والبناء الوطني الفلسطيني العام في الخارج، وارتقاء مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كقيادة جامعة لعموم الشعب الفلسطيني.

رابعًا؛ صعود قوة الفلسطينيين حملة المواطنة الإسرائيلية، خاصة بعد توقيع اتفاق أوسلو (كرد على استثنائهم من الصراع ومن الحل) وظهور أحزاب وحركات فلسطينية جديدة، تحديدًا الحركة الإسلامية التي أعادت وضع مسألة الأقصى في مركز الاهتمام الوطني، وكمحرض على مخططات تهويد مدينة القدس وانتهاك مقدساتها؛ وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، الذي ارتقى بالخطاب السياسي إلى خطاب يتحدى الطابع اليهودي والكولونيالي لإسرائيل، والذي ساهم في ولادة فكر سياسي جديد وفي العودة إلى جذور الصراع، إلى عام 1948. كل ذلك عزز العقل الجمعي عند فلسطينيي 48، وساهم في إعادة العافية لأحزاب قديمة، وبشكل خاص الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وأطلق نضالات شعبية واسعة ومواجهات مباشرة مع مؤسسة نظام الأبرتهايد الإسرائيلي، على خلفية هدم البيوت ومصادرة الأرض وإفقار الناس، والتفاعل مع قضايا شعبنا الوطنية ضد الاحتلال والاستيطان، والسعي لتدويل قضايا الفلسطينيين في إسرائيل ومواجهة حصرها في دائرة المواطنة.

خامسًا؛ أطلقت هذه التطورات السياسية والفكرية نقاشًا بين النخب، فأنتجت مجموعة من الوثائق الرؤيوية التي تطور وتؤسس لتصور جديد ينظم العلاقات الداخلية لفلسطينيي 48، وللعلاقة مع الشعب الفلسطيني ومصيره المشترك. وهي وثائق رأت فيها المؤسسة الصهيونية خطرًا وجوديًا على الدولة اليهودية، بحسب تصريحات مسؤولين إسرائيليين بمن فيهم رئيس "الشاباك" حينها، يوفال ديسكين.

سادسًا؛ انضواء الأحزاب العربية المختلفة أيديولوجيًا التي تشارك في انتخابات الكنيست في قائمة واحدة عام 2015 للمرة الأولى، ما بدا تحولا نوعيًا استثنائيًا في الساحة الفلسطينية والعربية الإقليمية، حيث الانقسام والتشرذم. كان ذلك جزءًا من صيرورة صعود الوعي الجمعي، الذي فرض نفسه على قوى كانت مناهضة مبدئيًا لوحدة ثلاثية، التيار القومي والإسلامي والشيوعي. وكان هذا الموقف هو موقف الحزب الشيوعي وتنظيمه التحالفي، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التي كان تكوينها العربي - اليهودي أيضًا ذريعة لرفض الوحدة القومية حتى ذلك العام، حين أجبرهم القرار الإسرائيلي العنصري برفع نسبة الحسم المطلوبة لتحقيق تمثيل في الكنيست، على الخضوع لمطالبة حزب التجمع الوطني الديمقراطي التي تبناها منذ انطلاقته منتصف التسعينيات، كجزء من رؤيته الوطنية والسياسية في تنظيم فلسطينيي 48 على أساس قومي وديمقراطي.كان حزب التجمع الذي تردد كثيراً في المشاركة في الكنيست عند انطلاقه، يرى بوحدة الأحزاب العربية في قائمة انتخابية واحدة رافعة سياسية تساهم في تمكين فلسطينيي 48، وتحديدًا في النهوض بلجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، لبنائها قيادة وطنية موحدة على أساس الانتخاب المباشر، أي من خلال منح شعبنا بما فيه الذين يقاطعون انتخابات الكنيست، الحق في المشاركة في انتخاب قيادتهم الوطنية، وفي استبدال أعضاء (أغلبهم) لم يتغيروا منذ ربع قرن مكرسين الجمود والتكلس وتعطيل النهوض بها. وجدير بالذكر، أن تركيبة هذه الهيئة العليا ذكورية إلى حد كبير، وهو أمر مُشين، خصوصًا وأنها لا تتسق مع مرحلة النضالات الاجتماعية التحررية الراهنة (الداعية إلى النهوض بواقع ومكانة المرأة).

ترتفع الأصوات التي تدعو بل تسعى لإعادة بناء التيار الوطني الديمقراطي في الداخل، من خارج الأطر الحزبية القائمة

سابعًا؛ يواجه فلسطينيو 48 حالة تراجع سياسي وطني تتجلى في مسارين متناقضين - مترابطين؛ واحد يتمثل باتساع قاعدة التصويت والتأييد للمشتركة، وآخر يتجنب الخطاب السياسي الوطني الذي يتحدى مصدر التمييز البنيوي، أي يهودية الدولة ومبناها الكولونيالي، وحلول خطاب الخدمات مكانه. خطاب التحدي هذا أطلقه مؤسسو وقادة حزب التجمع الوطني الديمقراطي قبل 25 عامًا، والذي تواصل بقوة حتى بعد عامٍ من تأسيس القائمة المشتركة، ثم تلاشى لحساب الالتحاق بخطاب المشتركة الراهن المفرّغ من المضمون الوطني، ومن طبيعته الصدامية مع الصهيونية كنظام شامل، ومن التعبوية والتثقيف، والمتخلي عن البعد القومي المتمثل بإعادة تنظيم المواطنين العرب على أساس قومي. وبالتالي، كانت التوصية على مجرم الحرب بيني غانتس لتشكيل الحكومة تحصيل حاصل لهذا التخلي التدريجي، بوعي أو بغير وعي، عن الأصول والثوابت التي قامت عليها الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل، التي أعدنا تأسيسها بعد أوسلو مباشرة. ما معناه أن اتساع قاعدة المشتركة لا يعني التفافًا حول رؤية وطنية بالمضامين المذكورة، إنما حول خطاب هجين أسقطه شعبنا في انتفاضة يوم الأرض وفي هبة القدس والأقصى (2000)، وفي النضالات الكثيرة الأخرى. لا يعني هذا حكمًا على أبناء شعبنا الذين التفوا حول المشتركة، إذ أنهم فعلوا ذلك انطلاقاً من رغبتهم الصادقة بالوحدة، والرغبة في ترجمة هذه الوحدة إلى قوة سياسية فعلية، وهو الأمر الذي للأسف لم يحصل، لأنّ السياسة الفعلية لشعب يُمارس ضده قهر قومي، لا تجري إلا في الميادين وفي الشوارع. وفي هذا التناقض بين نهج القيادة وتوجه الشارع تكمن المعضلة الكبرى، والتي تحتاج إلى معالجة جذرية.

نحتاج إلى ثورة بكل ما تعنيه الكلمة، ثورة في التفكير والمعرفة وبناء الكوادر المؤهلة لذلك، وثورة في الممارسة، ثورة في تنظيم الناس، وبناء اللجان المختصة. هي عملية تستغرق وقتاً وتحتاج إلى تضحية أكثر براحتنا ووقتنا وأموالنا.

لا نَفصل هذا التحول السلبي في الخطاب عن التحولات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية، التي يمر بها فلسطينيو 48، والتي تنتج سلوكيات مختلفة نابعة من هذه التطورات، وكذلك بتأثير الانهيارات العربية المحيطة، والفشل الفلسطيني الرسمي. طبعًا وفي القلب من ذلك، الإحباط النابع من تغول وجشع نظام الأبرتهايد الصهيوني ضد كل الشعب الفلسطيني والشعور بالعجز.

وبدل أن تواجه قيادات المشتركة تغول المؤسسة الصهيونية ضدنا برؤية وطنية وديمقراطية تحررية متماسكة، وإستراتيجية نضال شعبي صلبة وحكيمة وواقعية، خضعت للضغوط الصهيونية وتكيفت مع أجواء التخويف من ناحية، وتجاوبت مع مناورات حزب "كاحول لافان" الخادعة والاستعلائية - العنصرية. هذا ما يحدث عندما تفتقر القيادة لعمود فقري عقائدي يقوم على فهم حقيقي للخصم، وعلى امتلاك المفهوم السليم أو الثوري للتحرر والمساواة والعدالة. وهكذا تُدفع القائمة المشتركة بتسارع بتأثير من القيادة المتنفذة فيها لتتحول إلى جزءٍ مما يسمى "اليسار الإسرائيلي"، مبتلعة جميع أحزابها بدل تطوير جبهة وطنية ديمقراطية تحررية معادية للصهيونية، فيها يهود تقدميون مناهضون للصهيونية والاستعمار، تقود نضالاً يجمع بين النضال من أجل الخدمات والحقوق اليومية، والنضال السياسي التحرري من أجل العدالة والمساواة للجميع.

وفي ظل ذلك، ترتفع الأصوات التي تدعو بل تسعى لإعادة بناء التيار الوطني الديمقراطي في الداخل، من خارج الأطر التقليدية والحزبية القائمة. ترتبط هذه الأصوات المتزايدة بالمشروع الوطني الفلسطيني التحرري، الذي تتحرك لإحيائه وإعادة إطلاقه حراكات شعبية عديدة، في فلسطين التاريخية وفي الشتات.

خلاصة

بناء على ما تقدم، وبعد أن أخفقت السياسيات التقليدية التي تكرست بعد التجربة الشعبية في مواجهة مخطط برافر الاقتلاعي، يصبح الخيار الشعبي حتميًا. والتوجه الشعبي المدني في النضال لا يُختزل في مجموعة إجراءات تصدر عن لجنة المتابعة العليا، بل عن طريق انتزاع المبادرة من القائمة المشتركة، والمباشرة في عقد أيام دراسية ومؤتمرات وحوارات، تتركز فقط في إستراتيجيات وآليات النضال الشعبي. هناك تخمة بالتشخيص والتحليل لواقعنا، ولكن ما ينقص هو التفكير الثوري العلمي والواقعي، الذي من خلاله يمكن معرفة كيفية التأثير وإحداث التراكم، وكيفية ربط مراحل النضال بعضها ببعض، وكيفية توفير الموارد لذلك، ويُحدد، وهو الأهم، الفاعلين المؤهلين لهذه المهمة النظرية والميدانية، وتوفير الحماية والمساندة المعنوية والمادية والقانونية لهم.

نحن نواجه خصمًا لا يعترف بوجودنا، وقد قطع شوطًا كبيرًا في ترسيخ مشروعه الإحلالي على الأرض وفي ذهنية جمهوره. ولكن لهذا الخصم نقاط ضعفه، أهمها أنه يعيش حالة خوف أبدي لأنه يدرك أنه أسس وجوده على أنقاض شعب، لا يزال نصفه متجذرًا في الأرض، ووسط بحر من الشعوب العربية التي تخوض ثورات من أجل الحرية تخبو وتتجدد، والتي تشكل فلسطين جزءًا من وعيها الشعبي. كما لا يستند مشروعه إلى مشروعية أخلاقية ولا يستند إلى العدالة، وضد منطق التاريخ وجغرافيا المنطقة، وضد منطق العدالة. ومن شروط النجاح في مواجهة مشروعه الاستعماري والفصل العنصري، مواجهته بمشروع بديل تحرري وأخلاقي عادل؛ مشروع مساواة وعدالة للجميع.

باختصار، نحتاج إلى ثورة بكل ما تعنيه الكلمة، ثورة في التفكير والمعرفة وبناء الكوادر المؤهلة لذلك، وثورة في الممارسة، ثورة في تنظيم الناس، وبناء اللجان المختصة. هي عملية تستغرق وقتاً وتحتاج إلى تضحية أكثر براحتنا ووقتنا وأموالنا. لكن هذا الطريق هو الذي سيوقف فقداننا لأبنائنا ولنسائنا نتيجة العنف الداخلي والعنف الخارجي. بالقدر ذاته من الأهمية، ومن خلال إستراتيجية النضال الشعبي المدني، يتشكل المجتمع من جديد على قيم أسلم، لأن هذه الإستراتيجية تخلق بالضرورة حالة تضامن داخلي ورحمة ببعض، وتفتح الباب أمام الأجيال الجديدة لمواصلة تقدمها نحو الحياة الحرة.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ