احتجاجات تونس الليلية: دوافعها وتداعياتها

احتجاجات تونس الليلية: دوافعها وتداعياتها

في منتصف كانون الثاني/ يناير 2021، شهدت مدنٌ تونسية عدة، على امتداد خمسة أيام، صداماتٍ واشتباكاتٍ عنيفةً بين القوى الأمنية ومجموعات من الشباب خرجت في مظاهرات ليلية، تخللتها أعمال تخريب ونهب للممتلكات الخاصة والعامة. ورغم أن البلاد شهدت أحداثًا مماثلة، على امتداد العقد الأخير، فإن منسوب العنف الذي ساد هذه التحركات وغياب أي عناوين سياسية أو اجتماعية معلنة للمشاركين فيها، يطرحان تساؤلات عدة بشأن دوافعها وآفاقها وصلتها بالتجاذبات السياسية والأزمات الاجتماعية والمعيشية التي تمر بها البلاد.

سياق الاحتجاج وجغرافيا التوتر

منذ سبعينيات القرن الماضي، يحظى شهرَا كانون الأول/ ديسمبر وكانون الثاني/ يناير برمزية خاصة في سجل الحراك الاحتجاجي في تونس. ففي 26 كانون الثاني/ يناير 1978 تحوّل الإضراب العام الذي أعلنه الاتحاد العام التونسي للشغل إلى صدامات دامية، أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى برصاص أعوان الشرطة. وفي 3 كانون الثاني/ يناير 1984، عمّت المظاهرات أرجاء البلاد احتجاجًا على مضاعفة أسعار المواد التموينية، وأسفرت أيضًا عن سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى نتيجة عنف القوى الأمنية. وفي الفترة 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 - 14 كانون الثاني/ يناير 2011 تحولت الاحتجاجات إلى ثورة أطاحت نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وشهد العقد الأخير الذي تلا الثورة، تحركاتٍ تفاوتت حدتها وجغرافيتها ودوافعها وتداعياتها، وإن ظلت المطالب الاجتماعية والمعيشية أبرز عناوينها المعلنة.

وتعدّ نهاية السنة الإدارية وبداية السنة الجديدة سياقًا مساعدًا لتَأَجُّج الغضب الاجتماعي في تونس، لأنها تتزامن مع التصديق على الميزانية العامة للدولة، وما يرافقها، عادةً، من خيارات غير شعبية، كزيادة الضرائب وأسعار بعض المواد الاستهلاكية، مقابل تقلّص الاعتمادات الموجهة لإيجاد فرص العمل والمساعدات الاجتماعية والتعليم والخدمات الصحية والبنى التحتية.

وتزامنت الأحداث الأخيرة، منذ منتصف كانون الثاني/ يناير 2021، مع تفاقم مؤشرات الأزمات الاقتصادية والمعيشية، جراء انخفاض نسبة النمو إلى ما دون الصفر (-6 في المئة)، واستقرار نسب العاطلين عن العمل عند مستويات مرتفعة (16.2 في المئة)[1]، وتراجع سعر صرف الدينار التونسي[2]، وارتفاع أسعار المواد المعيشية، وتدنّي جودة الخدمات الصحية والتعليمية. ورغم أن الاقتصاد التونسي يعاني صعوباتٍ هيكليةً متراكمة منذ عقود، فإن تداعيات جائحة كورونا أدّت إلى تفاقم مظاهر العجز واستفحالها، جراء تراجع وتيرة الإنتاج، وارتفاع الأسعار، وإحالة أعداد كبيرة من الفئات النشطة على البطالة، واستنزاف المالية العمومية في اقتناء المستلزمات الصحية الطارئة وفي صرف المساعدات الاجتماعية.

الاحتجاجات في تونس (أ ب)

تركزت أعنف الصدامات الليلية التي دارت بين القوى الأمنية ومجموعات من الشباب والقصّر، وتخللتها أعمال تخريب ونهب استهدفت أملاكًا خاصة وعامة، في الضواحي الغربية للعاصمة تونس، بينما شهدت أحياء ومدن من ولايات القصرين وسيدي بوزيد والقيروان وسوسة وبنزرت مناوشاتٍ متفرقةً، أما ولايات الجنوب وولايات أخرى في الشمال والوسط فقد ظلت هادئة، نسبيًا، ولم تشهد أحداثًا تُذكر. احتل حي التضامن واجهة الأحداث خلال الأيام الخمسة للمواجهات؛ وهو حي تشكّل، منذ عقود، من موجات الهجرة الداخلية التي قدم جلّها من المناطق الفقيرة في الشمال الغربي إلى العاصمة بحثًا عن فرص العمل. ويعدّ حي التضامن الواقع في الحزام الغربي للعاصمة تونس، أكبر الأحياء الشعبية في البلاد وأعلاها كثافة، بكتلة سكانية تتجاوز 200 ألف نسمة، تتركز في مساحة محدودة[3]. وكان حي التضامن من أول الأحياء المنتفضة في العاصمة إبان الثورة.

لا تختلف الحال المعيشية والاجتماعية في جلّ المناطق الأخرى التي شهدت مناوشات بين القوى الأمنية والمتظاهرين، خلال الأحداث الأخيرة، كثيرًا، عن الحال في حي التضامن، إذ تشهد الولايات الداخلية، كالقصرين وسيدي بوزيد والقيروان، تعثّرًا في مشاريع التنمية وتفاقمًا للبطالة والآفات الاجتماعية وهشاشة في البنى التحتية والمرافق الخدمية. ورغم مرور عقدٍ على الثورة، فإنّ السياسات التنموية التي عمّقت الأزمات في مناطق الهامش، طيلة عقود، لم تشهد أي مراجعة. وعلى خلاف الولايات الداخلية وأحزمة الهامش في العاصمة التي ظلت تشهد احتجاجات متكررة خلال العقد الأخير، فإن توسع هذه الأحداث لتصل إلى ولاية سوسة يبدو أمرًا لافتًا للانتباه. فهذه المدينة الساحلية تشهد، أول مرة، صداماتٍ وأعمالَ نهب وتخريب بهذا المستوى. ويبدو أن تداعيات جائحة كورونا على القطاع السياحي والخدمي والتحاق أعداد كبيرة من الشباب بصفوف العاطلين عوامل ساهمت في مراكمة الاحتقان الاجتماعي.

تجاذبات حول الاحتجاجات

ساد الأحداث الأخيرة مستوى عالٍ من العنف، رغم أن الاحتجاجات في تونس تتكرر خلال العقد الأخير، فقد عمد المحتجون إلى قطع الطرقات مستخدمين إطارات السيارات المشتعلة، واقتحموا المراكز التجارية ومراكز البريد ونهبوا محتوياتها، ودخلوا في صدامات عنيفة مع القوى الأمنية استخدموا فيها الحجارة والزجاجات الحارقة.

لم تقتصر خصوصية الأحداث الأخيرة على طابعها العنيف. فقد شكّلت الشريحة العمرية التي شاركت فيها سمةً أخرى مثيرة للاهتمام؛ إذ تُظهر قراءة الصور وأشرطة الفيديو المبثوثة على شبكات التواصل الاجتماعي والتقارير الإعلامية الميدانية ومحاضر البحث الأمني وقوائم المحالين على الدوائر القضائية، مشاركة كثيفة للأطفال والقصّر والشباب دون سن العشرين وانخراطهم في أعمال العنف التي رافقت المظاهرات الليلية. وترافق الطابع الليلي العنيف للأحداث وانخراط شريحة صغار السن فيها مع غياب أي مطالب واضحة ومعلنة من ورائها، خلاف ما كانت عليه الحال في الأحداث التي شهدتها البلاد إبان الثورة وبعدها. ورغم أنّ الفئات التي انخرطت في هذه الأحداث لم تعلن أيّ عنوان واضح ولم ترفع أيّ مطالب محددة، فقد مثّل ما جرى مناسبة جديدة لتعميق التجاذبات بين مختلف الأطراف السياسية، إذ توزعت المواقف المعلَنة بين أطرافٍ أبدت دعمها لما جرى بوصفه انتفاضًا مبررًا على التهميش والفقر وفشل منظومة الحكم، وأطرافٍ اتخذت موقف الرفض والتنديد باعتباره عملًا منظمًا ومدفوعًا من أطراف داخلية وأخرى خارجية لبثّ الفوضى واستهداف الدولة، وثالثة أبدت تفهّمًا لدوافعه، لكن دون تبرير ما شابه من عنفٍ ونهبٍ وتخريب.

في اليوم الثالث لاندلاع الأحداث، توجّه الرئيس قيس سعيّد إلى حي المنيهلة الشعبي الذي شهد صداماتٍ عنيفةً، في الليالي السابقة، وأبدى تفهّمه لمطالب المتظاهرين، متهمًا جهات لم يحددها بـ "المتاجرة بآلام الناس". وسيرًا على النهج الشعبوي الذي بات واضحًا في خطاب الرئيس السياسي حرصت صفحة "رئاسة الجمهورية" على بثّ مقاطع يطالب فيها الحاضرون الرئيس سعيّد بـ "حلّ الأحزاب والبرلمان"[4]. أما رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي كان أجرى تعديلًا واسعًا على حكومته أبعد من خلاله الوزراء المحسوبين على الرئيس سعيّد قبل انطلاق الأحداث بيوم واحد، فقد توجّه بكلمة إلى التونسيين، عبّر فيها عن "تفهّمه لهذه الاحتجاجات وخلفياتها ومطالبها"، واعدًا بأن يكون "الهاجس التنموي الخيط الناظم لحكومته"، ومتعهدًا بـ "تطبيق القانون على مرتكبي عمليات النهب والسلب"، و"مواجهة الفوضى بقوة القانون"[5]، في حين أبدى رئيس البرلمان راشد الغنوشي تفهّمه "أوضاع الشباب العاطل عن العمل"، مؤكدًا أنّ حرق المؤسسات "لن يفيد تونس ولن يمنح الشغل والحياة الكريمة للعاطلين"[6].

انعكس التجاذب السياسي، أيضًا، على مواقف مختلف الأحزاب والقوى السياسية من الأحداث الأخيرة التي شهدتها تونس، بحسب موقفها من الحكومة وقاعدة دعمها البرلماني. فقد ندد حزب قلب تونس الداعم للحكومة بـ "الأعمال التي اندلعت بصفة منسقة ومتزامنة"، معتبرًا أنّ "التحريض والتغرير بأطفال قصّر ودفعهم إلى النهب والتكسير لا علاقة له بالمظاهرات السلميّة ولا بحريّة التعبير"[7]. أما حركة النهضة، صاحبة الكتلة الأكبر في البرلمان، فقد أبدت "إدانتها الشديدة للاعتداءات التي طالت الأملاك الخاصة والعامّة وعمليات النهب والتخريب"، معبرة عن "استهجانها الشديد لخطابات الكراهية والتحريض على التقاتل بين التونسيين"[8]. مقابل ذلك اتخذت جل الأحزاب المعارضة حكومة المشيشي مواقف متعاطفة مع الأحداث. فقد اعتبرت حركة الشعب الاحتجاجات "رفضًا واضحًا للخيارات التي كرّستها حكومة المشيشي والائتلاف البرلماني الداعم له"، مبديةً "مساندتها اللامشروطة لمبدأ الاحتجاج السلمي الذي يكفله الدستور وحق المواطنين في التعبير عن رفضهم الخيارات اللاشعبية واللاوطنية التي تحاول الحكومة الحالية فرضها"[9]. ولم يختلف موقف حزب التيار الديمقراطي، كثيرًا، عن موقف حركة الشعب، إذ عبّر عن "مساندة الاحتجاجات السلمية ودعم الحقّ في التعبير والتظاهر بعيدًا عن سيناريوهات المواجهات الليلية مع قوات الأمن"، مدينًا "العنف المفرط الذي تواجه به قوات الأمن التحركات"[10]. هذا في سياق مظاهرات متواصلة لم يسقط فيها لا قتلى ولا جرحى على أيدي القوى الأمنية، على الرغم من عنف هذه الاحتجاجات وأعمال تخريب الممتلكات العامة والخاصة التي سادتها.

مرحلة جديدة من الأزمة

بعد عقدٍ من الثورة وما رافقها من آمال عريضة، بعضها واقعي، ظلت الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي مثّلت أحد أسباب الثورة عام 2011، تلقي بظلالها على المشهد وتنعكس تأثيراتها سلبيًا على المزاج العام، وعلى الثقة بالمستقبل، وتترجم مخرجاتها في ظواهر سلوكية واجتماعية، كاستهلاك المخدرات وترويجها والسطو والسلب والتمرد على تقاليد الأسرة، وفي خيارات الهجرة أو الانخراط في الجريمة المنظمة والإرهاب.

والواضح أنّ الشرائح الاجتماعية الأكثر انخراطًا في الأحداث الأخيرة لم تكن عندما قامت الثورة عام 2010، في سنٍ تسمح لها بمواكبة مطالبها وتفاصيلها؛ وهي لذلك لم يعد يجذبها الخطاب المتعلق بالانتقال والبناء والمراكمة، كما لم يعد تعنيها، كثيرًا، سرديات النخب السياسية والأكاديمية والثقافية وصراعاتها وتأويلاتها للأزمات الاقتصادية والمعيشية ومقترحاتها للخروج منها. كما أظهرت هذه الأحداث أنّ مظاهر الانتماء الاجتماعي والمؤسساتي لدى هذه الفئات لم تعد واضحة، وأنّ الشعور بالغبن والوقوع على الهامش التنموي جعلا لها تمثلاتها وثقافتها وعالمها الخاص، وأنّ انخراطها في العنف والتمرد، بمختلف وجوهه، ليس إلا تعبيرًا عن هذا المسار المأزوم.

لا يُخفي النجاح في تحقيق الانتقال السياسي الديمقراطي في تونس، قياسًا إلى بلدان عربية أخرى، الإخفاق المتراكم في معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية، الذي يغذي مظاهر الانتفاض والتمرد والتهتك الاجتماعي. ويعمّق تعامل الطبقة السياسية مع هذا المطلب، والذي يراوح بين المعالجة الظرفية والتوظيف السياسي، من حدة الأزمة المركّبة. فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية في تونس ليست وليدة العقد الأخير بقدر ما هي أزمة هيكلية متراكمة بفعل الخيارات السياسية والسياسات التنموية التي أنتجت هوامش الفقر والتمرد وعمّقت الفوارق الجهوية ورفعت منسوب الشعور بالغبن والمظلومية. وطالما لم تتوافق النخب على تحيين الخيارات الاقتصادية والاجتماعية ومراجعتها وفق مشروع وطني جامع وباعتماد خطة اتصالية فعّالة، فإن إنتاج هذه الظواهر سيظل أمرًا واقعًا. ولن يكون ممكنًا تحقيق التنمية من دون استقرار ومن دون توافق النقابات وغيرها من المؤسسات مع الحكومة بشأن ضرورة الإصلاحات والامتناع عن إعاقتها بالأعمال الاحتجاجية القطاعية التي لا تتوقف ولا تسمح بتطبيق الإصلاحات اللازمة.

ساهمت التجاذبات السياسية وضعف إرادة النخب في معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، خلال العقد الأخير، في تعقيد المشهد. فقد وجدت السلطة نفسها، في الأحداث الأخيرة، في مواجهة مجاميع شبابية دون عناوين وملامح واضحة وشارع ليلي من دون رفع مطالب محددة. وحاولت بعض الأطراف السياسية القريبة من المعارضة واليسار النقابي أن تضفي توجهاتٍ محددةً على الأحداث، فنظمت مظاهراتٍ نهاريةً وسط العاصمة رفعت خلالها شعارات معادية للحكومة وحزامها الحزبي والبرلماني، غير أنّ قدرتها على التعبئة بَدت باهتة وضعيفة، ولم يتجاوز عدد المشاركين فيها بضع عشرات. واللافت هو مشاركة أحزابٍ فشلت في تحقيق أيّ تمثيل برلماني في انتخابات 2019، رغم غياب عتبة انتخابية، في الهتاف بِـ "إسقاط النظام"، ما يدل على غياب المسؤولية المجتمعية والوطنية لديها، ومقاربة قضية كبرى مثل مسألة النظام السياسي من منطلق تصفية الحسابات الحزبية.

خاتمة

عاد الهدوء إلى عدد من الأحياء الشعبية والمدن الداخلية التونسية التي عاشت، الأيام الأخيرة، على وقع مظاهرات ليلية، تخللتها أعمال نهب وتخريب وصدامات عنيفة بين القوى الأمنية ومجموعات من الشباب والقصّر، غير أن المشهد التونسي لا يزال مفتوحًا على مزيد من الاحتقان بفعل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، البنيوية والمتراكمة، وإخفاق النخب في التوافق على مشروع وطني يقطع مع السياسات التنموية التي تفضي إلى التهميش والتفاوت الجهوي، ويزيل العوائق أمام نهج تنمية متفق عليه. ويسهم التعامل قصير النظر مع مناسبات الاحتجاج المتكررة في ظهور سلوكياتٍ اجتماعية وتمثلاتٍ ثقافية خارج سرديات النخب وخطاباتها، من شأنها أن تكرّس تعثرات الانتقال الهش وتعمّق مؤشرات التهتك الاجتماعي. ورغم إمكانية تكرار مثل هذه الأحداث وتوسّعها إلى مناطق أخرى ظلت هادئة حتى الآن، فإنه من المستبعد أن تُنتج أيّ شكل من أشكال التغيير لافتقادها هوية واضحة ولغموض مطالبها.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص