في اليسار الصهيوني /د.محمود محارب

أثار إقدام رئيس بلدية حيفا يونا ياهف على هدم بيت عائلة عربية في مدينة حيفا ورفضه قبول أي حل يتجنب أو يؤجل الهدم، إلى أن يتم إيجاد حل أو تسوية، سخط وغضب العرب، واستفزّ مشاعرهم الإنسانية والوطنية على حد سواء.

كان بوسع رئيس بلدية حيفا ياهف أن يؤجل أو يجمد قرار الهدم. فهذا قرار إداري كان قد أصدره رئيس بلدية حيفا السابق عمرام متسناع. بيد انه أبى وأصر على الهدم بشكل استفزازي.

ينتمي كل من يونا ياهف وعمرام متسناع إلى "اليسار الصهيونيّ". وكلاهما اغدقا الوعود على العرب عشية انتخابهما الأمر الذي ادى بالغالبية من العرب التصويت لكل منهما في انتخابات رئاسة بلدية حيفا.

قبل أكثر من سنة، وبعد أن استقال من رئاسة حزب العمل، على أثر فشلة الكبير في انتخابات الكنيست الأخيرة، زار عمرام متسناع مدينة اللد، ضمن وفد من لجنة الداخليّة التابعة للكنيست. وأثناء الزيارة اجتمع الوفد مع أعضاء بلدية اللد وذوي النفود في المدينة، وتحدث متسناع عن المشاكل الكثيرة والمزمنة التي تعاني منها مدينة اللد، فذكر إن المشكلة الديموغرافية هي من أهم المشاكل الحادة التي تعاني منها مدينة اللد!

لنفترض جدلا أن أحد الساسة البريطانيين زار حي غولديرز غرين أو هكني في لندن، حيث يوجد اليهود، وصرح أنه توجد مشكلة ديموغرافية ويتوجب حلها. ألا يقلب الصهيونيون، وفي مقدمتهم اليسار الصهيوني، بريطانيا والمعمورة رأسا على عقب، ولا يهدأوا أو يسكتوا الا بعد اقالة هذا السياسي أو تقديمه الاعتذار. واذا كانت المواقف والأعمال العنصريّة ضد اليهود مدانة فلماذا الأعمال والمواقف ذاتها الموجهة ضد الفلسطينيين غير مدانه!

إن تصرف ياهف ومتسناع ومواقفهما التي تعتبر العربي ووجوده مشكلة وخطرا، لا يقتصر عليهما بل هو مثال نمطي لمواقف ومماسات اليسار الصهيوني.

يطرح اليسار الصهيوني نفسه، محليا واقليميا ودوليا، أنه يعمل من أجل احلال السلام وأنه يدافع عن حقوق العرب الفلسطينيين في اسرائيل، علما بأن الحقيقية في الحالتين نقيض ذلك تماما. لذلك فالسكوت على مواقف وممارسات اليسار الصهيوني خطأ فادح لا يقود فقط اليسار الصهيوني الى المضي قدما في سياسته المعادية للشعب الفلسطيني وحقوقه بل أيضا يساعد في الاستمرار في تضليل الرأي العام سواء المحلي أو الأقليمي أو الدولي. ومن هنا تأتي أهمية التصدي لطروحات وممارسات اليسار الصهيوني.

في سياق سعيه لتحقيق المشروع الصهيوني طور اليسار الصهيوني مواقف وممارسات باتت من سماته الأساسية ولصيقة به لا تنفصم عنه، ومن أبرز هذه السمات:

أولا: أنه يسار بدون أن يكون لديه قيم اليسار. ينطلق اليسار في العالم من قيم أساسية مثل السلام والعدالة والمساواة وحق الشعوب في تقرير المصير والوقوف ضد الظلم والاضطهاد، ويناضل ضد القوى التي تعتدي على هذه القيم. أما اليسار الصهيوني فهو غريب عن هذه القيم وهي غربية عنه، بل أنه يتناقض مع هذه القيم، فمنطلقه الدائم والثابت ينبع من مصلحة الصهيونية واسرائيل، ومعياره في تحديد هذه المصلحة يستند على ما يمكن الصهيونية واسرائيل أن تحققه.

ثانيا: أنه يسار استيطاني ويعتبر نفسه جزءا أساسيا وطلائعيا هاما من المشروع الصهيوني الإستيطاني وجزءا هاما من الاجماع الصهيوني. فهو يرى، ايديولوجيا وسياسيا، مكانه الطبيعي في الاجماع القومي الصهيوني وفي الإئتلاف الحكومي لتعزيز الأستيطان الصهيوني على حساب الشعب العربي الفلسطيني.

ثالثا: أنه يسار عنصري، قيمه تصرفاته شخوصه تنضح بالعنصرية والأستعلاء العنصري.
منطلقاته الأساسية مبنية على العنصرية. فهو يؤسس حواره ونقاشه وحججه على يهودية الدولة. بالنسبة له الدولة ويهوديتها شيء مقدس ممنوع المساس به. وكل شيء يتعارض أو يتناقص مع يهودية الدولة يصبح مرفوضا وغير مقبول. إنه عنصري إلى حد الهوس، فهو مسكون بما يطلق عليه "الخطر الديموغرافي". وما هو هذا الخطر الديموغرافي؟ بالنسبة لليسار الصهيوني يتمثل بمجرد وجود العرب الفلسطينيين وحياتهم وتكاثرهم الطبيعي في وطنهم فلسطين. أي إن مجرد وجود وحياة العربي الفلسطيني، سواء كان طفلا أو عجوزا رجلا أو امرأة، معافى أو معاقا، يشكل خطرا يتوجب التخلص منه. هذا "الخطر" الديموغرافي يبقى دوما على رأس أجندة اليسار الصهيوني، في الليل والنهار في جميع فصول وأوقات السنة يشكل العربي مشكلة وخطرا. مهما يفعل العربي يبقى خطرا ومشكلة. ولا يمكنه الخروج من خانة "الخطر" و"المشكلة". فسواء كان مثقفا أو جاهلا غنيا أو فقيرا يساريا أو يمينيا مؤمنا أو كافرا أو علمانيا، فانه يبقى "خطرا" ومشكلة في نظر اليسار الصهيوني. وعندما يرى قادة اليسار الصهيوني العربي لا يفكرون في كيفية التعايش معه وانما في كيفية التخلص منه. من الصعب أن يجد المرء عنصرية صارخة وواضحة مثل هذه العنصرية. وبما أن العنصري لا يرى الا ذاته ويضع نفسه دوما فوق الاخرين، فهو مستعد أن يسير فوق جثث الآخرين بدون أن يهتز له جفن، فاليسار الصهيوني لا يأبه بمعاناة العربي الفلسطيني. فمنذ أن حصّن نفسه في صدفة العنصرية ووضع الدولة اليهودية ويهودية الدولة فوق اية قيمة، فانه أقام منطقة عازلة بينه وبين معاناة العربي الفلسطيني، سواء كان العربي الفلسطيني مواطنا في الدولة التي يريدها اليسار الصهيوني أن تكون وتبقى من عنصر واحد، أو كان هذا العربي تحت احتلال هذه الدولة، فاصبحت اذنا اليسار الصهيوني من طين وأخرى من عجين وبات قلبه من بلاستيك وعينه من زجاج لا يسمع ولا يرى ولا يحس بمعاناة العربي الفلسطيني.

رابعا: انه يسار غني وشبع وجشع. فقيادة اليسار الصهيوني وجمهوره وقاعدته تنتمي إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى الاسرائيلية. وهو يسعى إلى الحفاظ على مكاسبه في المجتمع الاسرائيلي والى استمرار خلق علاقات كولونياليه استغلالية مع الفلسطينيين مبنية على نمط السيد والعبد.

خامسا: منذ بدايه اليسار الصهيوني وحتى اليوم، اعتبر قادة هذا التيار الصهيوني أنهم الأكثر نضجا وفعالية ليس فقط في فرض الدولة العبرية بقوة السلاح على الشعب العربي الفلسطيني، وانما أيضا أنهم الأنجع في استدراج بعض الفلسطينيين نحو التخلي عن حقوقهم وتقديم التنازلات الحقيقية خطوة بعد أخرى مقابل حلول وهمية.