رداً على مقالة الصديق مرزوق حلبي (فصل المقال 17/6)/ أحمد أبو حسين

كان لا بد من هذه المناقشة لمقال الصديق مرزوق حلبي بعد أن عجزت "إعلام"، المؤسسة الإعلامية للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، عن التعامل مع التمادي بغير وجه حق على التجمع الوطني الديموقراطي ولسان حاله "فصل المقال" وموقع "عرب 48"، وذلك جراء نشر نتائج بحث "استطلاع حول استهلاك وثقة الجمهور العربي في الإعلام" لا شأن للتجمع بها ولا بمن أقرها، مؤسسة وباحثين.
وكانت مؤسسة إعلام قد أعلنت عن نتائج بحث على طريقة إعلان الأسهم في سوق التداول، ولم نسمع عنها إلا من هذا الإعلان. ولكن تحريض بعض وسائل الإعلان (المكناة صحفا ووسائل إعلام، وسوف نسميها لاحقا إعلانيات بدل صحف) قد وصل إلى حد الافتراء والوشاية. ولم تحرك "إعلام" والقائمون عليها ساكنا واكتفت بالدفاع عن البحث بطريقة غير معقولة لدرجة أن الباحث كتب مدافعا عن نفسه "الويل لأمة لا تقدّر مثقفيها". وعندما ارتفعت وتيرة التحريض على جهات وطنية لا دخل لها، ولا معرفة لها بالبحث ونتائجه، كتب مرزوق حلبي عضو إدارة "إعلام" في "فصل المقال" عدد الجمعة الماضي أن "البحث الرائد ينهي سنوات من التقولات والأحاديث وأنماط التفكير والمعتقدات الغيبية بخصوص الإعلام المحلي". كلام خطير لم تحظ بمثله من قبل أبحاث رائدة فعلا، ونحن نأسف إذ نقول لصديقنا مرزوق إنها محاولة لمنع أي إجتهاد ونقاش مع البحث، فهو من حيث لا يدري يضعه في خانة المعتقدات الغيبية التي يدينها وذلك بالتعصب للبحث. والتعصب هو نقيض العملية البحثية، فالأبحاث تخضع عادة للنقاشات النقدية والسجالية. والتعصب الزائد للبحث مثل الهجوم المغرض عليه لأسباب تجارية يسقط المتعصبين في حلقة "تقدير الباحثين" من باب أنهم "باحثون" حتى لو لم يلتزموا بموقف أو منطلق وطني او بمنهج علمي. وهذا لا يعني أنه من العيب أن تقدّر باحثا لا تتفق معه، إذ من الممكن أن تكون صهيونيا وتنجز بحثا جيدا كذلك الأمر من الممكن أن تعادي الصهيونية وتنجز بحثا متدنيا. ولكن النقاش في الحالتين وارد.

إن الكتابة النقدية لا تعفي من الانخراط التنظيمي في صفوف الحركة الوطنية، كما أن الانحياز لها بحد ذاته لا يمنح صفة المثقف الحداثوي النقدي في ظروفنا كأقلية قومية تبحث عن التنظيم والمأسسة كما يحب مرزوق حلبي أن يسميها.

أتفق مع بعض الملاحظات التي سجلها مرزوق حلبي في مقالته حول غياب الصحافة المهنية وخريجي كليات الإعلام في "الصحافة" المحلية، وعلينا أن نتذكر أن الذي أجرى البحث حول "الاستهلاك الاعلامي" ليس خريجا من كلية الإعلام، وهذا لا يمنع باحثًا في العلوم الاجتماعية والسياسة من بحث سلوك مجتمع في متابعة الإعلام، كذلك لا يمنع خريجي كليات أخرى العمل في الصحافة بشرط ان يتمسك البحث بالعلمية وأن يكون نقديا تجاه أدواته الأيديولوجية، فتقسيم القراء إلى ديانات وطوائف مثلا هو أداة أيديولوجية ليست علمية. وكان بإمكانه ان يقسم القراء تبعا لمعايير أخرى ومجرد اختياره هذا في ظروف الأقلية العربية هو اختيار يخضع للنقد.

هناك صحفيون تلاميذ لأساتذة في الصحافة، تحولوا إلى أيقونات في الصحافة العربية مثل محمد حسنين هيكل الذي يعتبر محمد التابعي أستاذه في الصحافة، فالصحفيون هم الذين ينتجون الصحفيين وليس الصحافة نفسها. في بلادنا مثلا ولأسباب تحتاج إلى دراسة بحثية يوجد "صحفيون بلا صحافة" وإن كان أغلبيتهم ليسوا خريجي كلية الإعلام ولم يقرأوا سلاسل الذهب لعلي الجارم لتحصين لغتهم. لم يخلّف أحد في بلادنا أي مدرسة صحفية. وكل ادعاء من هذا القبيل هو نوع من التهويل ومن نشر وشرعنة الثقافة التهريجية والتحريضية التي عادت الصحافة ومنعت قيامها والتي تناثرت شذرات وشظايا وتملأ الإعلانيات العربية اليوم. وهنا لا أقلل من شأن كتّاب توبعت أعمدتهم بحكم أسلوبهم وسخريتهم ومستوى كتاباتهم. ولكن يجب التميييز بين هذا وبين الصحافة والأخلاقيات الصحفية المهنية وثقافة التحقيق الصحفي غير المنحاز إلا للحقيقة وغير ذلك من الأمور التي لم تجد من يرعاها وما زالت تجد من يعاديها.

على كل حال النقاش لا ينتهي في هذا الموضوع، ويمكن متابعته في مناسبة أخرى، وكي لا نحيّد النقاش لا بد من مناقشة التقرير التلخيصي الذي فضل الباحث المكلف من قبل مؤسسة "إعلام" صياغته باللغة العبرية والمنصوص بلغة الأكاديميا الإسرائيلية، فالتقسيمات الكولونيالية للعينة المأخوذة (مسلمون، مسيحيون، دروز) تعيدنا إلى السجّلات الإحصائية الإسرائيلية الرسمية التي تقسّم العرب إلى طوائف دينية.

كما أن إعلان نتائج "البحث الاستطلاع" على شكل لائحة تضع الإعلانيات العربية في مرتبات هو استدعاء لفتح النار على الباحث والقائمين عليه وعلى جهات أخرى لا تتحمل أي مسؤولية لا عن البحث ولا عن أهدافه في ظل "وحشية" اقتصاد سوق الإعلانات التي تدوس على أي موضوعية في تقييم البحث.

وساهم الإلتباس والنقاش حول البحث- الاستطلاع سواء في الإعلانيات والراديو في التشكيك بمصداقية البحث نفسه، وقد تحوّل النقاش حول الاستطلاع وعلى الهواء مباشرة بين صحفيين وباحث في الإعلام حول "الإنحراف المعياري" للعينة ليحتدم النقاش حول مصداقية صوت إسرائيل بالعربية في أوساط عرب الداخل. وهو موضوع يليق بمؤسسة مثل إعلام ان تتطرق له. هل ترصد إعلام ما يفعله صوت إسرائيل بالعربية وكيف تستضاف أحزاب عربية وتشجع ضد أخرى وكيف يستضاف سكرتير حزب فجأة كأنه محلل سياسي في صوت إسرائيل بالعربية؟

وبالرغم عن تطرق البحث لوسائل الإعلام "المنكشفة" على العرب على حد تعبيره، لم تظهر "فصل المقال" ولا موقع "عرب 48" في البحث الاستطلاع. ويقال إن صحيفة فصل المقال كانت مغلقة عند إجراء البحث، حسنا هذه إجابة، فماذا بالنسبة لموقع عرب 48 الذي أرأس إدارته وأنحاز له (أعترف بذلك) ويدخله مائة ألف قارئ صفحة يوميا.

هذه مجرد ملاحظات شكلية وإن كان بعضها مهما أهمها كما ذكرت "لغة ومصطلحات البحث"، ولننتقل إلى الجوهر:-
يقول الباحث في التقرير إن عينته تتكون من 594 شخصاً دون أن يلجأ لعدد الذين اختبرهم من تقسيماته الطائفية وإن عدد الأسئلة في إختباره قد وصل إلى 255 سؤالا، هذا يعني أن ازدياد عدد المتغيرات قد ساهم في رفع نسبة الخطأ واحتمالات وقوعه. (خذ مثلا نتيجة لنقطة بحثية حول معدل استغراق الوقت في قراءة إعلانية معينة وصل إلى أكثر من ثلاث ساعات، هذا يعني أننا لو نظرنا إلى لائحة التوزيع لوجدنا أشخاصاً يقرأون الإعلانية الفلانية بست ساعات، كلنا يعرف كم تستغرق قراءتها والفرق بين ما يدعي الشخص في عينة الفحص انه يقرأ وما يقرأ فعلا). وأن نسبة الإنكشاف للصحافة العربية وصلت إلى 80% (أين يعيش الباحث؟ هل لديه فكرة كم تطبع كل مطبوعة منها؟). أذكر الباحث أن "قانون بارتو" في نظرية التسويق والاستهلاك تقول إن نسبة 20% من الزبائن تضمن لك 80% من الدخل ويبقى على المسوّق أو السلعة أن تنكشف لـ 80% الباقين من الزبائن.

هناك بعض الأخطاء التي وردت في البحث مثل الإنكشاف بنسبة 84.7% على "يديعوت أحرونوت" الذي يؤكد أن الباحث وضع أسئلة على فرضيات من الصعب رفضها، وسأوضح هذه النقطة لاحقا. فالمنطق العقلاني يشير إلى أخطاء، ووجود بعض الأخطاء لا يقلل من أهمية البحث الاستطلاع، فليس لدي أدنى شك أنه كلما ارتفعت العينة (المركبة من ثلاث عينات) وفق "قانون الأعداد الكبيرة" الذي يزيد من الانكشاف والصدقية أيضا واختصرت الأسئلة لحصلنا على أجوبة أكثر دقة.


الإحصاء كما يفهمه أغلب الناس وبعض الباحثين في العلوم الإجتماعية لا يخرج عن كونه جمع معلومات رقمية وعرضها في جداول وبيانات. وغالبا ما يستند هؤلاء إلى مهنيين لإجراء استطلاع بناء على عينة تجيب على أسئلة الباحث. ولعل أحسن طريقة لتركيز هذه المعلومات هي الطريقة العددية (العينات) التي تعتمد على رصد النتائج رصدا موجزا وواضحا، لكن الأعداد وحدها وبصورتها الخام الأولية لا تكفي لفهم، اي تفسير الظاهرة التي نريد بحثها والتنقيب حولها تفسيرا واضحا، لذلك يلجأ الباحث إلى تحليل النتائج "تحليلا إحصائيا" ليقدم إيضاحات حول بعض الأسئلة والفرضيات والارتباطات (علاقة قراءة الإعلانية الفلانية بدخل الفرد).

كيف تم فحص العلاقة بين المتغيّر الكيفي والمتغيّر والكمي في البحث، مثل(العلاقة بين الثقة بالإعلانية الفلانية وبين جيل القارئ) , العلاقة بين متغير كمي بمعنى يمكن قياسه وبين متغير كيفي لا يمكن قياسه ، فعنوان البحث " ثقة ورضى الجمهور من الاعلام " , هذا يعني أن البحث يتطرق الى متغيرات كيفية من الصعب قياسها بدقة ، فما زال علماء الإحصاء إلى يومنا هذا يقدمون الاجتهاد تلو الاجتهاد في كيفية قياس المتغيرات الكيفية مثل الثقة والرضى والخوف والفرح .. الخ، والبحث العلمي الذي يحاول أن ينقل الواقع بصدقية تامة لا يمكن أن يستقيم إحصائيا إلا إذا انتظم في خطوات منطقية وأعني اختيار المشكلة أو موضوع البحث وفرض الفرضيات الصحيحة ومن ثم جمع المعلومات والمعطيات وتبويبها ووصفها إحصائيا وتحليلها وتفسير نتائجها.

هذا يعني أن أي تعقيد أو خطأ في صياغة فرضية ما حتى لو كانت هناك عدة فرضيات في البحث يؤدي إلى تعقيد بناء البحث وتحوّل أخطاء الصياغة بين الباحث وإنجاز بحثه.

لذلك وكما أكدت أعلاه يجب أن تخضع عملية بناء (فحص الفرضيات) لشروط علمية دقيقة أهمها وحدة الإجابة وأعني أن تكون الفرضية في إجابة واحدة على مشكلة واحدة أو نقطة بحثية والفرضيات التي تتصدى للإجابة على أكثر من نقطة بحثية تؤدي إلى تخريب البحث وتغيير نتائجه (مثل أي إعلانية عربية تقرأ، ما دخلك الشهري، ما هويتك الطائفية دون الإشارة بسؤال لماذا تسمع صوت إسرائيل بالعربية وما علاقة دخلك الشهري بمتابعتها).

إضافة إلى شرط وحدة الإجابة يوجد عدة شروط منها البساطة في طرح الفرضية لأن الفرضية المركبة تساهم في التعقيد ومن ثم إمكانية الاختبار وإمكانية الرفض فمثلا الفرضية التي تقول إن كل الناس يموتون لا يمكن اختبارها الا إذا مات كل البشر دفعة واحدة، وهذا بالضبط مثل الفرضية القائلة كل الناس يتابعون الإعلام، إذا كانت صياغة الفرضية تؤدي إلى قبولها ولا تؤدي إلى رفضها مثل هل تقرأ أو تتابع الإعلام لذلك ليس صدفة أن البحث قد وقع في مغالطة كبيرة في هذا الموضوع لأن أغلبية الناس تخفي جهلها، وغالبية الناس تخفي عدم قراءتها للصحف.

أسوق هذا الكلام لأنني على دراية ب"الميثودولوجيا" أو علم أساليب البحث برغم الزمن بعد أن تركت الموضوع منذ ايام الدراسة الى غير رجعة، لكنني ما زلت أعلم علم اليقين أين تكمن المشكلات في بعض أبحاث العلوم الاجتماعية التي تستند إلى الأبحاث والتحاليل الإحصائية، وغالبا يكمن الخطأ عند الباحث نفسه في كيفية صياغة الفرضيات ومن ثم فهمه للتحليل الإحصائي فهناك بعض الظواهر لا تحتاج في تحليلها إلى مثل هذه "المغالاة"، مثل أي من الإعلانيات الكبرى تقرأ أكثر ...

ومن الأخطاء الشائعة في بعض الأبحاث إجراء استطلاع على عينة في إطار معين محدد ثم تعميم نتائج هذه التجربة (العينة) مثل: المسيحيون يقرأون الإعلانية الفلانية والدروز يسمعون راديو إسرائيل بالعربية... يقوم الباحث هنا بغير وعي بالمساهمة في خلق أنماط أكثر مما يقوم فعلا بفحصها. على الباحث أن يلتزم حدود النتائج العلمية دون مبالغة حتى لا تنهار النتائج سريعا. وبرأينا هذه مهمة شبه مستحيلة ازاء موضوع البحث. كنت أفضل لو قامت مؤسسة إعلام التي نقدر دورها ومكانتها، بمتابعة دور نقدي مثل فحص وجود صحافة ورصد دور مكتب الدعاية الحكومي في تمويلها ونوع تمويل الصحافة، وهل يمول المجتمع العربي أصلا صحافة عربية...الخ بدلا من التسليم بكونها صحافة، وبدل التسليم بمعايير مثل طوائف القراء وبدل دخول ساحة المشاحنات فيما بينها، وهي ساحة يصعب أن يناقش فيها بحث، فكم بالحري بعد عرضه في مؤتمر صحافي بهذا الشكل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018