اللقاء كان ناجحا... بالنسبة لشارون طبعا / بلال ظاهر

أجمعت التحليلات والتقارير التي نشرت في اعقاب لقاء رئيس وزراء اسرائيل اريئيل شارون ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على فشل هذا اللقاء. لكن الواقع يؤكد على ان هذا اللقاء لم يفشل، وانما كان لقاء ناجحا، بل كان ناجحا للغاية، بالنسبة لشارون طبعا. فعلى اثر اللقاء صرح مقربون من شارون ان اللقاء كان "موضوعيا" و"ضروريا" وانه تم التفاهم بين الطرفين على تنسيق التنفيذ لخطة فك الارتباط وحتى نقل المسؤوليات الامنية على مدينتي بيت لحم وقلقيليا. والبند الاخير من "التفاهم"، أي تسليم بيت لحم وقلقيليا ليس ذو اهمية تذكر لان اسرائيل هددت امس قبل اللقاء بساعات قليلة بان الجيش الاسرائيلي قد يتوغل في طولكرم، التي تم تسليمها للفلسطينيين، بحجة مطاردة نشطاء الجهاد الاسلامي.

وقد يكون المقربون من شارون صادقون الى حد بعيد عندما قالوا ان الفلسطينيين شعروا بخيبة الامل من نتائج اللقاء لان "توقعاتهم كانت كبيرة ومبالغ فيها". فشارون يسعى في الوقت الحالي الى تنفيذ فك الارتباط، وهي الخطة التي يعتبرها ذروة عمله السياسي، من دون ان تكون هناك مواجهات مسلحة بين الفلسطينيين والجيش الاسرائيلي. لان مواجهات كهذه قد تؤدي الى افشال تنفيذ الخطة، من جهة، والى تلويح معارضي الخطة لشارون بانه لم يذعن لمطالبتهم بوجوب تكريس احتلال لقطاع غزة وليس الانسحاب منه، من الجهة الاخرى. وهدد شارون في اللقاء مع عباس، وبحضور قياديين في السلطة الفلسطينية، انه اذا لم توقف السلطة الفلسطينية اطلاق النار فان اسرائيل ستهتم بان يتم وقف اطلاق النار، أي من خلال عملية عسكرية واسعة تجتاح فيها القوات الاسرائيلية مجددا مناطق في القطاع. لكن شارون يسعى ايضا الى ابراز وجود تنسيق واتفاقات وتفاهمات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية امام الولايات المتحدة واوروبا.

من هذه الزاوية يكون شارون قد حقق غايته من اللقاء مع عباس بايصال كلمته لقيادة السلطة الفلسطينية مباشرة وبوضوح وليس عبر قنوات الاتصال بين الجانبين. اضافة الى ذلك، فقد اوصل شارون رسالة الى الاسرائيليين عبر هذا اللقاء تفيد بان اسرائيل ما زالت تتعامل وفق منطق القوة وباستعلاء مع الفلسطينيين. فعلى الرغم من الاعلان ان اللقاء سيكون مغلقا امام وسائل الاعلام، نشرت وسائل الاعلام الاسرائيلية مقاطع من هذا اللقاء تركزت بالاساس على قيام شارون باعطاء محاضرة مطولة لقيادة السلطة الفلسطينية الجالسين امامه و"توبيخ" عباس بادعاء انه لا يفعل شيئا "للجم الارهاب". وفي المقابل يطالب عباس، بحسب التسريبات لوسائل الاعلام الاسرائيلية، شارون بمساعدته على "وقف الارهاب". ويتوجب الاشارة في هذا الاسياق الاعلامي الى ان الاعلان مسبقا عن اغلاق اللقاء امام وسائل الاعلام لم يكن موجها نحو وسائل الاعلام الاسرائيلية وانما امام وسائل الاعلام الاجنبية وبعض الصحفيين الاسرائيليين لانه بوجودهم لا يمكن لشارون، بصفته الرسمية كرئيس للوزراء، ان يكتفي بالقاء المحاضرات وتوجيه "التوبيخات" وانما كان سيطالب بمصافحة عباس وقول بضع جمل موجهة للرأي العام العالمي حول احتمالات وفرص السلام في المنطقة.

غير ان شارون لا يملك اجندة ابعد من خطة فك الارتباط ولا خططا سياسية تتلو الانسحاب، او على الاصح اعادة انتشار الجيش الاسرائيلي حول قطاع غزة. والسبب ان مشروعه الاستيطاني بهدف الاستيلاء على اجزاء من الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية لم يكتمل بعد. فشارون يسعى الى رسم ملامح الحل الدائم في البلاد الممتدة بين نهر الاردن والبحر المتوسط قبل غيابه عن الساحة السياسية. وبما ان شارون، وغيره من القادة الاسرائيليين وابرزهم رئيس الوزراء السابق يتسحاق رابين، قد تمكنوا خلال السنوات الماضية من فرض حقائق على الارض في ظل الصراع، فانه يرى ان استكمال مشروعه يحتم استمرار الصراع واذا امكن المواجهات بين الفلسطينيين والجيش الاسرائيلي.

وفي هذا السياق تأتي التقويمات الاسرائيلية حول اندلاع انتفاضة ثالثة بعد تنفيذ فك الارتباط او خلال التنفيذ. لكن ما هو ثابت من تجارب الماضي، فهو انه في كل مرة تنجح فيها السلطة والفصائل الفلسطينية في التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار والمواجهات تقوم اسرائيل بتنفيذ عمل عسكري لخرق التهدئة واشعال فتيل المواجهات من جديد.

وسبق اللقاء بين شارون وعباس امس بأقل من ساعة محاولة اغتيال فاشلة نفذها الجيش الاسرائيل بحق ناشط من حركة الجهاد الاسلامي. وفي الليلة التي سبقت اللقاء نفذ الجيش الاسرائيلي حملة اعتقالات واسعة في انحاء الضفة الغربية طالت اكثر من خمسين ناشطا من الجهاد الاسلامي. كذلك سبق اللقاء تصريحات لمسؤولين اسرائيليين بينهم وزير الامن شاؤل موفاز ونائبه زئيف بويم رافقها الاعلان الصريح بالعودة الى سياسة الاغتيالات الاسرائيلية. كما انطلقت دعوات لتوجيه ضربات لناشطي الجهاد وحتى "لتوفير اسرائيل الذريعة لحماس للانضمام الى المواجهات مع اسرائيل" (انظر مقال اليكس فيشمان في يديعوت احرونوت امس-21/6).

وامام هذا التصعيد الاسرائيلي تروج وسائل الاعلام الاسرائيلية في الفترة الاخيرة ان عباس "هو رجل ضعيف وغير قادر على السيطرة على الاوضاع في الاراضي الفلسطينية" وان الادارة الامريكية قلقة للغاية من هذا الحال. ويعني الترويج لهذه الانباء ان اسرائيل تريد ان تقول ان الحل هو بقاء الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية لان "الشريك ضعيف" و"الارهاب يتصاعد" و"اسرائيل لا يمكن ان تسمح لنفسها بقيام دولة الى جانبها فيها فصائل مسلحة غير الاجهزة الامنية الرسمية". وهذه الادعاءات الاسرائيلية غير صحيحة وتفتقر الى اساس تستند اليه. لانه في كل مرة اجرى عباس فيها حوارات مع المنظمات الفلسطينية نجح في تحقيق تفاهمات واتفاقات لوقف اطلاق النار من جانبها.

لكن المشكلة تكمن في اهداف شارون وسياسته التوسعية التي لا تسمح له بالتهدئة! والا كيف ستواصل اسرائيل بناء جدار الفصل العنصري وتوسيع المستوطنات والاستيلاء على القدس وتنفيذ المخططات الاستيطانية فيها؟!


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018