الإعلام الإسرائيلي يسدد هدفين ذاتيين/ وديع عواودة

لا نكتشف الدولاب مجددا اذا ما قلنا ان الاعلام الاسرائيلي المطبوع والالكتروني في تغطيته لقضية الشيخ رائد صلاح قد تجند طوعا لخدمة سياسات المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة في إقصاء وتهميش المواطنين الفلسطينيين داخل اسرائيل.

ولكن ثمة اهمية في إلقاء الضوء على فضيحة المؤسسة الاعلامية الاسرائيلية التي تواصل الاذدناب للسلطات الحاكمة خلافا لكل المعايير الاخلاقية والمهنية المعهودة في العالم.

ومن أجل الاشارة الى المسافة الواسعة الفاصلة بين "كلاب الحراسة على الديموقراطية" في اسرائيل وبين الاعلام في البلدان الليبرالية غير المزيفة، نسوق على سبيل المثال قيام ادارة " البي. بي سي."البريطانية باسداء التوصية امام صحفييها بعدم استخدام توصيف "العمل الارهابي" على تفجيرات لندن حفاظا على الحيادية، رغم اجماع العالم على كونها كذلك.

في المقابل فإن وسائل الاعلام الاسرائيلية لا تكتفي بالنباح والتهويش فتوغل بالعض كلما كانت القضية المعالجة تخص العرب، رغم كونهم اقلية مظلومة ومضطهدة من المفروض ان تستحق عناية الاعلام وتعاطفه، بالعكس ما يجري اخيرا يبدي ان وسائل الاعلام الاسرائيلية تزداد تجندا يوما بعد يوم وكأنها تعيش الايام الاولى من سنوات الخمسين عندما كانت دولتهم لا تزال تحبو في خطاها الاولى على ركام الفلسطينيين المنكوبين.

بدلا من أن تقوم بتحري الحقائق تبنت الصحف الاسرائيلية منذ اللحظة الاولى لاعتقال رائد صلاح بشكل كامل واعمى الرواية الرسمية دون التذكير بالرأي الاخر كما تقتضي اخلاقيات الكتابة الصحفية وقواعدها. وهذا يفسر استخدام عناوين تقطر دما وتحريضا قبل بدء المحاكمة، فوصمت الحركة الاسلامية والمواطنين العرب برمتهم.

وللتذكير فقط دبجت "يديعوت احرونوت" افتتاحيتها بالبنط العريض وباللون الاحمر وقتذاك: " اموال على اليدين" على وزن "دماء على اليدين" مع تداعياتها المتوقعة، اما أمس الاول فاكتفت بنبأ لا يتجاوز عشرين سطرا ورد في الصفحة رقم عشرين..

ومن جهتها فإن صحيفة "معاريف" التي توجت رائد صلاح في حينه بـ" أبو حماس" وجدت من المناسب بدون اي خجل من ذاتها ان تتجاهل القضية البتة..

ولا يختلف حال"الجروزلم بوست" التي توجت الشيخ رائد صلاح بـ"رأس الافعى" في حينه، حيث اكتفت بنبأ عابر عن الافراج عنه.

واختلفت "هارتس" بنزوعها للموضوعية في تغطية نبأ الافراج بيد انها لم تستحضر اراء الخبراء خلافا لما حصل عند الاعتقال(امثال موطي كيدار وسواه) ففضل كتابها المختصون في الشؤون العربية امثال داني روبنشتاين تجاهل القضية.

اما قنوات التلفزة والاذاعة فكانت اكثر سوءا حيث تراوحت نشراتها الاخبارية بين التجاهل والاغفال وبين الاكتفاء بجملة او جملتين دون ان تعتذر من اولاد الشيخ رائد صلاح يوم نقلت عدساتها والدهم المقيد بالسلاسل وهو في ثياب النوم وكأنه الشيخ اسامة بن لادن لحظة وقوعه بالاسر الامريكي.

وهذا هو حال مواقع الانترنت العبرية التي غردت هي الاخرى في سرب المؤسسة الحاكمة فاغفلت القضية الهامة مكتفية بنبأ عابر سرعان ما وجد نفسه مسرعا نحو سلة المهملات.

ولن يخسر الشيخ رائد صلاح ولا المواطنون العرب جراء هذه السياسات الاعلامية الظلامية بقدر ماهي خسارة لوسائل الاعلام الاسرائيلية ذاتها ومرتين؛ في المرة الاولى خانت شرفها المهني كونها ذابت في موازين المؤسسة السلطوية الحاكمة على حساب قواعدالعمل المرعية في الاعلام، كما خسرت بميزان حساباتها القومية لأن مشاركتها في الاقصاء والتهميش والتجاهل ستسهم في تكريس العلاقات المأزومة بين العرب واليهود في البلاد وتصب البارود على نارها فتجعلها اكثر قابلية للتصعيد والانفجار بما يتناقض مع مصلحة الطرفين.

وتتجلى هذه الخسارة في كون المسألة المطروحة لا تنحصر في شخص الشيخ رائد وحركته بقدر ما هي امعان في اقصاء وتفتيت المواطنين العرب كجماعة قومية مستهدفة واستمرار في ضغوطات التدجين والسيطرة والتطويع.وهناك اكثر من دليل في هذه اللحظة المبكرة انه مقابل الخسارة المزدوجة للاعلام الاسرائيلي الذي سدد هدفين ذاتيين في شباكه خرج صلاح منتصرا كما دخل كون جل التهمة الموجهة له معاضدة ايتام وارامل من ابناء شعبه.

وهكذا اجمعت وسائل الاعلام الاسرائيلية على بحث كيفية تمخض جبل الشاباك والاعلام من ورائه عن فأر، متجاهلة اخفاقاتها في هذه القضية التي وصفها احد المعلقين الاسرائيليين الموضوعيين ب" يوم الغفران" الخاص بالاعلام.

ومن جهتهم يستطيع القراء العرب الإفلات من دائرة الوقوف مكتوفي الأيدي بالمبادرة الى إرسال الرسائل البريدية الإحتجاجية او مقاطعة الصحف العبرية او الإثنين معا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018