نقل البندقية من كتف إلى كتف.../ هاشم حمدان

بإمكان الأطراف المشاركة في الإقتتال الفلسطيني أن تدعي أنه لم يكن بالإمكان عدم إمتشاق السلاح والدفاع عن النفس لأن البديل الثاني هو أن يقال عنهم"رحمهم الله كانوا على حق"!، وقد يقال أنه يجب فرض سلطة القانون بأي ثمن، وقد يقال أنه يجب الرد على الخروقات الإسرائيلية بأي ثمن وبالنتيجة مواجهة كافة القوى التي تحول دون تنفيذ ذلك، وقد يقول أي طرف لسنا البادئين، قد يقال الكثير لتبرير اللجوء إلى السلاح، إلا أنه مهما قيل لا يمكن بأي شكل من الأشكال تفهم أو تقبل توجيه البندقية الفلسطينية إلى صدور أبناء الشعب الفلسطيني، ولا يمكن تقبل قيام فصيل قاوم الإحتلال عقوداً وقدم الشهيد تلو الشهيد في معركته التحررية من أجل حياة أبناء شعبه، وبذل رفاقه أرواحهم رخيصة من أجل شعبهم، وهان عليهم الموت من أجل حماية شعبهم من براثن الإحتلال، أن يستدير نصف إستدارة ويطلق النار على شعبه وعلى مشروعه الوطني وعلى مبرر وجوده كفصيل مقاوم....

كيف يمكن تفهم نقل البندقية من كتف إلى كتف والإحتكام إلى السلاح لحل التناقضات الداخلية والشعب الفلسطيني لا يزال يعاني من وطأة الإحتلال الذي يتربص بكيانه وبمشروعه الوطني؟ بل كيف يمكن تفهم الأعمال الإنتقامية المتبادلة (وهنا تتحمل السلطة قسطاً أكبر من المسؤولية بحكم موقعها في السلطة)..أو تفهم مظاهر العربدة في الشوارع (والتي أدت إلى سقوط ضحايا من بينها طفلة لم تتجاوز سن العاشرة)؟...وكيف يمكن تفهم إطلاق الرصاص العشوائي في مختلف الإتجاهات؟ أليست هذه ممارسات الإحتلال؟ أليست هذه الممارسات هي من ضمن الأسباب التي دفعت الشعب الفلسطيني لحمل البندقية لمكافحتها؟

ألا يرى الفلسطينيون ما يحدث على بعد أمتار قليلة من مواجهات، وهي مواجهات حقيقية، بين الشرطة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي من جهة، وبين المستوطنين واليمين المتطرف من جهة أخرى، وكانت من العنف بحيث إضطرت الشرطة إلى التراجع عن قراراتها السابقة، ورغم ذلك لم يلجأ أحد إلى السلاح ولم تسفك قطرة دم واحدة.. فهل الدماء الفلسطينية رخيصة إلى هذا الحد؟ أم نصدق ما يقوله الإسرائيليون أن القضية هي قضية حضارية؟!!!
أم ترى نسينا أن "النضال هو فن إدارة الصراع"... تفننوا ولو قليلاً..

طالما تساءل إسرائيليون في الآونة الأخيرة لماذا لم تنشب الحرب الأهلية بعد؟
هذا التساؤل حمل في طياته الكثير من الدلالات الخطيرة؛ أولها أنها تعكس رغبة إسرائيلية جامحة في إنهاك أطراف المقاومة بانشغالها ببعضها البعض على حساب المشروع الوطني الفلسطيني، وثانيها أن الإسرائيليين قد اعتقدوا بتوفر "المقدمات" والشروط الأولية لنشوب إقتتال داخلي في الجانب الفلسطيني، وثالثاً أن هناك أجهزة عملت ولا تزال تعمل على تأجيج أوار هذا الإقتتال وهي بانتظار نشوبه وها هو حلمها يتحقق، ورابعاً وهو الأهم أن الإقتتال الداخلي يخدم الهدف الإسرائيلي في تصوير فصائل المقاومة التي تناضل من أجل تحرير وطنها، أمام المجتمع الدولي على أنها عصابات إرهابية لا تختلف عن باقي العصابات حتى في تصفية حساباتها الداخلية وربما في إعتماد التصفية لاقتسام غنائم على الأبواب...

لا يوجد أدنى شك ان الشعب الفلسطيني أثبت أنه لا يزال قادراً على تجاوز النكبات والوقوف على رجليه ثانية ومواصلة كفاحه من أجل الحرية والإستقلال، وأثبت أنه قادر على مواجهة آلة الإحتلال العسكرية بكل عتادها الحربي المشتمل على أشد أجهزة الدمار فتكاً وتدميراً، إلا أن نقل البندقية من كتف إلى كتف يعني إطلاق رصاصة الموت على المشروع الوطني الفلسطيني.. بيد أنها لم تصل بعد..ولا يزال بالإمكان تدارك الأوضاع قبل فوات الأوان.. فما يحصل، وهو نتيجة لأسباب –أزمات- قائمة، سيكون سبباً لنتائج – كوارث- قادمة...