الحرب الاستباقية... والفوضى البناءة / عبدالرحيم ملوح


قبل أيام استمعت بالصدفة المحضة إلى جانب من محاضرة ألقاها الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك في كلية العلوم السياسية في جامعة القاهرة، وكانت المحاضرة على شاكلة الدرس التعليمي.أهم ما أثار انتباهي في محاضرته ما نقله عن آخر لقاء للرئيس مبارك مع القيادة الصينية في آخر زيارة له للصين.


ما قاله الدكتور أسامة في اللقاء مع الوفد الصيني برئاسة الرئيس الصيني وبعد الترحيب وعادة ما يتخذ الحديث ثلاثة عناوين هي الوضع الدولي والأوضاع في منطقة كلا الوفدين والعلاقات الثنائية.


وبدأ الرئيس الصيني حديثه عن الوضع الدولي قائلا: ان الوضع السياسي الدولي مليء بالفوضى على المستوى العام وفي أكثر من منطقة وهذا جيد، وتابع الدكتور أسامة ان هذا أثار تساؤلي واعتقدت ان المترجم أخطأ في الترجمة فاستوضحته .


ولكنه أكد ما قاله على لسان رئيسه، وطلبت ان يستفسر من رئيسه للتأكد فرد علي أنه لا يستطيع ذلك فهو مترجم لا غير، وأشار لي بأدب بأنه بإمكان الرئيس مبارك فقط ان يستفسر منه وعندها يمكنه ترجمة الاستفسار.


لكن الرئيس الصيني تابع حديثه موضحا مفهومه السياسي لماذا حالة الفوضى السياسية الدولية جيدة، كون هذه الفوضى ستثير شعوب ودول العالم وتدفعها للعمل من اجل إنهاء حالة الفوضى السياسية في العلاقات الدولية، لان استمرار الفوضى سيهدد الاستقرار والأمن الدوليين وامن واستقرار شعوب العالم كافة.


وبمعزل عن صوابية أو خطأ هذا الاستنتاج الذي نقله الدكتور أسامة على لسان الرئيس الصيني إلا ان الفوضى في العلاقات الدولية كثيراً ما أوصلت للتصادم المسلح.


ودفعت الشعوب كلفا باهظة نتيجتها. فالفوضى التي يعيشها الوضع الدولي الآن تدلل على ان هناك شعوبا دفعت ولا تزال تدفع من مقدراتها وحريتها وسيادتها ودماء أبنائها ثمن هذه الفوضى.


استنتاج الرئيس الصيني يمكن ان يكون مفيدا للدول المستقرة والقوية، والدول التي تتطلع لدور قيادي متزايد في العالم لان الفوضى ستضعف شعوب ومناطق عديدة وستضعف وتضر بهيبة الدولة الأكبر والقائدة في هذه المرحلة.


وهي الولايات المتحدة الأميركية، مما يفتح الباب ويسهل الأمر للقوى الدولية الصاعدة مثل الصين للعب دور متزايد في العلاقات الدولية، وربما يوصل للاتفاق على صيغة للتعاون الدولي لإدارة شؤون العالم.


وما يلفت الانتباه ويثير التساؤل انه في هذه المرحلة خرج علينا منظرو الإدارة الأميركية من اليمين المحافظ بنظرية سياسية جديدة في العلاقات الدولية هي (الفوضى البناءة) بعد نظرية (الحرب الاستباقية) وتحولت هاتان النظريتان المثيرتان للتساؤل والقلق في آن إلى مرتكز أساسي من مرتكزات السياسة الخارجية للقوة الأعظم في العالم.


وحدود هذا التقاطع في النظرة للوضع الدولي بين القوتين القوة المهيمنة على العالم (أميركا) والقوة الصاعدة (الصين) لا يعني التوافق بينهما أو في سياستهما أو في نظرتهما للوضع الدولي وكيفية إدارته.


فأميركا قامت واستمرت كقوة إمبريالية وتعاملت مع شعوب ودول العالم ومع العلاقات الدولية انطلاقا من أيدولوجيتها هذه، بينما الصين كافحت للتحرر من الاستعمارين البريطاني والياباني وأقامت دولتها الحديثة على أساس اشتراكي مؤيد لحرية الشعوب واستقلالها ومكافحة ضد الاستعمار والرأسمالية والهيمنة، بما فيها هيمنة الولايات المتحدة.


ان هذا التقاطع في النظرة للوضع السياسي الدولي، رغم اختلاف المنطلقات بين اكبر قوة قائدة وبين اكبر قوة صاعدة تدلل على هشاشة الوضع السياسي الدولي في هذه المرحلة، وفي قلبه منطقتنا العربية وهذا الوضع السياسي كما تدلل الوقائع ناجم عن الظروف التي مرت بها وعاشتها.


وما زالت شعوب المنطقة من جهة وعن السياسة الاستعمارية في المنطقة لعقود عديدة مضت بما فيها إقامة إسرائيل في قلب المنطقة من جهة ثانية، وعن عملية النهب لثروات المنطقة وبخاصة الثروة النفطية والسيطرة على أسواقها وموقعها الاستراتيجي من جهة ثالثة.


لقد زجت المنطقة ودولها في خدمة مخططات سياسية عسكرية مبنية على استراتيجيات "احتواء الخطر الشيوعي" و"الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق" و"بناء السلام ومتابعة السلام" بالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي.


وآخرها وليس أخيرها نظريتا الحرب الاستباقية "الحرب على الإرهاب" و "الفوضى البناءة" من اجل إعادة تشكيل المنطقة في إطار ما سمي الشرق الأوسط الكبير.


ومن يتفحص استراتيجيتا "الحرب الاستباقية" و"الفوضى البناءة" يجدهما مكملتين لبعضهما البعض وتخدمان مخططا أميركا وهو تبرير شن الإدارة الأميركية الحرب على أي دولة في العالم لمجرد كونها معارضة لسياستها أو مخالفة لايديولوجيتها.


والمبررات والذرائع تأتي لاحقا واذا لم تكن مقنعة لأحد اليوم لا يهم، فالمطلوب من المجتمع الدولي المساعدة في تحمل نتائج حرب أميركا كما كان الوضع في الحرب على العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل.


وكلا الأمرين الحرب الاستباقية والفوضى كانت بناءة لتبرير التدخل الأميركي في شؤون الدول الأخرى مطلوب بإعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية خصوصا وفقا لرؤية الرئيس بوش والمحافظين الجدد، وبما يخدم مصالح وهيمنة أميركا على المنطقة وموقعها ونفطها بخاصة، واعتمادا على القوة الأميركية العسكرية وتحت قيادتها.


لم يسجل التاريخ في الماضي بان الفوضى كانت بناءة في أية تجربة سياسية أو اجتماعية، فالفوضى جرت المجتمعات للصراعات والى تبديد مقدراتها وربما للحروب الأهلية.


والمستفيد من الفوضى غالبا هي القوى ذات الأطماع التوسعية والمنتظرة ذريعة ما من اجل التدخل في الشؤون الداخلية خدمة لمصالحها وإستراتيجيتها في هذه المنطقة أو تلك.


وهنا يجب التفريق بين افتعال "الفوضى" ووصفها "بالبناءة" وبين التغير والثورة السياسية والاجتماعية الهادفة دحر الاحتلال وإنهاء الاستبداد خدمة للشعب وحريته وتقدمه واستقلاله.


وما ينطبق على إستراتيجية "الفوضى البناءة" ينطبق بنفس القدر ان لم يكن أكثر على إستراتيجية "الحرب الاستباقية"، فالمفهومان مكملان لبعضمها البعض ويخدمان ذات الأهداف والمصالح، فالحرب الاستباقية أو الوقائية أو كما سمتها إسرائيل الحرب الرادعة، لتبرير عدوانها على شعوب المنطقة واحتلالها للأرض الفلسطينية والعربية.


هي وسيلة الطرف الأقوى وأداة من أدوات التوسع والهيمنة، هذا ما حدث ويحدث على أيدي الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وعلى أيدي الإدارة الأميركية بقيادة المحافظين الجدد في العراق وأفغانستان وأكثر من منطقة في العالم.


ولمواجهة هذه الاستراتيجيات العدوانية يجب ان يتوحد المجتمع الدولي حول مفاهيم الاستقرار البناء وحرية واستقلال الشعوب ومواثيق الأمم المتحدة في العلاقات الدولية.


والقائمة على الاحترام المتبادل والعدل وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض سياسات الهيمنة والاستعمار الجديد وشريعة الغاب، المتلفعة بمفاهيم "الحرب الاستباقية" والفوضى البناءة وغيرها.



ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018