جرائم الحرب الإسرائيلية والأمريكية وسفر التكوين الجديد/ حسين أبو حسين*

نظرت المحكمة العليا الاسرائيلية يوم الأحد المنصرم في قضية الاغتيالات السياسية التي ينفذها الجيش الاسرائيلي منذ اندلاع انتفاضة الأقصى.

وتأتي هذه القضية على خلفية الالتماس الذي تقدمت به "اللجنة الشعبية ضد التعذيب "وحركة "يوجد حد" اثر عمليات الاغتيال التي نفذتها قوات الاحتلال منذ اكتوبر 2000، والتي من ضمنها غارة سلاح الجو الاسرائيلي على حي الدرج في مدينة غزة منتصف ليلة 22.07.2002 ، والتي اودت بحياة 14 فلسطينياً خلال عملية اغتيال قيادي حماس صلاح شحادة.

من جهة اخرى تقدم يوم 07.12.2005 كل من رائد محمد ابراهيم مطر ومحمد صبحي الهويتي ومروان الزينو بقضية تعويضات فريدة من نوعها ضد رئيس جهاز المخابرات الاسرائيلية السابق "آبراهم دختر" الموجود حاليا في الولايات المتحدة، وذلك أمام المحكمة المركزية في جنوب نيويورك، والتي طالبوا من خلالها بتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم جراء الغارة الجوية بقيادة "دختر".

هذا ومن الجدير بالذكر أن طائرة اف 16 اسرائيلية ألقت في هذه العملية قنبلة وزنها طناً على بيت سكني مأهول ومكوّن من ثلاثة طوابق مما أدى الى قتل 15 شخصا، ثمانية منهم من الأطفال، وجرح 150 آخرون.

لقد طال هذه العملية العسكرية استنكار واسع النطاق من المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان العالمية وأيضاً من قبل السلطات الأمريكية. وعليه، يطالب المدعون بتعويضهم ماديا عن الأضرار المباشرة التي لحقت بهم، اضافة الى مطلبهم بفرض تعويضات عقابية على دختر.

تسرد الدعوى قصة انسانية مفزعة لحالة الدمار التي خلفتها هذه العملية الاجرامية - أشك ان كانت أقل فظاعة من المشهد الذي حفز بيكاسو على رسم الجيرنيكا- حيث أنها ادت الى مقتل المرحومة ايمان ابراهيم حسن مطر زوجة محمد مطر وكل من اولادهما: أيمن ابن السنة والنصف ومحمد ابن الثلاثة أعوام وداليا بنت الخمس سنوات، اضافة الى اخت المدعي آلاء ولها من العمر عشر أعوام، وإبنة أخيه دينا ابنة الشهرين، وجدة المدعي ايمان مريم ابراهيم مطر، اضافة لذلك فقد تم تدمير بيت عائلتهم كاملا.

أما دعوى محمد صبحي الهويتي فتتحدث عن مقتل زوجته منى، وأولادهم: صبحي ابن الأربع سنوات ونصف ومحمد ابن الخمس أعوام ونصف اضافة الى اصابة أبنائه: جهاد (11 عام) وطارق (12 عام) وخميس (8 أعوام) واختهم ايمان (15 أعوام).

أما مروان الزينر ( ابن 32 عام) فقد ابقته هذه الفاجعة مقعداً ومشلولا بجميع اطرافه جراء اصابته بالعامود الفقري.

يدعي المدعون في دعواهم أن المدعى عليه مسؤول عن جريمة حرب محظورة بموجب القانون الدولي الانساني والقانون الأمريكي لحظر التعذيب ومعاهدات حقوق الانسان.

لقد شرعت اسرائيل منذ اندلاع انتفاضة الأقصى بتنفيذ عمليات اغتيال وتصفية فردية لمن كانت تعتبرهم بمثابة متهمي ارهاب، وذلك دون اللجوء لأي اجراء قضائي ودون تقديم ضحاياها لمحاكم جنائية مدّعية انها موجودة في حالة حرب مع الفلسطينيين ومن حقها الدفاع عن مواطنيها ومطاردة عناصر الارهاب وقتلهم حتى لو تسبب الامر لقتل "بعض الابرياء".

من الجدير ذكره أن هذه الجريمة الفظيعة ارتكبت في ساعات منتصف الليل في حي الدرج، من الأحياء ذات الكثافة السكانية الاعلى في العالم حيث يسكن زهاء 3000 مواطن في كل كلم مربع، وان القنبلة التي ألقيت من طائرة 16F, القيت على عمارة مكونة من ثلاثة طوابق. وقد ادعى الجيش الاسرائيلي حينها، ان هذه الغارة كانت تستهدف اغتيال أحد قياديي حماس صالح شحادة.

ليس سراً ان جهاز الأمن العام يقوم بتزويد الطيران بالمعلومات الجغرافية والمخابراتية عن تحركات المطاردين والمطالبين وأماكن سكناهم ولا يكترث للمخاطر المحيطة بحياة المدنيين الذين يسكنون في نفس المباني والاحياء المجاورة.

وتأتي هذه الدعوى الحقوقية أثناء وجود ديختر في أمريكا ضمن برنامج دراسي مما يعطي المحكمة الأمريكية صلاحية النظر في الدعوى، وهى جزء من تحرك عالمي لنشطاء حقوق الانسان من قطاع غزة وأمريكيا وأوروبا، الذين يقومون باتخاذ تدابير قضائية وحقوقية لملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين.

لقد ضربت اسرائيل خلال 58 عاماً عرض الحائط بكل قرارات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وتنكرت لالتزاماتها المترتبة عن كافة المعاهدات الدولية وقواعد القانون الانساني المتعلق بحماية المدنيين.

بعد حرب عام 1967 وقعت الضفة الغربية وقطاع غزة تحت السيطرة العسكرية الاسرائيلية فتغير وضعها الى "أرض محتلة"، وبذلك أصبح سكانها أشخاصاً محميين بموجب القانون الدولي الانساني. ويرمي القانون الدولي الانساني الى حماية المدنيين من معاناة اسقاطات الحرب والاعمال العسكرية، ويكفل لهم الحماية من آثار العمليات العدائية.

ان مسألة المدنيين تحكمها بشكل رئيسي اتفاقية جنيف الرابعة لحماية الأشخاص المدنيين لعام 1949، حيث أن الغرض الرئيسي منها تأمين حد أدنى من الحماية الانسانية لسكان الأراضي المحتلة، فتضمن حظر الاجراءات الانتقامية والعقوبات الجماعية ضد السكان المدنيين في الأراضي المحتلة والتعذيب وغير ذلك من المعاملة اللا إنسانية أو المهينة والأبعاد والاستيلاء على الأملاك.

تم في الأعوام المنصرمة تقديم بعض الدعاوى الحقوقية والجنائية ضد قيادات سياسية وأمنية اسرائيلية في بعض العواصم الغربية منها قضية في بلجيكيا ضد أرئيل شارون لمسؤوليته عن مجزرة صبرا وشاتيلا وأخرى ضد الجنرال "الموج" في انكلترا لمسؤوليته عن تجريف البيوت في مسار فيلاديلفي وترحيل المئات من سكان مدينة رفح مما اضطره عدم مغادرة الطائرة الاسرائيلية الجاثمة في مطار هيثرو بضع ساعات الى حين عودته الى البلاد فاراً من العدالة البريطانية.

وها هي دعوى اخرى تقدم ضد رئيس الجهاز الامني في معقل "الحرب على الارهاب" مستخدمة القانون الأمريكي الداخلي والذي يعتبر القانون الدولي جزءاً من القانون الوضعي المعمول به في أمريكا.

السؤال المطروح ماذا ستفعل أمريكا في هكذا دعوى وكيف سيتم التعامل معها سيما وأن الجريمة المنسوبة لديختر لا يمكن اعتبارها بغير مسماها "جريمة حرب" لفظاعتها ولنتائجها التي أودت بحياة اناس عزل ليس لهم أي خطيئة سوى كونهم جيراناً لصلاح شحادة!

وطالما ان الحديث يدور عن أمريكا، نود أن نلفت نظر القراء لقرار قضائي صدر مؤخراً عن محكمة مدنية أمريكية يقضي بفرض تعويضات مالية كبيرة على الكولونيل السلفادوري السابق بيكولاس كارانزا لمسؤوليته عن تعذيب اربعة مواطنين في السلفادور منذ عشرين عاماً عندما كان يشغل منصب قيادة القوات الامنية، حيث اعتبرته المحكمة مسؤولاً عن الأضرار التي لحقت بضحايا التعذيب لمجرد عدم اتخاذ اجراءات لحظر ومنع هذه الممارسات.

هذا وقد فرضت المحكمة على المدعى عليه بتعويض كل ضحية بنصف مليون دولار اضافة لأربع ملايين أخرى كتعويضات عقابية.

أمريكا هي أمريكا، تأمر ولا تؤمر، تعاقِب ولا تعاقب، تطلب من العالم الانصياع لاوامرها مستندة أحياناً الى ارادة المجتمع الدولي وأحياناً الى حجة الدفاع عن النفس ومحاربة الشر. هكذا فعلت عندما خاضت حرب دمار شامل على أفغانستان وهكذا فعلت عندما بادرت الى حرب الخليج الثانية وأخذت تقترف كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة جرائم ضد الانسانية دون ان تحسب حساباً لقانون أو شريعة أو معاهدة دولية مرتكزةً في ذلك على قوتها ونفوذها.

تأكيداً على موقفها ان العالم ساحة مفتوحة لجنودها ولأساطيلها، قامت أمريكا باعتقال واختطاف مواطنين عرب ومسلمين ونقلتهم بطائرات وكالة المخابرات الامريكية عبر مطارات أوروبية وشرق أوسطية الى سجون في شرق أوروبا وبعض الدول العربية لتعذيبهم دون الخضوع الى قوانين امريكا الوضعية بل ارتكازاً الى قوانين الغاب المحلية في تلك الدول.

عند تشكيل محكمة روما الجنائية الدولية صيف2002 لم توقع كل من أمريكا واسرائيل على المعاهدة حيث طلبتا استثناء جنود كليهما من صلاحيات المحكمة ومن سريان المعاهدة عليهما. وبعد تقديم الدعوى ضد شارون في بلجيكا تم اغتيال "ايلي حبيقه" الذي بدأ يتحدث عن ضلوع اسرائيل في ارتكاب الجريمة ومن جهة أخرى قامت اسرائيل بالضغط على حكومة بلجيكا لتغيير القانون الوضعي هناك.

أما بعد هروب الجنرال "الموج" من لندن فقد بادرت الحكومة الاسرائيلية بارسال وفد رفيع المستوى مكوّن من مندوبي وزارة الدفاع والخارجية والعدلية الاسرائيلية الى لندن للتفاوض مع بريطانيا حول عقد اتفاقية ثنائية تقضي باعفاء جنودها من سريان معاهدات الملاحقة الجنائية.

إذا السلوك والممارسة واحدة، فاسرائيل وامريكا تعتبران نفسيهما فوق القانون الدولي وتستحقان اعفاءً من سريان قواعده و مبادئه عليهما. اما عندما يحلو لهما الامر فهو بمثابة اداة طيعة يمكن استخدامها لشن حروب على الاشرار ولقلب انظمة حكم ومطاردة اعدائهما وقتلهم وتعذيبهم.

قد يتساءل البعض ما الفائدة إذا من هذه الاجراءات التي تتخذ بحق رجال أمن وسياسيين اسرائيليين في دول مختلفة، طالما انها لم توصل الى نتيجة فعلية حتى الآن؟ والجواب على ذلك يكمن في ضرورة تكثيف الجهود لمقارعة مجرمي الحرب وملاحقتهم على كافة الأصعده بكافة الوسائل المتاحة والمتوفرة، وما هذا التنامي العالمي المناصر لضحايا التعذيب وجرائم الحرب الا بمثابة دليل قاطع على وجود وعي وتململ عالمي على مستوى نشطاء حقوق الانسان لمحاصرة المجرمين وملاحقتهم.

ان هذه التحركات العالمية لمقاضاة مجرمي الحرب الاسرائيليين في محاكم أجنبية، أصبحت ضرورية وذلك على اثر التعديلات الاخيرة التي جرت في القانون الوضعي في اسرائيل، والتي تحرم المتضررين الفلسطينيين من حقهم في التوجه الى القضاء الاسرائيلي لمقاضاة جنود الاحتلال والجيش الاسرائيلي، بادعاء أن اسرائيل تواجه منذ اندلاع انتفاضة الأقصى حالة "مواجهة"، كصيغة من صيغ الحرب مع الفلسطينيين، وعليه فانه ليس من مسؤوليتها تعويض ضحايا الحرب من الجانب الفلسطيني، وعلى كل طرف تحمل أعباء متضرريه.

ان محاولة مطاردة مجرمي الحرب هؤلاء ما هي الا جزء يسير من العقاب المستحق عن جرائمهم بحق الضحايا والانسانية جمعاء.

علّ هذه الساعات الطوال، التي مرت على "الموج" وهو حبيس الطائرة، غير قادرٍ على مغادرتها للقيام بمهمة "انسانية"، الا وهي جمع التبرعات للأطفال التوحّديين (أوتيست) . . . لخوفه من تنفيذ أمر الاعتقال الصادر بحقه من محكمة بريطانية... علّ هذا يدخل قليلا من الفرحة أو مشاعر السداد والانجاز في قلوب مئات ضحايا الاعتداءات الاسرائيلية....



* الكاتب محام ويشغل منصب رئيس إدارة "إتجاه"- إتحاد جمعيات أهلية عربية



ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018