في نقد الخطاب الإعلامي../د.عمر سعيد

غالبية التحليلات والتقارير التي تناولت نتائج الإنتخابات للكنيست الأخيرة، ادعت أن التجمع قد تلقى ضربة موجعة، فتوقع بعضها أن تنعكس بشكل تحولات عميقة على مستوى خطابه السياسي وتشكيلاته التنظيمية، بل إن مخيلة بعضهم ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، وذلك اعتمادا على فشل تحقق شعار "التحول نحو القوة الأولى" في ساحة العمل الجماهيري، الذي رفعه التجمع.

وللإجمال، يمكن وصف تلك التقييمات أنها تراوحت بين مواقف التشفي الموتور، مرورا بالمزايدة المضمنة، وانتهاءً بتقييمات صحافية تعتمد المشهدية والتهويل، رغم حياديتها، بديلا عن التعمق في فهم طبيعة تكوينه الفكري وارتباطه، تاريخيا، بنشأته.

لا شك أن التجمع، وخلال مسعاه للتحول إلى قوة أولى، بكل ما ترافق مع ذلك من شحن وتعبئة وتصليب، مدفوعا بقناعة مثبتة من الشعور باستهدافه المتواصل سلطوياً وفئوياً، فإن مقولة "القوة الأولى" قد تحولت إلى هاجس ثقيل وهدف لذاته، بحيث تغلغلت الفكرة ورسخت في ذهنية كوادره، الأمر الذي أسهم بدوره في تضخيم مشاعر الخسران والإحباط في صفوفه، وعندها أغلقت الدائرة "المأساوية" حتى صار الأول (التحليل) يغذي الثاني والأخير (التجمع) يعيد إنتاج الأول، وهكذا دواليك.

في مواجهة هذا الواقع العبثي، اختار كثير من رفاقنا طريق التبرير لتفسير ما حصل، وإن كان صحيحا في غالبه، إلا أنه ظل أحادي البعد يعتوره الأسى من غدر الغادرين.

لست أدري لماذا غيبت أو أغفلت عناصر القوة والتميز التي ينفرد بها التجمع بوضوح عن غيره من الأحزاب والقوائم الأخرى، خلال حملته الإعلامية الأخيرة، لدرجة ظهر رأسه كباقي الرؤوس وصوته كصوت منافسيه، اللهم باستثناء اللون والرائحة.

من الواضح أن ليس بمقدور التجمع مبارزة أقطاب الفكر الإنتهازي في ساحات الردح السجالي، لأن الجميع، حينها، سيظهر متساويا وتمحي الفروق ويصبح الجميع "خير وبركة"، وخاصة في مجتمع استقرت في وعيه ثقافة الترميز خلال عملية تراكمية من التلقين الأبوي، فأصبح كافيا أن يلتحي أحد ويصلي حتى يعتبر ورعا ومؤمنا، أو أن يمتلك سيارة باهظة الثمن حتى يعامل باحترام، أو أن يمسرح صيحاته في أمور وطنية حتى يمسي شيخ الوطنيين..الخ. وما دمنا، والحال هكذا، كان لزاما على التجمع إبراز سلاحه الفكري الماضي الذي بات محط استنساخ وِتَبَنٍ لفظي من قبل منافسيه، لا أن ينساق في دهاليز العزف على الكلمات والمجاملات البريئة والساذجة أمام من تهتك سياجه الأخلاقي والوطني مع ولادته.

لقد قدم التجمع مشروعا سياسيا خاصا بفلسطينيي الداخل، بعد أن نجح في صياغة معادلة بديلة لما ألفه أهلنا من شعارات المساواة الإندماجية المؤسرلة، بحيث جمعت بين المطلبي والوطني في مسار غير متناقض مع رؤيتنا لجذورنا ومستقبلنا، فكان شعار دولة المواطنين الإعتراضي بمثابة الحلقة الأولى منه وليس الحلقة الوحيدة، كما قد يتهيأ للبعض من ذوي الأفق المسدود. وهنا لا بد أن نتساءل لماذا لم يحلق هذا الخطاب المميز في فضاء الحملة الإنتخابية كما ينبغي له، بوصفه وعاء تعبويا ووطنيا وأخلاقيا؟.

باعتقادي انه كان حرياً بالتجمع أن يوظف كافة إمكانياته، وليس فقط في تجذير مشروعه الخاص، وإنما العمل على تطويره والإنتقال به إلى قمم جديدة تجعل من شعار المواطنة متناقضا بالمطلق مع مفهوم الأسرلة وتبطل تداعيات تكراره السلبية في عقلية أبناء التجمع قبل جماهيرنا الواسعة.

فعلى سبيل المثال ماذا حل بشعار "الحكم الذاتي الثقافي"، وتشكيل وانتخابات المؤسسات القومية، ولماذا لم تظهر في صدارة حملة التجمع الدعائية؟!

من الناحية الأخرى، فإن أحد أبرز عناصر القوة لدى التجمع تتلخص باشتماله المكثف على عدد هائل من صفوة أبناء الحركة الوطنية ذات الخبرة الممهورة بالتضحيات، والرصيد الوطني المسند والعصي على التطاول والمزايدة. ولكن، هنا تحديدا، ستكون المرارة من نصيبنا حينما نكتشف أن التجمع أخطأ مرتين: الأولى في تقاعسه عن تسويق وترويج مشروعه المميز بشكل منهجي، كما أسلفت، والثانية في إهداره فرصة الإفادة القصوى من تلك الكادرات النضالية الزاخرة داخله، وموضعتها في مفاصل الحياة الحزبية والتنظيمية والإعلامية- الفكرية منها على وجه التخصيص.

لقد أسهمت هذه الأخطاء في إفقاد التجمع شيئا من بريقه وإضعاف قوة جذبه، خاصة في أوساط المثقفين الراديكاليين الذين أسهموا كثيرا في توسيع دوائر التأثير لفكر التجمع وخطابه التجديدي.

وفي سياقات متشابهة، انشغل البعض في تأكيد المؤكد وإثبات المفروغ منه، عبر انشداد بارز لشكلانية ثورية تقدس القوالب والمقولات، على حساب مواجهة تحديات وضرورات الحملة الإنتخابية، في حين ضاق صدرهم عن إبداء أي نوع من التفهم لدعوات المقاطعة المبدئية التي أطلقها رفاق لنا في حركة أبناء البلد، والذين في معظمهم يشاطرون التجمع رؤيته وثوابته الوطنية.

بالمناسبة نذكر رفاقنا في أبناء البلد أن التجمع يشكل رأس الحربة لحركتنا الوطنية في الداخل، وهو، شاء من شاء وأبى من أبى، يتمترس في صف المواجهة الأمامي ليس فقط مع السلطة وأجهزتها، وإنما أيضا ضد الانتهازية السياسية لأبناء جلدتنا والتي تتربص بأبناء البلد قبل التجمع. من هنا فان منطق الأمور في تعاملنا ينبغي أن يحتكم إلى هذه المعادلة. فليتخيل أحدكم لو أن التجمع قد اختفى عن الساحة في الانتخابات الأخيرة، فأي خطاب فكري وسياسي كان سيسود شارعنا، وأي ممارسات "وطنية" كانت ستستشري وتطل برأسها من بين صفوفنا؟

وحسبنا دليلا على ذلك أن قائداً ومفكراً بحجم عزمي بشارة يتعرض هذه الأيام لحملة قذرة من التشويه، وحركتنا الوطنية ما زالت على "ظهور خيلها"، وكل ذلك يجري في ظل تآمر صامت أو صمت تآمري ممن يرتجى أو يؤمل منهم عكس ذلك على الأقل.

من ناحيتي، فان عدم تحقق شعار" القوة الأولى" انتخابيا، هذه المرة، ليس بذي أهمية طالما ظل التجمع القوة الأولى في التزامه الوطني وتجدده الفكري وثباته المبدئي على طريق لم يستوحشه لقلة سالكيه، والذي حتماً ستستأنسه الجماهير بعد أن يماط اللثام عن الوجوه القبيحة المتخفية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018