إذا كانت السياسة فن الممكن، فعملية النفق هي فن المستحيل../ هاشم حمدان

 

وإن كان يهمنا أن يبقى على قيد الحياة، بحكم الأخلاق والشجاعة، لكونه أسيراً غير قادر على الدفاع عن نفسه، قد يكون من الصعب التنبؤ بما سيؤول إليه مصير الجندي الإسرائيلي، غلعاد شليط، الذي كان يجلس آمناً في ترسانته العسكرية الآمنة، وفجأة يجد نفسه عالقاً بين "السماء والطارق"، وتنشغل به معظم وكالات الأنباء في العالم، ويتنادي الدبلوماسيون لإجراء اتصالات مكثفة في كافة الإتجاهات لمعرفة مكانه وإطلاق سراحه، ويسارع معظم وزراء خارجيات العالم للتنديد بالعملية والتلويح بالتهديد والوعد والوعيد..

فجأة، وبعد أن كانت حياة شعب بأكمله ليست مهمة، على الأصح حياة شعوب، تصبح حياة إنسان فرد مهمة وعلى رأس جدول الأعمال العالمي، وتتطلب وضع كافة الاهتمامات والقضايا الأخرى جانباً وتكريس الوقت والجهد لهذا الفرد.. فجأة وعندما كان العالم يمضي إلى أشغاله اليومية والشعب الفلسطيني يذبح يومياً، تصبح حياة فرد مهمة تنطلق له التصريحات عالية المستوى، ويتواصل رنين الهواتف الرسمية من أقصى أطراف المعمورة إلى أقصاها قلقاً على مصيره..

لا نحتاج الخبرة العسكرية لتصنيفها عملية شجاعة مخططة بدقة وإحكام، ولا يمكن تخيل الجهد لإخراج هذه العملية إلى حيز التنفيذ، ومدى شجاعة المنفذين، ومدى الإصرار على تنفيذ عملية تأتي في أفضل توقيت للشعب الفلسطيني من جهة الحالة النفسية بعد سلسلة المجازر وجرائم الحرب التي ارتكبها الإحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين، أطفالاً ونساء بوجه خاص.

ولا نحتاج الخبرة العسكرية أيضاً لإدراك أن العملية استغرقت وقتاً كبيراً في رصد الموقع، بما يعنيه من التعرض المتواصل للقصف، واستغرقت وقتاً للتخطيط ومباشرة العمل في حفر النفق.. ليس نفقاً عادياً.. بل يصل طوله إلى أكثر من 1000 متر.. بالإمكان تخيل صعوبة السير في هكذا نفق، ولكن لا يمكن تخيل عملية الحفر المضنية البطيئة المتواصلة تحت الأرض وخطر القصف ماثل في كل لحظة، وخطر انهيار النفق ماثل أيضاً في كل لحظة وخطر الغرق وخطر الاختناق وخطر الانحباس، وخطر الفشل في تنفيذ العملية، لأن المنفذين كما يبدو لم يسعوا للإستشهاد وإنما إلى تنفيذ عملية ناجحة قد تكون نتيجتها الشهادة.. وأخطار أخرى كثيرة ماثلة في كل لحظة ولا يعرفها إلا من دفعه عشقه للأرض وشدة المعاناة على سطحها إلى الغوص عميقاً في باطنها..

في الوقت الذي واصلت فيه قوات الإحتلال جرائمها ضد النساء والأطفال من أبناء الشعب الفلسطيني، وسط صمت دولي مخز، ومن لم يصمت فقد أدان الضحية وبرر الجريمة، يسارع هؤلاء أنفسهم إلى إدانة عملية عسكرية موجهة ضد جنود يحملون السلاح، وقادرون على استخدامه، بل ويتفوقون أيضاً في نوعية السلاح.. وتصبح عملية عسكرية موجهة ضد جنود إحتلال عملية إرهابية، في حين أن قتل النساء والأطفال من أبناء شعبنا يأتي من باب دفاع الاحتلال عن نفسه..

تعيد هذه العملية إلى الأذهان العملية المشابهة التي وقعت في كانون أول/ديسمبر 2004، في معبر رفح حيث تم نسف الموقع العسكري وقتل خمسة جنود. كما تعيد إلى الأذهان عملية الطائرة الشراعية التي قادها الشهيد خالد عكر عام 1987 حيث حط في معسكر قرب "كريات شمونه" على الحدود الشمالية وتمكن من قتل 8 جنود.

في ظروف أخرى تصلح هذه العمليات الواقعية لتلهب خيال مخرجي الأفلام الأمريكية المحدود والمسقوف بالحرب على الشعوب..

بالمنظار العسكري يجب أن يؤدي كافة جنرالات العالم التحية العسكرية لمنفذي العملية.. فهي عملية عسكرية نوعية من الدرجة الأولى، تصلح بامتياز للتدريس في الكليات العسكرية..

مرة أخرى تقتحم المقاومة الفلسطينية الأفق المسدود وتمارس فن المستحيل...
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018