الدم و..النفط.. / رشاد أبو شاور

أحسب أننا لم نكن بحاجة لسماع تحليل خبير اقتصادي، صبيحة الثلاثاء 18 الجاري، في إذاعة الBBC، وهو يسوق معلومة عن ارتفاع سعر برميل النفط عالميّاً، ثمانية دولارات، وأن هذا يعني أرباحاً صافية يوميّة للدول العربيّة المصدرة للنفط، وفي مقدمتها السعودية، مبلغاً يصل على 160 مليون دولار!

أي متابع مسيّس، يعرف دون أن يكون خبيراً اقتصاديّاً، بأن تفجّر أزمة في مكان ما سيرفع سعر النفط، فما بالك وهذه الأزمة - الحرب، تقع على مقربة من آبار النفط في (الشرق الأوسط)؟!
لا باس، فتحليل الخبير الاقتصادي يدعّم وجهة نظرنا نحن عرب (الدم)، بأن تجّار النفط العرب، لا يخسرون، رغم تباكيهم على دمنا، وعلى معاناة (الشعب) - سواء في فلسطين، أو العراق، أو..لبنان - فنحن ننزف دمنا ثمناً للخروج من حالة الانحطاط، ومقاومة للاحتلال، وتلبية لنداء الحريّة، وهم بنكباتنا يراكمون أرقاماً في أرصدتهم البنكيّة، والتي تبدد بسفاهة على كماليات استهلاكيّة، وأسلحة تصدأ في مستودعاتها، وسياسات إفساد، وتمويلاً لعمليات تخريب في وطننا العربي، وفي بلاد العالم البعيدة، وأرقاماً ميتةً في بنوك الغرب...

أبناء جيلي مّمن عاصروا حرب تشرين عام 73 يتذكّرون كيف أن أسعار النفط اشتعلت، وقفزت إلى ما فوق ال30 دولاراً، بعد أن كانت في حدود ال13 دولاراً...

كان هذا بفضل دم جنود مصر، وسوريّة، والعراق - والعراق المغدور كان أوّل من يلبي بجيشه ونخوته استغاثات العرب في كّل معاركهم - والفدائيين الفلسطينيين، الذين خاضوا غمار تلك الحرب...
دول النفط، وبخّاصة السعوديّة، قدّمت القليل القليل من أرباح جنتها من دم الجنود العرب!...

تجّار النفط اعتادوا على (الربح) من دم أبناء الأمّة، وهم لم يشاركوا بالّدم في أي حرب خاضتها أمتنا ضد (إسرائيل)...
لقد غطّى حكّام السعودية - نجد والحجاز- دائماً، دورهم بالتباكي، وادعّاء الحكمة، و..تقديم بعض التبرعات التي هي جزء يسير من أرباحهم في معارك الأمّة...

من جديد، وهم يقفون ضّد المقاومة في لبنان، كما هو شأنهم مع المقاومة في فلسطين، يعلن حكّام السعودية عن تبرعهم ب50 مليون دولار للبنان!...
يظّن حكّام السعودية - لا ننسى حليفهم نظام مبارك - أنهم بهذا التبرّع يمكن أن يشتروا (عواطف ) شعب لبنان، وأنهم يقومون بعمل يمكن أن يبرّأهم من دم شعب لبنان...

ملايين العرب، والمسلمين، الذين يتابعون بطولات، وتضحيات شعب لبنان - لا يغيب عن البال شعب فلسطين المقاوم العريق العنيد - قرأوا، وسمعوا، وشاهدوا، مواقف حكّام السعودية، المعادية للمقاومة اللبنانيّة، والتي تغطّي المؤامرة الأمريكيّة الصهيونيّة الرامية لتدمير بؤر المقاومة في لبنان، وفلسطين، و العراق، وبسط الهيمنة الأمريكيّة الصهيونيّة على الوطن العربي...

كل دولار يضاف إلى أرباح حكّام السعوديّة، منذ يوم 12 تمّوز الجاري، يوم عمليّة (الوعد الصادق)، هو من حّق شعب لبنان، وبهذه المبالغ المدفوع ثمنها دم، ودمار، وتضحيات، وبطولات، سيكون بقدرة لبنان أن يعيد إعمار ما تدمّره آلة الحرب الصهيونيّة الأمريكيّة، دون أن يطلب مساعدة أي طرف في العالم...

المبالغ الزهيدة التي قدّمتها السعودية، وغيرها من دول النفط، هي مستحقّات لشعب لبنان، وليست تبرّعات، ولذا لا شكر على تقديمها، لأنها (بعض ) التعويض عن دم يسيل في الميدان، ولا يقدّر بثمن، دم يسهم حكّام السعودية، ومصر، ومن يسير في إثرهما، ويواليهما، ويخضع لسياستهما، في إهراقه...

اليوم يتأكّد الفراق بين الدم و..النفط، فالدم عربي، والنفط ليس للعرب، ولكنه ضدهم، وبال عليهم، عائق لتحررهم، هو هكذا منذ رفع القائد جمال عبد الناصر شعار : بترول العرب للعرب..ولم يتحقق الشعار، وبقي البترول دخاناً يعمي الأبصار، ووسيلة لتكريس التخلّف في بلاد العرب، ووقوداً للدبابات، والطائرات، والبوارج التي تصّب حممها على رؤوس عرب فلسطين، والعراق و..لبنان!

هذه المعركة التي يصمد فيها أهلنا في فلسطين، والعراق، ولبنان، هي في أحد جوانبها حرب مقاومة للدور التخريبي للنفط (العربي) المسخّر ضّد مصالح الأمّة...

وفي هذه المعركة لن يغيب عن بال ملايين العرب، وفي مقدمتهم عرب فلسطين، والعراق، ولبنان : أن تجّار النفط العرب يجنون ثرواتهم على حساب نزف دمنا العربي، وأن (الرشى ) بالتبرّع بمبالغ تافهة لن تخدع المضحين بدمهم، رافعي سعر النفط، المعنيين برفع قيمة وقدر الأمّة، عن حقوق لا يتسولونها...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018