عن العامل الذاتي وعودة الروح/ أنطوان شلحت

تتراكم في حمأة "المماحكات" الإسرائيلية حول نتائج الحرب على لبنان، واحدة تلو الأخرى، إشارات إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية كانت "على علم تامّ" أو يكاد بالقدرات القتالية لمنظمة حزب الله.

وكان آخر هذه الإشارات ما صدر عن لجنة الخارجية والأمن في الكنيست من إجمال لأبحاث عقدتها، وستواصل عقدها، في محور تقصّي أسباب فشل الحرب المذكورة.

ووفقًا لما نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية (30 تشرين الأول/ أكتوبر 2006) فقد كانت الاستخبارات هي "الجهة الوحيدة التي حظيت بتقدير هذه اللجنة". وبكلمات أخرى فإنّ إجمال اللجنة يعفي الاستخبارات بمفردها من المسؤولية عن إخفاقات الحرب. أمّا سائر الجهات المعنية من المستويين السياسي والعسكري فقد فشلت، على حدّ تعبير الصحيفة، وذلك "بدءًا من النقص الخطير في الأجهزة والميزانية والذي أدى إلى مستوى جهوزية منخفض للحرب، وانتهاء بالبلبلة الهستيرية في أوامر الحرب وأهدافها، مرورًا بطريقة إدارة الحرب والقصورات في القيادة".

وقيل في الصحيفة الإسرائيلية أيضًا، بصدد "الإحاطة المعرفية" السالفة، إنه "خلافًا لحرب أكتوبر في 1973 فإن حرب لبنان الثانية لم تشهد، برأي اللجنة، تقصيرًا استخباراتيًا. وقد كانت للجيش الإسرائيلي معلومات جيّدة حول منظومات حزب الله وحول الأسلحة التي في حوزته، بما في ذلك الصواريخ المضادة للدبابات والخنادق ومنظومة التحصينات ومسارات تهريب السلاح".

وللمعلومية فقط فقد سبق للمعلق العسكري الواسع الإطلاع لصحيفة "هآرتس"، زئيف شيف، أن ألمح بشكل خفيّ إلى هذه المسألة عندما كتب بتاريخ 31 آب/ أغسطس 2006 في إطار زاويته اليومية "دروس الحرب" وتحت العنوان الموحي "كل شيء مسجّل" أن هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي أجرت، في أحد أيام الأسبوع الذي ظهرت فيه زاويته، نقاشًا حول جهوزية الجيش الإسرائيلي للحرب. وفي اللقاء فوجئ المشتركون- وبينهم رئيس هيئة الأركان، دان حالوتس ونائبه، موشيه كابلينسكي، وكبار الجنرالات- من اكتشاف أنه في شهر آذار/ مارس المنصرم قدّم مراقب جهاز الأمن تقريرًا أقرّ فيه بصورة حادّة أن الجيش الإسرائيلي غير جاهز للانتقال المفاجئ من حالة تهدئة إلى حالة طوارئ وقتال، حسبما كانت الحال عليه أيضًا في السنة التي سبقت الحالية. كما جاء في التقرير أن "الخطط العملانية للجيش الإسرائيلي غير محدثة". وطالب التقرير آنذاك بتقليص الفجوات على وجه السرعة. وقد دعي إلى اللقاء في هيئة الأركان العامة مراقب جهاز الأمن، العميد احتياط يوسف باينهورن. كما اتضح أيضًا أن طواقم مراقب جهاز الأمن واصلت العمل في الحقل حتى في أثناء الحرب الأخيرة أيضًا.

وبالنسبة لخطط الجيش الإسرائيلي قيل في التقرير المذكور، وفقًا لما يورده شيف، إنها غير محدثة "في كل المستويات وفي جميع ساحات الحرب". وقد تبع ذلك مطلب، في لهجة إنذار، من أن الوضع المذكور "يستوجب تحديد برنامج وإتباع جدول زمني واضح لسدّ الفجوات".

وخلص شيف إلى ما يلي: "تقرير المراقب هو تقرير مثير من ناحية خلاصاته ومن ناحية الشكل الذي تنبأ فيه بما سيحصل. ونوصي لجنتي الفحص، اللتين ستعالجان ما الذي حصل في الجيش الإسرائيلي وفي الميدان الأمني، بقراءته جيدًا".

وبطبيعة الأمر قد تختلف الآراء لهنا وهناك حول هذه المسألة.

ففي أحد المقالات الأكثر جدة، التي اشتمل عليها العدد الأخير (تشرين الأول/ أكتوبر 2006) من نشرة "المستجدّ الإستراتيجي" الصادر حديثًا عن "مركز يافه للدراسات الإستراتيجية" في جامعة تل أبيب (وهذه مناسبة للتنويه بأن هذا المركز الذي تأسس في أواخر 1977 بدأ العمل أخيرًا تحت اسم جديد هو "معهد دراسات الأمن القومي" في الجامعة نفسها)، وهو بعنوان "إخفاقات الاستخبارات التكتيكية في حرب لبنان"، يوضح الباحث يوعاز هندل أن تلك الحرب أبانت عن إخفاق الاستخبارات الإسرائيلية في ثلاثة مجالات رئيسة هي: مجال جمع المعلومات ومجال الأبحاث ومجال نقل المعلومات إلى "المستهلكين". ويخلص إلى الاستنتاج بأنه "من جهة أفلحت إسرائيل بصورة مسبقة في فهم الصورة الإستراتيجية الواسعة والتي تمّ نقلها إلى أصحاب اتخاذ القرار. ومن جهة أخرى تكشفت فجوات بين ما كان معروفًا وبين ما ظهر في الواقع، وتتحمل الاستخبارات التكتيكية على عاتقها وزر المسؤولية عن ذلك".

بيد أنه سواء كانت الاستخبارات الإسرائيلية "على علم تامّ" أو يكاد بقدرات المقاومة اللبنانية أم أنها أخفقت في استقراء هذه القدرات وإمكاناتها في حرب (شبه حتمية، من ناحية إسرائيل) تندلع بين الطرفين، وهو موضوع قابل للنقاش، فإنّ الأمر يتطلب كذلك تناولاً من وجهة نظر تتعلق بالعامل الذاتي، موضوع هذا التعليق.

ففي التحصيل الأخير أثبت العامل الذاتي العربي هذه المرّة قدرته ليس فقط على الصمود والمقاومة، وإنما أيضًا على تحقيق انتصار غنيّ بالدلالات.

وإذا ما شئنا أن نتواضع في تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية بشأن ثنائية الانتصار والهزيمة يمكننا القول إن العامل الذاتي العربي أثبت هذه المرّة، في أقل تعديل، قدرته على أن يجعل آلة الحرب الإسرائيلية العاتية التي لا يجوز الاستهانة بها، أولاً ودائمًا، عاجزة عن تحقيق النصر الذي "تعوّدت" على بلوغه في تاريخ "حروب إسرائيل"، وهو عجز يحيل بل لا يمكن أن يحيل، في التفكير السياسي اللائق، إلا إلى هزيمة، إذا ما أخذنا في الاعتبار التقدير الإسرائيلي بشأن الـ"علم" المسبق بقدرات المقاومة.

وبالتالي فمن حقّ بل من واجب كل من أنقذته هذه النتيجة من صيرورة استمراء انهزام الذات العربية أن يواجه الآن وعلى الدوام حملات التشكيك، خصوصًا التي يؤجج أوارها "كتّاب" و"مفكرون" و"محللون" عرب، في جوهر ذلك الاستحصال غير المسبوق في التاريخ الحديث للنزاع مع إسرائيل. فهذه الحملات، مهما تكن مسوغاتها وإسناداتها، لا تفارق الواقع فحسب وإنما تأتي لتخدم غاية واحدة مزدوجة: من جهة إحباط المعنويات الذاتية العربية التي ارتفعت عاليًا بتأثير ما أسفرت عنه الحرب، ومن شأنها أن تؤسّس لمرحلة تجاوز هزيمة الروح، ومن أخرى عدم البناء أو التعويل على نتيجة هذه الحرب لتحقيق انتصارات مقبلة أو لإلحاق هزائم أخرى بالمشروع العدواني الإسرائيلي، على جبهتيه المتصلتين السياسية والعسكرية، أثبتت الحرب أن ثمة طرفًا عربيًا يقدر عليها بكفاءة لافتة، رغم كل المعيقات الموضوعية والذاتية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018