حالة ضعف../ د.محمد السعيد إدريس

الاعتداءات والجرائم “الإسرائيلية” الوحشية والمتصاعدة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تكشف عن عمق “حالة الضعف” التي تواجه هذا الكيان الصهيوني بفضل تطورات داخلية “إسرائيلية” وتطورات في العلاقات مع الشعب الفلسطيني وحكومته، وتطورات أخرى إقليمية تكشف عن تعقّد فرص تفوق، بل فرص استمرار الأوضاع على ما هي عليه لمصلحة “إسرائيل”.

فعلى المستوى الداخلي يواجه الكيان الصهيوني اهتزازات قوية في الثقة، كما يواجه إخفاقات في إدارة العملية السياسية، لكن الأهم هو حالة ضعف التماسك الوطني الداخلي وتحول البلاد الى شركة يسعى كل طرف أن يحصل منها على كل ما يستطيع قبل إشهار إفلاسها. لقد كشفت تداعيات الحرب “الإسرائيلية” الأخيرة الفاشلة على لبنان هذه الحقائق، وعبر عنها أكثر من مسؤول، لكن أوضح هذه التعبيرات جاءت على لسان عالمين “إسرائيليين” حائزين على جائزة نوبل في الكيمياء هما البروفيسور أهارون تشاحنوفر والبروفيسور يسرائيل أومان اللذين رسما صورة سوداوية لمستقبل “إسرائيل”، مشيرين الى غياب القيادة الكفوءة التي تعرف كيف تصرّف شؤون الدولة، حيث نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عنهما قولهما: إن “إسرائيل” تسير في الاتجاه غير الصحيح وإنها تنحدر باتجاه الهلاك المحتم.

أما في العلاقة مع الشعب الفلسطيني وحكومته، فقد خسر “الإسرائيليون” حتى الآن الرهان على السقوط المبكر لحكومة حركة “حماس” كما خسروا الرهان على استسلامها للضغوط “الإسرائيلية” والعربية والأمريكية والأوروبية للقبول بشروطها الثلاثة التي تبنتها اللجنة الرباعية الدولية كي تتعامل “إسرائيل” معها وهي: الاعتراف ب”إسرائيل” والقبول بكل الاتفاقيات التي سبق أن وقعتها حكومات فلسطينية سابقة، وأخيراً نبذ العنف أي التخلي نهائياً عن خيار المقاومة.

أما على المستوى الإقليمي، فالمعادلة باتت معقدة، حيث بدت مؤشرات انهيار المشروع الأمريكي في العراق الذي كشف أكثر من مسؤول سياسي وعسكري أمريكي أن أمن “إسرائيل” كان في أهم جوانبه ودوافعه. والضغوط الداخلية اللبنانية والضغوط العربية والدولية لم تفرض على المقاومة في لبنان تسليم سلاحها، وبدلاً من قلب المعادلة على “حزب الله” وتحميله مسؤولية الدمار والخراب الذي لحق بلبنان وبنيته التحتية بسبب الحرب الأخيرة مع “إسرائيل” استطاع “حزب الله” أن يمتلك زمام المبادرة بفضل الدعم الشعبي اللبناني ويقلب المعادلة على أعدائه ويطالب بتغيير الحكومة التي سبق أن تنصلت من مسؤولياتها أثناء الحرب وتبرأت منها واندفعت مسرعة الى المطالبة بنزع سلاح المقاومة قبل أن تجف دماء المقاومين والشهداء.

هذه التطورات مجتمعة بدأت تخلق قناعة دولية بأن الأوضاع في المنطقة ليست على ما يرام، وأن مشروع التسوية الراهن الذي يعتمد على إطار “اللجنة الرباعية” ومشروع “خريطة الطريق” يواجه طريقاً مسدوداً، وهذا ما دفع إسبانيا للدعوة الى عقد مؤتمر “مدريد 2” على غرار مؤتمر مدريد لعام 1991 الذي أعقب حرب تحرير الكويت وأدى الى انطلاق ما عرف ب”عملية سلام مدريد” التي أسفرت عن اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة مع السلطة الفلسطينية والأردن، وهناك أيضاً الأنباء الواردة من البيت الأبيض التي تتحدث عن اعتزام الرئيس الأمريكي جورج بوش طرح مبادرة ل”تغيير الوضع في الشرق الأوسط”، والتوقعات بحدوث تغيير في السياسات الأمريكية بعد انتخابات الكونجرس.

هذه التطورات هي التي دفعت أيضاً نائب رئيس الوزراء “الإسرائيلي” شمعون بيريز الى مطالبة رئيس الحكومة إيهود أولمرت باتخاذ “مبادرات” دبلوماسية جديدة وأن يتوجه الى واشنطن “بأفكار جديدة”، وعبر عن ذلك بقوله “علينا ألا نسمح بحدوث فراغ.. وأن نتخذ مبادرات”، وكعادتها فإن “إسرائيل” في لحظات الضيق لا تجد مبادرات تعبر بها عن نفسها غير ممارسة العدوان في محاولة للتخفيف من الضغوط والظهور بمظهر القوة للحد من التنازلات التي يمكن أن تضطر إلى تقديمها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018