المحافظون الجدد... باعوه / ديفيد روز*

مع انزلاق العراق المستمر نحو الفوضى، تغيّرت المواقف، وانقلب المؤيدون، الذين شجعوا على الحرب، إلى الموقف النقيض، مع تركيز الحملة على الرئيس جورج بوش وإدارته، من منطلق أن البيت الأبيض، قد عمد الى التقليل من أهمية الخطط الكبرى، التي وضعوها. في سلسلة من المقابلات، يكشف ريتشارد بيرل، كينيث أدلمان، ديفيد فروم وغيرهم عن مواقف تبدو جديدة في نقديتها العالية للرئيس بوش.

أذكر جلوسي مع ريتشارد بيرل في جناحه الخاص في فندق (غوفرنر هاوس) بلندن لأسمع منه محاضرة خاصة عن أهمية ضمان الانتصار في العراق. قال بيرل: «العراق مرشح مهم للإصلاح الديموقراطي. لن يتحول إلى «وستمنستر». لكن، أكبر ديموقراطيات العالم لم تبلغ الديموقراطية الكاملة بين ليلة وضحاها. يملك العراقيون فرصة مهمة في تحقيق الديموقراطية». بدا بيرل في كلامه وكأنه يتنفس رائحة التحرير والبارود. كان اللقاء في شباط 2003، أي قبل أقل من شهر على العملية التي هدفت الى تحرير العراق، والتي تعتبر بالنسبة الى بيرل، قمة حملته الطويلة من أجل تغيير الحكم في العراق.

بعد مضي 3 سنوات، التقيت بيرل مجدداً في منزله في إحدى ضواحي واشنطن. كنا في تشرين الأول، وهو الشهر الذي بلغ فيه عدد القتلى الأميركيين في العراق أقصاه منذ حوالى السنتين. فيما يواجه الجمهوريون احتمال الخسارة في الانتخابات النصفية المقبلة، ينظر بيرل في عينيّ متحدثاً ببطء وبتروٍّ واضح، لم يعد هو نفسه الصقر الواثق الذي سبق له ان دعا العراقي المعارض أحمد الجلبي بصفته رئيس اللجنة الاستشارية لمجلس السياسة الدفاعية في البنتاغون، إلى أول اجتماع للجنة بعد هجمات 11 سبتمبر. يقول بيرل اليوم «رأينا عنفاً مرعباً وعليّ القول إني قلّلت من أهمية الفساد»، مضيفاً أن الهزيمة الكاملة، أي الانسحاب الأميركي الذي سيترك العراق عرضة للفوضى، ليس محتماً بعد، لكن احتمالاته في ازدياد «وستكون النتيجة أكبر مستوى من الاضطرابات والفوضى في العالم».

بحسب بيرل الذي ترك مجلس السياسة الدفاعية عام 2004، فإن لهذه الكارثة المتفاقمة سبباً أساسياً وهو الاختلال الوظيفي المدمر داخل إدارة الرئيس جورج بوش. يقول بيرل «لم تتخذ القرارات بالطريقة الملائمة وخلال مدة محددة، غرقنا في مناقشة الخلافات إلى ما لا نهاية. علينا تحميل الرئيس المسؤولية. لا أعتقد أنه كان يعي حجم المعارضة التي يواجهها داخل إدارته، عدا عدم الوفاء».

ويتابع بيرل قوله ليؤكد أنه لو حصل على فرصة للعودة بالزمن لما كان نصح باجتياح العراق «أعتقد أني لو تنبّأت بما سيحصل وعرفت إلى أين كنّا سنصل اليوم وسئلت إن كان علينا اجتياح العراق لكنت ربما أجبت بالنفي، قائلاً لا، أعتقد أن علينا دراسة استراتيجيات أخرى للتعامل مع أكثر ما يهمنا وهو تمويل صدّام إرهابيين بأسلحة دمار شامل. لا أقول هذا لأني لم أعد أؤمن بأن صدام كان يملك إمكانية تطوير أسلحة دمار شامل أو أنه لم يكن على علاقة بإرهابيين. أعتقد أن هاتين النظريتين صحيحتان. أكان في إمكاننا مواجهة ذلك التهديد بوسائل غير التدخل العسكري المباشر؟ ربّما كان في إمكاننا فعل ذلك».

بعد الحديث مع بيرل، أتساءل: ماذا يظن بقية المحافظين الجدد الذين دعموا الحرب؟ إن كان «أمير الظلام» قد أصيب بالشك، بماذا يشعر رفاقه؟ أنا مهتم بمعرفة هذا لأني أجريت مقابلات مع عدد من المحافظين الجدد قبل الاجتياح ومثل الكثيرين، أعجبت برؤيتهم لنشر الديموقراطية في الشرق الأوسط.
توقعت مواجهة خيبة أمل، لكني وجدت عوضاً من ذلك اليأس والغضب من عدم أهلية إدارة بوش التي اعتبرها المحافظون الجدد في السابق أملهم الأكبر.

بالنسبة إلى ديفيد فروم، كاتب الخطابات السابق في البيت الأبيض والذي شارك في كتابة خطاب الأمة عام 2002 حين اتهم بوش العراق بكونه جزءاً من «محور الشر»، يبدو أن الهزيمة قد تكون حتمية لأن «الثوار برهنوا على أن في إمكانهم قتل جميع المتعاونين مع الولايات المتحدة، وفشلنا في حمايتهم»، ويضيف أن اللوم في هذا الوضع يقع على «فشل الإدارة بدءاً بالرئيس بوش».

كتب «كينيث أدلمان» وهو ناشط من المحافظين الجدد وموظف في البنتاغون عمل مع مجلس السياسة الدفاعية حتى عام 2005، افتتاحية شهيرة في صحيفة «واشنطن بوست» في شباط 2002، قال فيها «أؤمن بأن تدمير قوة صدّام حسين العسكرية وتحرير العراق سيكون في غاية السهولة». أما اليوم فيقول «افترضت أن ما اعتبرته فريق الأمن القومي، الذي اعتبرته الأكفأ منذ عهد ترومان، سيكون كفوءاً حقاً.

فتبين أنه أكثر الفرق سوءاًَ في فترة ما بعد الحرب. لم يكن لكل منهم شوائب كبرى فحسب، لكنهم كانوا، مجتمعين، ذوي تأثير قاتل وعانوا الاختلال الوظيفي».

يعتقد أدلمان أن الآتي أعظم وأن مبدأ المحافظين الجدد الذي يعرّفه بـ«فكرة استخدام قوتنا لخير العالم» قد انتهى لجيل على الأقل. يضيف «بعد العراق، لن يعود لهذه الفكرة من أهمية». لو كان في استطاعته أيضاً استعادة التاريخ، يقول أدلمان «أكتب مقالاً أتساءل فيه عن إمكانية التوصل إلى أداء يكون ملائماً لتطبيق سياستنا. يمكن أن تكون السياسة التي نعتمدها صحيحة ونبيلة ومفيدة تماماً، لكن إن لم نتمكن من تطبيقها فستكون بلا فائدة بكل بساطة. أعتقد أني كنت قلت ما يلي: تعتبر حجج بوش صحيحة كلياً لكن علينا التغاضي عنها بكل بساطة وهذا مختلف تماماً عن الموافقة عليها».

أمضيت حوالى أسبوعين في الحديث مع أهم الشخصيات من المحافظين الجدد واكتشفت أن جميعهم متشائمون ولا يشعرون بالندم بالنسبة إلى ما حصل بل الدور الذي أدّوه. ويتعدى خوفهم القضايا التكتيكية المتعلقة بما إذا كانت الولايات المتحدة محقة أم مخطئة، ليتركّز على السؤال الأساسي عما إذا كان تصدير الديموقراطية عملاً تعرف الولايات المتحدة كيفية القيام به.

سأعرض ما توصلت إليه بالكامل في عدد كانون الثاني من مجلة فانيتي فير. في هذه الأثناء، سأعرض عليكم مقتطفات مما سمعته من مشجعي الحرب النادمين.

ريتشارد بيرل: «في الإدارة التي خدمتها (كان بيرل مساعد وزير الدفاع في عهد رونالد ريغان)، كان لدينا وصف من جملة واحدة لعملية اتخاذ القرارات عند عدم التوصل إلى اتفاق «الرئيس يأخذ القرار». لم يأخذ بوش القرارات، وكان ذلك جزئياً لأن آلية الحكومة التي يديرها بالاسم، كانت هي التي تديره. لم يكن مجلس الأمن القومي يخدم (بوش) بفعالية. كان يعتبر (مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس) عضواً من عائلته».

مايكل ليدين، مدرس في معهد إنتربرايز الأميركي «اسأل نفسك عن أكثر الشخصيات نفوذاً في البيت الأبيض. إنهم نساء مغرمات بالرئيس: لورا (بوش)، كوندي، هارييت ميرس وكارين هويز».

فرانك غافني، مساعد وزير الدفاع في عهد رونالد ريغان ومؤسس مركز السياسة الدفاعية «(بوش) لا يبدو رجل مبادئ يتبع التزام ما يعتقد أنه الطريق الصحيح. إنه يتحدث عن الأمر، لكن السياسة لا تتلاءم مع البلاغة وهذا ما يخلق التفكك الذي ينتج المشاكل. ويخلق شعوراً بأنه يمكنك معارضته من دون عقاب».

كينيث أدلمان: «كانت أفظع لحظة في تاريخ الإدارة يوم سلم الرئيس بوش ميدالية الحرية إلى (المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية) جورج تينيت، الجنرال تومي فرانك، و(رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة) جيري (بول) بريمر، وهم ثلاث من أقل الشخصيات كفاءة احتلوا مثل هذه المناصب الحساسة. وينالون أهم جائزة مدنية يمكن أن يقدمها الرئيس. كان هذا يوم تركت الإدارة. فكرت حينها «ليس من جدية هنا، هؤلاء الأشخاص ليسوا جديين. لو كان الرئيس جدياً، كان علم أن كلاً من هؤلاء الثلاثة مسؤول عن كارثة العراق».

ديفد فروم «لطالما آمنت لكوني واضع خطابات بأنه لو في إمكان المرء إقناع الرئيس بالتزام بعض الكلمات، فسيكون ملتزماً بنفسه بعض الأفكار التي تكوّنها هذه الكلمات. وكانت أكبر صدمة بالنسبة إليّ أن الرئيس لم «يمتص» الأفكار على رغم قوله الكلمات. وقد يكون هذا السبب في كل ما حصل».

مايكل روبين، موظف سابق في مكتب البنتاغون للخطط الخاصة وسلطة الائتلاف المؤقتة «ألوم جورج بوش في شكل خاص لأن الناس وثقوا وآمنوا به من خلال بلاغته. خرج الإصلاحيون عن صمتهم وكشفوا أنفسهم». بفشله في تطبيق خطاباته، خان بوش الإصلاحيين العراقيين بطريقة «لا تختلف كثيراً عما فعله والده في 15 شباط 1991، حين دعا الشعب العراقي إلى الثورة، ثم فكر بالموضوع ولم يقم بأي عمل حين ثار».

ريتشارد بيرل: «اقترفت أخطاء جسيمة، وأريد أن أكون في غاية الوضوح: لم يقترف المحافظون الجدد هذه الأخطاء، فهم لم يكن لهم كلمة تذكر في ما حصل، ولم يتدخلوا إطلاقاً في ما حصل بعد سقوط الحكم في بغداد. تعبت من وصفي مهندس الحرب. أيدت خلع صدام. لم يقل أحد «صمم الحملة لفعل ذلك». لا أتحمل مسؤولية ذلك».

كينيث أدلمان «المشكلة هنا ليست في بيع السلعة بل في الأداء. قال رامسفيلد إنه لا يمكن خسارة الحرب في العراق، بل قد تخسر في واشنطن. لا أعتقد أن هذا صحيح. إننا نخسر في العراق. عملت مع رامسفيلد ثلاث مرات. زرت منازله في شيكاغو و«سانتا في» و«سانتو دومينغو» و«لاس فيغاس». أنا معجب به كثيراً لكن صعقت بأدائه. هل تغيّر أم أخطأنا في الماضي؟ أم لم يواجه تحدياً حقيقياً في السابق؟ لا أعلم. لقد خدعني بحق».

إيليوت كوهين، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية في كلية جون هوبكينز للدراسات الدولية المتقدمة وعضو في مجلس السياسة الدفاعية «لن أتعجب إن انتهى بنا المطاف إلى اتباع روزنامة للانسحاب وترك البلاد في فوضى مروعة. أعتقد أن الأمر سيشجع فئات إسلامية عديدة من الشيعة والسنة، مع إمكانية زعزعة بعض أنظمة الحكم الأكثر تقليدية والتي تعاني أصلاً من مشاكل مختلفة. الأهم أن الولايات المتحدة تبقى قوية وحيوية. وفي حال مواجهة خطر حقيقي، يمكننا الاتحاد. لسوء الحظ، قد يعني هذا ضربة قاسية جديدة ونوعية حكم مختلفة تماماً. ربما نحصل على هذا..


* صحافي في مجلة «فانيتي فير»
"شام برس"