بيت حانون- غاب نهار آخر/ ساندي سليمان *

بين تصويت مجلس الأمن وثقة الرئيس أبو مازن من احتمالية إعلان حكومة ذات وحدة وطنية، غاب نهار آخر.

في الأمس القريب كانت بيت حانون عنوان الأخبار. يومان وصحافتنا المحلية متشحة بالسواد، نقرأ فلسطين خبرا أول على نشرات الأخبار، نجلس... ننظر أرقاما نضيفها إلى قائمة الشهداء. واليوم نهار جديد بأرقام جديدة والخبر هو الخبر، مجلس الأمن يفشل في اتخاذ قرار يدين به إسرائيل بحقّ أهالي بيت حانون، وكأن القرار هو "الخلاص" وكأن بيت حانون هي نهاية المطاف. بين مؤيّد وممتنع ومعارض، المجلس لم يتخذ القرار، على رأس المجلس الولايات المتحدة الأمريكية، أيدين المجرم ذاته بذاته؟؟ فالمملكة إذا انقسمت على نفسها، هلكت. أمريكا وإسرائيل وجهان لعملة واحدة- "الظلم"، عملة تحتاج إلى صحوة . وبيت حانون، التي ما زالت رائحة بقايا أشلاء أطفالها ونسائها في كل زاوية وسط الركام والدمار للمنازل وزهق الأرواح، ناظرة هازئة ساخرة، صوتها يأتي من البعيد ليقول "اصحوا" فأنا لست الأولى ولا الأخيرة.. أنا رقم جديد يضاف لا أكثر ولا أقل. فهل سمعتم بإدانة من قبل... قبلي العديد العديد، اسألوا كتب التاريخ عن صبرا وشاتيلا، دير ياسين، كفر قاسم، قانا الأولى وتوأمتها الثانية... قرى بأكملها سقطت ولم تصدر أية إدانة، مشاعر حزن هناك، وإدانة خجولة بصوت الحكام، أخجل وأخواتي عند سماعها .

واليوم نقف على مشارف قيام حكومة ذات وحدة وطنية، هذا ما وعد به الرئيس محمود عباس، وما قبلت به حكومة حماس تضحية منها مقابل تضحيات الشعب... الخلاص داخليا في يد الرئيس والحكومة. حسن جدا، جاءنا الفرج. الرئاسة والحكومة حقيقتان قائمتان بذاتهما بعيدا عن الشعب، ولكن الخوف هو أن تكون النهاية سراب بركة ماء في وسط صحراء. بطريقين مختلفين ولا نقطة التقاء. حزينة مدينتي، تعيش أطول احتضار، طرقاتها معتمة باردة، وبين العتمة والبرد يرتد صدى عويل الذئاب باحثا عن رائحة الدماء. تنزف بصمت برغم غزارة الدماء، تحول لبنها وعسلها ألما ودماء. تبعثر المكان، بين الصوت والهدوء. صوت دوي تبعثر. تتبعثر القيادة، تذوب كتماثيل شمع، تبعثر القانون بين سلطة تذوب وسلطة تفرض نفسها باسم الشعب، مسكين هو، تغلف بغلاف من شمع. بين شمع وقانون. بين هدوء ودوي انفجارات تبعثر يترك الشعب باحثا عن مكان ليحط السرب. ليلفظ أنفاسا. ليكمل بعدها المسير. يتساءل بصوت يكاد يختنق من دخان الشمع.. هل بقي مكان ليس فيه تبعثر.. تبعثرنا جميعاً بالمكان والزمان والهوية... طوبى لك يا مدينتي! يا مدينة الأحلام والأحزان، وهنيئا لكم مجلسكم وقراراتكم، وهنيئا لنا دماؤنا التي بها نصنع أقدرانا، وإليك يا رئيس دولتنا ورئيس وزرائنا أطيب المنى بالتوفيق واذكروها دائما: البحر واسع ومركبنا صغير، اطلبوا عون المولى، لأن الشعب جائع ولا يقوى على التجديف.
_________________________

* ساندي سليمان- كاتبة من فلسطين.