تعبئة أكثرية باسم الحريري الشهيد وقرار الاستقالة تحوّل صدمة../ إبراهيم الأمين

التسوية. أي تسوية ينتظرها اللبنانيون بعد ما جرى وما هو متوقع خلال الايام القليلة أو الكثيرة المقبلة. وإذا كان فريق الأقلية قد أقرّ بعجزه عن تغيير سياسات الحكومة فقرر الخروج من السلطة فإن على فريق الاكثرية من الآن فصاعداً إثبات قدرته على إدارة البلاد وحيداً داخل مؤسسات الدولة التي يحتلها لا في الشارع الذي قرر العودة إليه على طريقة ان كل شيء في البلاد لي، الساحات والمباني المحيطة بها ومن يعارضني فليلزم الصمت ومنزله أيضاً.

الحدة في التجاذب السياسي الذي يأخذ أبعاده الطائفية والمذهبية لن تضع امامنا تسوية قريبة. لكن ذلك لن يعفي اللبنانيين من العيش ولو لبعض الوقت مع البطولات التي يعرضها “القائد” سمير جعجع ويعرض عنها حليفه وليد جنبلاط ويلتف من حولها الحليف الاكبر سعد الحريري، وهي ستقود البلاد صوب مواجهة هي الاقسى.

وبرغم ان قوى المعارضة صاحبة المصلحة في التغيير ليست صاحبة مصلحة في المواجهات، فإن قوى الأكثرية لم تجد بداً من محاولة تعديل جدول الاعمال العام في البلاد. وليس باليد من حيلة سوى موضوع المحكمة الدولية، وعودة الى الضريح، ولكن هذه المرة من باب أن من يعارض قيام المحكمة بات حامياً أو شريكاً للقتلة.

ومع ان قوى الاكثرية تقول إنها تمثل خط التوحد الوطني المتجاوز للأبعاد الطائفية والمناطقية، الا انها تنفي عن الآخرين أي بعد وطني لتحالفهم. وتعود الى دائرة الوهم نفسه: خطنا يمثل الوحدة الوطنية، أما خطهم فيمثل خطة تتجه صوب مصالح الحلف الايراني ـــــ السوري. وليس صدفة ولا من دون ثمن ان يبادر الحريري، للمرة الاولى في خطاب رسمي، الى اتهام معارضي المحكمة جميعاً بأنهم أتباع لحلف دمشق ـــــ طهران.. لكن ماذا بعد؟

عندما تقرر ذهاب الجميع الى طاولة التشاور، كان فريق الاكثرية يبني استراتيجيته على الأساس الآتي: نبيه بري حليف مضمر لنا وهو لن يذهب في اتجاه تبنّي تصورات حزب الله والتيار الوطني الحر. ثم إن حزب الله يخشى انهيار الوضع عامة ولن يذهب الى حدود تعطيل البلاد. والعماد ميشال عون يريد موقع الرئاسة ولا يمكنه السير في هذه الخطة التي لا يمكن إقناع الشارع المسيحي بجدواها. ثم بدأ مسلسل التسويف ولعبة الاحتواء. تقرر اولاً تكليف جعجع ناطقاً باسم فريق الاكثرية، يهدّد ويطرح الفيتو ويقول الكلام الكبير على طريقة صبيان المعلم.

لكن ذلك لم ينفع، وبدا أن صوته ليس مسموعاً مسيحياً، ومستفز لدى الآخرين. ثم تقرر إبعاد عون او جمهوره من خلال القول إن هناك موافقة على إدخاله الى الحكومة وما دخله في بقية الامور. ولم ينفع ذلك ايضاً، برغم ما تخلل ذلك من محاولة استغلال اللقاء بينه وبين السفير السعودي وتحويل زيارة عبد العزيز الخوجة له الى مشروع رشوة، ثم في محاولة تطويقه من خلال موقف تريد الاكثرية من البطريرك الماروني نصر الله صفير إعلانه لشجب أي تحرك في الشارع يمس “الشرعية”. وبقيت أمامهم مهمة احتواء الفريق الشيعي “المتطرف” أي حزب الله، والحوار مباشر معه تحت بند “تأجيل النقاش في مصير سلاح المقاومة”، وذلك يمثل رشوة كبيرة.

ولم يمض الوقت حتى اكتشف فريق الاكثرية أنه يحاول ان يبيع الآخرين من كيسهم. فسلاح المقاومة ليس على جدول الاعمال لأن الحرب الإسرائيلية كانت تستهدف بته وفشلت وبالتالي لم يعد هناك قدرة لا لأصيل ولا لوكيل لبحثه وفق آلية إنهاء دوره. أما محاولة إرضاء العماد عون فجاءت متأخرة في الوقت ولكنها بالعرض نفسه الذي تقدم عند تأليف الحكومة الحالية. وكان هذا الفريق لا يفهم في السياسة حتى حسب أن ما يعرضه الآن على عون كاف لإقناعه بالسير معهم. وهم يعرفون ان هذا العرض لا يمكن تجاوزه اصلاً عند أي بحث جدي في مصير الحكومة. ثم حاولوا رشوة آخرين مثل سليمان فرنجية بالإشارة الى قانون الانتخاب، قبل أن يستفيقوا على ضربة كبيرة على الرأس نفذها الرئيس بري شخصياً بإعلانه الاستقالة من الحكومة. وهو يضحك على “أولاد وأولاد وأولاد في السياسة”.

لكن الصفقة كانت في مكان آخر. وتولى جنلاط المهمة. وهو الذي يعرف خصومه جيداً ويعرف على وجه الدقة أن لا مجال للمناورة مع بري، قصده عارضاً الأمور كما هي: أعطونا المحكمة الدولية حتى نحمي أنفسنا وخذوا حكومة الوحدة الوطنية. ولم “يبخل” زعيم الغالبية الدرزية بقول ما يريد قوله عن واقع الحال في المنطقة والعالم. لكن التسوية لم تمر. يومها قال له بري “ان الموضوع لا يتصل بالمحكمة وأنت تعرف أنه ليس بمقدور احد ان يقف بوجه المحكمة ولكن هناك امور يجب ان تدرس في ما خص المحكمة نفسها”.

وفي الجلسة التشاورية الثانية كان بري مجتمعاً وحده مع النائب محمد رعد. دخل عليهما سعد الحريري فاعتذر منه بري لأن الاجتماع خاص. فرد سعد: لكنني أريد أن أبحث معكم الأمر الآن وليس في وقت لاحق. لم تكن هناك خشية من ان يخرج سعد ويقول إنني توافقت مع الحزب والحركة ويرمي بالخبرية في حضن عون، ولكن لم يكن هناك ما يقال خارج البحث الاصلي. لكن سعد عاد الى الصفقة نفسها وبصراحة مطلقة: أعطونا المحكمة الدولية سريعاً وخذوا بعدها أي حكومة تريدون. وخذوا الثلثين لا فقط الثلث المعطل. وان سلاح المقاومة ليس مطروحاً على جدول اعمال احد، وان امر المشاركة مبتوت ونسعى الى تفعيله وان ملف رئاسة الجمهورية يمكن ان نؤجله إلى وقت آخر. ونحن نتكفل بموقف الحلفاء من المسيحيين.

ومع ان العرض رفض مجدداً، فإن جماعة الحريري خرجوا ليتحدثوا عن مقايضة وأن الاقلية تريد ابتزاز الاكثرية في شأن موضوع المحكمة. علماً بأن فريق الاكثرية يعرف جيداً أنه ليس لديه الآن من ذخيرة قابلة للاستخدام سوى هذا الأمر، وان كلمة السر الوحيدة الآن هي: احتشدوا حول الضريح ولا شيء يقال في السياسة سوى ان المعارضة تريد قتل الحريري من جديد.

وعلى هذا الأساس بدأت التعبئة التي قادت فريق الاكثرية الى حكمة جديدة تقول: لنمسك الشارع قبلهم، وتحديداً ساحة الشهداء والوسط التجاري ومنع أحد من الاقتراب من هذه المنطقة. ومشكلة هذا الفريق أن لديه صورة نمطية عن التحرك الشعبي وان صورة الحشد لا تظهر إلا في ساحة الشهداء، حيث لا يزالون ان يعتقدون ان كل لبنان وكل همومه وكل اموره وكل مصالحه وكل مستقبله تسكن حصراً في سوليدير التي قد تتحول الى مشكلة كل لبنان.


"الأخبار" اللبنانية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018