ماء أم سراب ودماء في أفق 2007/ د.يوسف رزقة*

في الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة تحدثت مصادر صحفية وسياسية عن فشل النظام العربي في عرض مبادرة سياسية معدلة للمبادرة السعودية أمام مجلس الأمن، لتحريك الوضع السياسي على الساحة الفلسطينية والعربية باتجاه تنشيط العملية السياسية والتسوية، بسبب الفيتو الأميركي والرفض الإسرائيلي اللذين مُررا للأطراف العربية من تحت الطاولة في أثناء المشاورات.

ومن الجدير بالذكر أن لقاءات ماراثونية قام بها التيار المعتدل في الأنظمة العربية، بحسب التشخيص الأميركي المتقابل للنظام العربي، قبل بضعة أشهر من انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، بغرض البحث عن صيغة تـُخرج المنطقة من الصراع وتفوِّت الفرصة على صعود التيار الإسلامي عامة وحماس خاصة.

ويبدو أن الجانب الأميركي قد قدّم مع الفيتو وعداً للنظام العربي بتحريك مبادرة سياسية (معدلة) لاحقاً، ومن ثمّ اكتفى ممثلو القيادة العربية في مجلس الأمن بالخطب التي قيلت في الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن، وجميع هذه الكلمات- وعلى حد قول المراقبين- تسولت الموقف الأميركي بشكل أو بآخر.

نحن اليوم على مسافة مرور شهرين أو أكثر من تاريخ انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهل ما نسمعه ونقرأه يرقى إلى توقع مبادرة أميركية معدلة، أم أننا نعاين السراب ونحسبه ماءً؟! لاسيما بعد فشل الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي (النتائج 145 مقعداً للديمقراطيين، و105 للجمهوريين 9/11/2006).

في الصحافة العبرية ومواقف السياسيين رؤى متقابلة ومتضادة أحياناً، ففي هآرتس 31/10/2006 حديث يقول: إن إدارة بوش ستخرج حتى قبل نهاية العام بمبادرة سياسية بعيدة الأثر لتغيير الوضع الراهن في الشرق الأوسط. وتقول أيضاً: "في مكتب لفني وزيرة خارجية إسرائيل يبلورون بدائل لاستئناف المسيرة السياسية لعرضها على أولمرت قبل سفره إلى واشنطن، في منتصف الشهر الجاري 15/11/2006".

وفي "يديعوت أحرونوت" 1/11/2006م عنوان كبير يقول: "الولايات المتحدة تبلور مبادرة سلام جديدة في الشرق الأوسط" !!
وتقول أيضاً: "بوش يُعيّن وزير خارجية أبيه (جيمس بيكر) لرئاسة لجنة خاصة لبلورة توصيات بشأن سياسة أميركا في الشرق الأوسط".
وفي أسبانيا ثمة دعوة أسبانية لعقد مؤتمر دولي لمعالجة مشاكل الشرق الأوسط (مدريد 2)، وتل أبيب تعرب عن أسفها وسخطها من الموقف الأسباني الذي أطلق هذه الدعوة دون تنسيق مسبق معها!!

وفي السياق نفسه موضوعياً وزمنياً أولمرت يرفض تصريح وزير دفاعه عمير بيرتس الذي رأى فيه أن المبادرة السعودية يمكن أن تكون أساساً صالحاً للمفاوضات. وفي رفضه هذا يقول: "يجب قراءة المبادرة السعودية جيداً كي يفهم المرء أنها ليست أساساً لاستئناف المفاوضات، فالمبادرة تتحدث عن عودة إلى خطوط 1967م وإعادة اللاجئين إلى إسرائيل، وهذا شيء لا يمكن أن نقبله"!!

وحين سُئل ليبرمان عن سبب انضمامه إلى حكومة أولمرت الضعيفة قال: "العامان القادمان عامان حاسمان، لذا يجب أن أكون على طاولة صناعة القرار".
وفي الوقت الذي قاد فيه عمير بيرتس سياسة (التوجه الهجومي العنيف) للجيش في حملة غيوم الخريف على بيت حانون (سقط ما يزيد على 80 شهيداً و250 جريحاً من الرجال والنساء والأطفال في خلال 6 أيام) يقول: "إضعاف حماس لن يتحقق إلاّ بتحطيم الجمود السياسي" (يديعون 1/11/2006).

إن الحديث عن سنتين حاسمتين يتكرر في الخطاب السياسي الراهن الصادر عن أطراف متعددة، فهل يرتبط التحديد الزمني القريب بما تبقى من ولاية الرئيس بوش؟، أم ولاية كاديما؟، أم ولاية الرئيس محمود عباس؟، أم مرحلة حسم الوجود الأميركي في العراق؟، كل ذلك ممكن، لكن بعض الأوساط تقول إن بوش بات في حاجة إلى تسجيل اختراق ما (انتصار) في الساحة العربية بما يخدم مصالح إسرائيل ويرضى اللوبي الصهيوني في أميركا بعد إجماع الخبراء على فشل حربه على العراق وعلى أفغانستان وحربه المفتوحة عالمياً على الإرهاب.لذا فإنه ملزم بالعودة إلي سياسة ( بيكر ، وبوش الأب).

بوش الخارج من البيت الأبيض يريد أن يقدم شيئاً يخدم به الحزب الجمهوري واليمينيين الجدد ذوي النزعة الأصولية ليعزز إمكانية عودتهم إلى البيت الأبيض ومجلس الشيوخ والنواب من خلال التراجع عن سياسة (الانكفاء) والاشتغال المباشر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد أن نفض يدي حكومته منه على مدى السنوات الست المنصرمة.

ربما يحدث هذا التحول.. وربما يحدث اهتمام جديد بالبحث عن (مبادرة معدلة) في ضوء سياق سياسي سالب يحيط بالسياسة الخارجية الأميركية، ولكن مبادرة معدلة لا تعني حلاً على الطرف الإسرائيلي والعربي، لأن بوش المغادر لن يضحي بتأييد اللوبي الصهيوني ولن يضحي بأموال إيباك، ولن يغضب إسرائيل بشكل عام واليمين الإسرائيلي بشكل خاص، باعتبار أن المحافظين الجدد هم الحضن الدافئ لليمين الإسرائيلي، وهم المخططون لبعض سياساته في المنطقة وقد يعني تمديد الزمن والخروج من مواعيد ضربها سابقة برؤية الدولة لفلسطين في 2008.

نحن إذاً أمام مشهد سياسي، له وجهان متقابلان شكلاً، حيث يرى بعض الخبراء وجود دلائل تنفي وجود مبادرة معدلة، وتقول ليس لبوش مبعوثاً للسلام في المنطقة، بينما له مبعوث أمني هو الجنرال دايتون المنشغل حالياً بالبحث عن بدائل مستقبلية لفشل سياسة التسوية على الطريقة الأمريكية، إنه مشغول بتوصيات تعزز من قدرات حرس الرئيس محمود عباس لمواجهة حماس لاحقاً.

مصادر صحفية متعددة ومنها هآرتس تتحدث عن توصية بتحويل 26 مليون دولار لحرس الرئيس، ودعوته لزيادة عدد حرس الرئاسة من 3500 إلى 6000 والإعلان عن انتهاء دورة خاصة لـ 400 جندي، وهناك 2 مليون دولار لتأهيل مكان التدريب المناسب في أريحا.
رؤية دايتون الأمنية تنطلق من زاوية التقييم الخاطئ لأنها تقوم على الرفض المطلق لحماس، وعلى إحداث مواجهة ميدانية تمزق المجتمع الفلسطيني، وتتغافل هذه الرؤية عن حجم حماس الشعبي الذي يستغرق 50% أو أكثر من المجتمع الفلسطيني، وليس من السهل مواجهة نصف الشعب بنصفه الآخر مهما كانت الإغراءات المالية.

ومما يعزز الرؤية الخاطئة لتقييمات دايتون أنه في محيط أولمرت من يتحدث عن ضعف الرئاسة الفلسطينية غير القادرة على تحرير جلعاد شاليت فكيف لها أن تقود حملة تواجه فيها حماس.. إن أولمرت بطبعه المتشكك وغياب الكريزما اللازمة لاتخاذ القرار إضافة إلى توجهه نحو اليمين المتطرف (ليبرمان) لتغطية فشله في قيادة الحكومة وفي قيادة الرد على حزب الله مؤخراً، ورفضه للمبادرة الاسبانية، يميل إلى إبقاء الحال على ما هو عليه مع إطلاق يد الجيش والأمن في التعامل مع حماس.

في الجانب الإسرائيلي أيضاً حديث عن حرب وشيكة تقع بعد عام على الجبهة الشمالية مع سوريا ولبنان، والمصادر الإعلامية والإستخبارية تحرض على هذه الحرب من خلال اتهام الجانب السوري بأنه يعد العدة لها من خلال حرب مباشرة، أو حرب عصابات ومقاومة.
وما اعتقده في هذه المسألة أن اليمين الإسرائيلي يُعدّ العدة لحرب استباقية إجهاضية لقدرات سوريا وحزب الله وحماس بعد تجربة حربه الفاشلة في لبنان يستعيد من خلالها أيضاً "كبرياء" الجيش الإسرائيلي.

إن حملة غيوم الخريف، ثم مجزرة بيت حانون 8/11/2006 واستشهاد ما يزيد على 80 فلسطينياً وإصابة ما يزيد على 250 جريحاً من كافة الأعمار ومن النساء والأطفال، تعد خطوة في الحرب الاستباقية الإجهاضية مما يدفع البعض إلى الاستنتاج بأن صراعاً حاداً وساخناً يدور بين فكرة المبادرة المعدلة للتسوية وفكرة الحرب الاستباقية الإجهاضية، في أروقة صناع القرار الإقليمي والدولي، ومن ثم نحن أمام سنتين من المخاض، لكننا لسنا على يقين من سلامة المولود القادم، وهل هو مزيد من الدماء والمعاناة أم توجه نحو مبادرة سياسية؟.
ليبرمان السوداويّ المتشائم، وأولمرت الضعيف الفاشل الذي يعاني من أزمة داخلية يجعلنا نقول إن السياق العام الجامع للأحداث والأفكار السابقة لن يتمخض عن شيء ما من خارجه، فهل في هذا السياق ماء أم سراب أم دماء ؟!!
القرار ملك الوقائع على الأرض ... ولم يعد بالإمكان خداع الشعب الفلسطيني.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018