تقرير مشروع كافيتس... تغييب حق العودة / علي الهويدي**

بعد أربع سنوات من العمل في مشروع كافيتس، صدر التقرير الذي يضم 98 صفحة، ويعتبر محتواه "المادة الاساسية في المؤتمرات المناطقية التحضيرية المزمع عقدها وصولاً الى انعقاد المؤتمر العام لإطلاق التقرير بصيغته الكاملة وبطبعته الأساسية كما ستصدر عن جامعة أكسفورد في بريطانيا"، كما يقول الأستاذ هشام الدبسي منسق المشروع في لبنان في الصفحة الثالثة. وتضيف السيدة كرمة النابلسي منسقة المشروع في الصفحة الخامسة بأن التقرير يشكل مستنداً "للسياسيين والوكالات والمؤسسات الدولية والمجموعات والهيئات المحلية والوطنية والتنظيمات السياسية والجمعيات والفلسطينيين سواء داخل فلسطين أو خارجها، والأهم من ذلك الشباب من الفلسطينيين والذين نهدي إليهم هذا العمل، لعلهم يجدون في هذه الصفحات أكثر بكثير من مجرد طموحات شعب ففي نتائجه يكمن المخطط الفعلي للطريق المستقبلي".

على ضوء ما تقدم إذاً، نحن من المفترض أن نكون أمام تقريرٍ غايةٍ في الأهمية ونتطلع إلى أن يشكل منعطفاً لقضية اللاجئين وحقهم في العودة. وانطلاقاً من الحق في إبداء الرأي وتفعيل قنوات الاتصال والمشاركة والتعبير عن الرأي، آمل أن يتسع صدر منسقة وفريق عمل المشروع للملاحظات التي سنوردها حول التقرير الذي أقل ما يقال عنه بأنه يفتقر إلى الموضوعية والشفافية، وإن ما جاء فيه لا يعكس حقيقة واقع الفلسطينيين في دول اللجوء وفي الشتات ورؤيتهم وتطلعاتهم لحق العودة، لا بل إن التقرير قد حاد عن وجهته الأساسية باتجاه التسييس، وهذا يتنافى مع الهدف الأساسي للمشروع.

فإذا كان محور النقاش مع المستهدفين اللاجئين كما تذكر السيدة نابلسي يأخذ طابع الخوض في القضايا الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والقانونية والإنسانية بشكل عام.. والسياسية، إلا أن جل ما تم توثيقه من مقابلات لم يأخذ بمجمله إلا الشكل المدني ولا يأخذ بعين الاعتبار الشق السياسي من احتياجات اللاجئين وتعبيرهم، وأبرزها حقهم في العودة الذي تم إغفاله بشكل شبه كامل، مع العلم بأن ما تم تسليط الضوء عليه سياسياً في التقرير لا يخدم بأي حال من الأحوال قضية اللاجئين، خاصة عندما تم ذكر سوريا بالاسم والمحاولات العسكرية المختلفة لفرض السيطرة السياسية والعسكرية على اللاجئين في الثمانينيات في لبنان... وإن من عبر عن ذلك ليس فقط أبناء حركة فتح وانما عدة فئات سياسية أخرى (صفحة 20). وهنا لست بوارد الدفاع عن سوريا فسوريا تستطيع الدفاع عن نفسها، ولكن هذا يتنافى وحقيقة أهداف المشروع، وإن ما تم طرحه يقدم خدمة إضافية للمشروع الأميركي الأوروبي في المنطقة.

وفي شأن التسييس أيضاً، يقول التقرير ان قضية اللاجئين كانت تعتبر جوهر الصراع عند بدء محادثات م.ت.ف. (وما تزال بلا شك بالنسبة للفلسطينيين) إلا أنه أصبح من المتعارف عليه أنه على القيادة الفلسطينية تقبل "تسوية مؤلمة" بدون إثارة القضية بشكل رئيسي مع "إسرائيل" (صفحة 15) لسنا ندري عن أية "تسوية مؤلمة" حول اللاجئين تتحدث السيدة النابلسي سوى السعي في "إيجاد حل قابل للتطبيق ومقبول للاجئين" (صفحة 12)، فلسنا ندري ما هو الحل القابل للتطبيق والمقبول للاجئين الذي تتحدث عنه السيدة النابلسي سوى أنه يتعارض مع حق اللاجئين البين والواضح في العودة الى الديار والممتلكات ويأتي منسجماً مع الطروحات الأوروبية والأميركية الرسمية التي تتنكر لحق اللاجئين في العودة.

لقد تم توثيق 413 مقابلة مع الفلسطينيين أجريت خلال أربع سنوات وبلغات مختلفة، ونستغرب أن أحداً من الذين تمت مقابلتهم في مختلف الدول العربية والاسلامية والأجنبية لم يأت على ذكر بأن "إسرائيل" تتحمل مسؤولية معاناتنا نحن اللاجئين، إذ قامت بطردنا من ديارنا وممتلكاتنا أو أن يتحدث أحد الفلسطينيين بأن المسؤول عن تعطيل قنوات الاتصال بين اللاجئين في الداخل والخارج هو الإسرائيلي الذي كان سبباً في قيام النكبة. مع العلم بأن مركز العودة الفلسطيني في لندن وغيره من المؤسسات الفلسطينية العاملة على الساحة الغربية وفي مؤتمراتها يتخذ التعبير عن العودة فيه مظاهر مختلفة، من الكلام المباشر من أفواه أعمار مختلفة ومستويات ثقافية متعددة وبلغة عربية غير سليمة حتى... إلى وسائل التعبير الأخرى... إلى الشعر والفن والمعارض... وسنة بعد أخرى يزداد الشعب الفلسطيني في دول اللجوء والشتات تمسكاً وإصراراً على نيل حقه في العودة.

لا يستطيع أحد أن يصدّق أن 413 مقابلة وغيرها الكثير من المقابلات التي أجريت مع الفلسطينيين، وكما ذكر التقرير فإن هذه المقابلات منها ما دوّن بمحاضر مباشرة ومنها ما وثق ب"كاميرا فيديو" ومنها من وثق بشريط "كاسيت"، فمن غير الممكن أن يكون تم إغفال هذا الموضوع عن غير قصد أو عدم انتباه لكثرة اللقاءات والتسجيلات، اذ ليس له إلا تفسير واحد فقط وهو إيصال رسالة بأن اللاجئين الفلسطينيين لم يعد همهم الوحيد، وقبل الخبز والطحين، أن يعودوا إلى ديارهم، وأن جل همهم هو حياتهم المدنية فقط، وهذا يتعارض ويتنافى مع حقيقة الأمر.

باستثناء عنوان "تاريخ وخلفية مشروع التطور وتقرير حق العودة" بحثنا في صفحات التقرير لنجد عنوان <حق العودة> كما هو الحال بوجود عناوين كثيرة: الحقوق المدنية والاقتصادية، الصحة والتعليم، الفقر، النظام الانتخابي، أجهزة الاعلام، الشرعية السياسية، لجان القيادة الشعبية، منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد، دور القيادة السياسية، الشمولية، الخدمات، الممثل الوطني، الدول المضيفة، الظروف الراهنة، وضع اللاجئين، مسائل واحتياجات محددة، المبادرات والمشاريع التضامنية... وغيرها من العناوين، يحق لنا التساؤل عن عدم إفراد عنوان واحد عن ماذا يقول اللاجئون عن حقهم في العودة؟!

يقول التقرير ان المشكلة في عدم إجراء لقاءات في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 67 سببه ضيق الوقت والميزانية، وفي الوقت الذي شارف المشروع على نهايته كانت جمعيات غير حكومية وجمعيات محلية أخرى تسعى بلا شك لعقد لقاءات للم شمل الفلسطينيين المهجرين داخليا، أي داخل مناطق عام 1948 (صفحة 27). غريب أمر هذا الوقت وأمر الميزانية لصالح فلسطين مثلاً (67و48)؟

منذ بداية المشروع وهناك مخاوف كبيرة من الأهداف والغايات، وقد كتب عن هذه المخاوف في العديد من الصحف والمجلات، من سياسيين وإعلاميين أقل ما يقال عنهم انهم خبراء وللمزيد يرجى متابعة الرابط الالكتروني www.kanaanonline.org/civitas.php. وكمركز العودة كنا وما زلنا من المواكبين لعمل المشروع منذ بدايته، والتقرير الذي صدر اليوم يقول انه قد بدد المخاوف من طرح الموضوع إن في الأردن (في المراحل الاولى) أو لبنان (صفحة21). ولكن مع صدور التقرير اليوم نرى أن مستوى المخاوف قد ازداد ليس عندنا فقط، وإنما لدى قطاعات واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني أيضاً.

ولهذا لا نستطيع إلا أن نشكك في مصداقية التقرير وشفافيته والأهداف التي وضعت لأجله، والتي بات من الواضح أنها لا تخدم بأي حال من الأحوال قضية اللاجئين وحق العودة، لا بل تشكل واحدة من الخطى الحثيثة لتغييب هذا الحق تمهيداً للقبول بالأمر الواقع، والأمر الواقع يعني التخلي عن حق العودة، وهذا ليس غريباً إذا علمنا أن الجهات الغربية الداعمة للمشروع لم تكن في يوم من الأيام حريصة على حق العودة؟!


عن "السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018