صهيونية "المرتزقة".. وطغيان المادية على المجتمع الإسرائيلي / د.عبد الوهاب المسيري

يؤكد الكاتب الإسرائيلي "روني بن إفرات" في مقاله "الحرب الأولى في مرحلة ما بعد الصهيونية" أن القيم التي كانت توجه المجتمع الإسرائيلي حتى عام 1985 هي الإيمان بقدسية الجيش وضرورة التلاحم الاجتماعي، فالمستوطن الصهيوني (في المرحلة التقشفية العسكرية الأولى) كان جندياً بالدرجة الأولى على استعداد للتضحية بنفسه من أجل المثل الأعلى الصهيوني، ثم مواطناً بالدرجة الثانية يحاول تحقيق ذاته الفردية، أما الآن (في مرحلة السيولة الاستهلاكية ما بعد الصهيونية) فهو أولاً مواطن فرد يحاول تحقيق ذاته، ثم بعد ذلك جندي.

وقد لاحظ الكاتب أن استدعاء الاحتياط استغرق مدة طويلة، وفي محاولته تفسير هذا الوضع أشار إلى أن كثيراًَ من جنود وضباط الاحتياط يتقاضون مرتبات مرتفعة (حوالى 15 ألف شيكل أو 3500 دولار شهرياً) يحققون بها ذواتهم. وبالتالي ليس بمقدور الدولة أن تعوضهم عن الوقت الذي أمضوه في الجيش، كما أنهم لا يوجد عندهم دافع قوي لأن يتركوا حياتهم المترفة ويخوضوا المعركة من أجل وطنهم. وعندما يسعى الشباب الإسرائيلي للحصول على وظيفة في شركة تجارية ويتم سؤاله عمّا إذا كان في الاحتياط، يجد نفسه في وضع صعب مشابه لسؤال أم، إذا ما كان لديها أطفال ترعاهم؟ فالرد بالإيجاب قد يكلفه الوظيفة.

ثم يرصد الكاتب ظاهرة لم أرَ أي ذكر لها في الصحف الإسرائيلية من قبل (ولا في الصحف العربية بطبيعة الحال) وهي ندرة أهل تل أبيب بين القوات الإسرائيلية المحاربة في لبنان. فيشير إلى أن الإسرائيليين يعرّفون تل أبيب بأنها "فقاعة"، شيء لا مضمون له ولا محتوى، غير مكترث بالحقائق الصعبة التي تواجهها إسرائيل. ويرى د. ياجيل ليفي (وهو خبير في خريطة الحرمان في إسرائيل) أن "تل أبيب مجرد رمز ومؤشر على التغيرات الاجتماعية والإدراكية التي يخوضها غالبية أعضاء المجتمع الإسرائيلي. ففي حرب لبنان الأولى (1982) يلاحظ أن نصف الخسائر كانت من الإشكناز العلمانيين (الغربيين)، أما في الحرب السادسة فقد تضاءلت النسبة إلى الربع، بينما ارتفعت نسبة اليهود ذوي الأصول الشرق أوسطية أو الأفريقية والمهاجرين "السوفييت"، والمهاجرين الأثيوبيين. وهذا يذكر المرء بالغزو الأميركي لفيتنام حين كانت غالبية الجنود من السود، وكما قال محمد علي كلاي: إن الرجل الأبيض، الذي أباد الرجل الأحمر (أي الهنود الحمر) أرسل الرجل الأسود إلى فيتنام كي يقتل الرجل الأصفر. وقد تكرر الأمر في العراق، فعدد كبير من الجنود الأميركيين كانوا من المهاجرين الشرعيين أو غير الشرعيين من أصل أسباني "هسبانيك" الذين وعدوا بالجنسية إن انضموا للقوات الأميركية. بل إن بعضهم أدلى بقسم الولاء للولايات المتحدة وحصل على الجنسية وهو بعد في مركز التجنيد، وقد وُعد هؤلاء بتعويضات سخية لأسرهم في حالة مصرعهم".

وما لا يذكره الكاتب أنه مع تآكل الأيديولوجية الصهيونية ظهر ما يُسمَّى "أزمة المعنى". وعادةً ما تؤدي أزمة المعنى إلى إحساس بالعدمية يحاول الإنسان التغلب عليه من خلال الاستغراق في عنصر مادي بشكل كامل (شرب المخدرات - الإباحية -الاستهلاك) يبحث الإنسان فيه عن قدر من اليقين. لكن ما يحدث هو العكس إذ أن تصاعُد الاستهلاك وإغراق الحواس فيه يزيد أزمة المعنى بدلاً من تهدئتها، ويزداد بذلك تآكُل الأيديولوجية وتقويضها. لقد أصبح المستوطِن الصهيوني إنساناً مستهلكاً وأن ما يهمه هو الربح المادي وليس الدفاع عن الأرض وما شابه من "مثاليات" قومية. ولذا يلاحظ أن الإعلانات عن المستوطنات خالية تماماً من أي إشارات دينية إلا بطريقة مستخفة. خذ على سبيل المثال هذا الإعلان عن "ذا فرست إنترناشيونال بانك". المانشت الأساسي في الإعلان هو العبارة التالية The right bank for people with rights والتي يمكن ترجمتها: "البنك المناسب (الحقيقي) للشعب صاحب الحقوق". ثمة لعب على كلمة right الإنجليزية فهي بمعنى "مناسب" وتعني "حقوق"، وهي إشارة ساخرة للادعاء الصهيوني بأن اليهود لهم "حقوق مطلقة" absolute rights في أرض الميعاد. وبينما يتحدث الإعلام الصهيوني عن "حقوق" اليهود الأزلية الثابتة في أرض الميعاد، فإن الإعلان يتحدث عن حقهم العملي المباشر الحركي في أن يفتحوا حساباً جارياً بالعملات الأجنبية. ثم يذكر حقوقاً عملية أخرى مثل الحصول على the right currencies أي العملات المناسبة (الحقة) و the right terms أي الشروط المناسبة (الحقة) وهكذا.

لقد أصبح المستوطن الصهيوني إنساناً اقتصادياً استهلاكياً باحثاً عن الراحة واللذة، وقد أدرك سماسرة العقارات هذا التحول، ولذا فهم لا يصدعون الرؤوس بالحديث عن "أرض الميعاد" أو عن القومية اليهودية، وإنما عن المزايا المادية العديدة، مثل انخفاض أسعار المنازل في مستوطنات الضفة الغربية عن نظائرها في فلسطين التي احتلت قبل عام 1967. فالمنزل المكون من ثلاث أو أربع غرف يكلف 170 ألف دولار في "معاليه أدوميم"، بينما في القدس الغربية فهو يكلف 270 ألف دولار، يا بلاش. (النيويورك تايمز 20 يونية 2004)، وكأن الأوطان عقارات وفنادق!

ويمكن وصف صهيونية هؤلاء المستوطنين بأنها "الصهيونية اللوكس" (أو الصهيونية مكيفة الهواء) وقد صككت هذا المصطلح قبل أن يصك المعلق العسكري "زئيف شيف" مصطلحاً قريب الصلة منه بل يكاد يكون مرادفاً له وهو مصطلح "الاستيطان دي لوكس"، حيث يشير إلى أسلوب حياة المستوطنين في الضفة الغربية الذي يتسم بالرفاهية الشديدة، والتي يقوم الجيش الإسرائيلي بحمايتها (على عكس صهيونية المستوطنين الأوائل التي كانت تتسم بالتقشف).

وقد صككت مصطلحاً آخر وهو مصطلح "الصهيونية المكوكية"، قياساً على مصطلح "الاستيطان المكوكي" (بالإنجليزية: "شتل ستلمنت" shuttle settlement، الذي يُستخدَم في الصحف الإسرائيلية للإشارة إلى المستوطنين الذين يقطنون الأراضي المحتلة بعد عام 1967 ولكنهم يعملون في الأرض المحتلة منذ عام 1948، فهم ينتقلون يومياً من المستوطنات ويعودون إليها في حركة مكوكية. وقد قطن هؤلاء في الضفة الغربية بدافع واحد، وهو أن المساكن في المستوطنات أكثر فخامة وترفاً وأقل تكلفة من المساكن خلف الخط الأخضر. ويُقال إن كثيراً من هؤلاء المكوكيين هم "محترفو الاستيطان" (بالإنجليزية: "ستلمنت برفشينالز" settlement professionals، أي الذين اشتروا منازلهم هذه واستوطنوا في الضفة الغربية للحصول على "تعويضات" مناسبة إن اضطرت الدولة الصهيونية إلى نَقْل بعض المستوطنات، كما حدث من قبل في مستوطنة "ياميت" في سيناء.

وقد تكرر الموقف في غزة، فقد لاحظت الصحف الإسرائيلية أن المستوطنين الذين سيتم إخلاؤهم لا يمانعون في ذلك، وأن الأصوات الرافضة العالية التي يصدرونها ليست تعبيراً عن تمسكهم بالأرض بمقدار ما هي تعبير عن رغبتهم في تحسين موقفهم التفاوضي بشأن التعويضات. وقد نشرت بعض الصحف الإسرائيلية أنه بعد الانسحاب من سيناء قام بعض الصهاينة بالاستيطان في غزة والضفة الغربية وهم يعرفون جيداً أن الحكومة ستقوم بإخلائهم يوماً ما، وستكون ملزمة بدفع تعويضات لهم، أي أنهم استوطنوا كي يحصلوا على تعويضات الإخلاء في المستقبل النقدي الوردي.

وقد لاحظت إحدى الصحف الإسرائيلية (في مقال بعنوان "لا دافع أيديولوجياً وراء تصميم المستوطنين" على البقاء في غزة: فقط عملية شراء وبيع "29 مايو 2005") أن المستوطنين الذين يرفضون إخلاء منازلهم غير مكترثين بالثوابت الصهيونية وأنهم دخلوا في مفاوضات ساخنة مع الدولة تدور أساساً حول حجم التعويض الذي سيعطى لهم بسبب الإخلاء.

وتسمية ظاهرة ما، هي الخطوة الأولى نحو فهمها وتفكيكها وإعادة تركيبها. وقد وجدت أن مصطلح "صهيونية المرتزقة" يصف هذه الظاهرة وصفاً له قيمة تفسيرية عالية. فالجندي المرتزق لا يؤمن بأي مثاليات، وهو على استعداد للحرب والقتل والقتال بالنيابة عمن يجزل له العطاء، فهدفه هو النفع المادي، تماماً مثل هذا المواطن اليهودي الذي يقتلع نفسه من وطنه ويأتي لبلادنا ليحتلها طمعاً في العائد المادي الذي تزوده به الدولة. أوليس هذا هو دور الدولة الصهيونية أيضاً، التي يصب فيها الدعم المادي الغربي بلا حساب، حتى تقوم بدورها كقاعدة للمصالح الغربية بوجه عام، والأميركية على وجه الخصوص؟

والله أعلم.