اعتراف بالفشل ومشاريع للإحتواء../ عوض عبد الفتاح

تبدو المنطقة في الأسابيع الأخيرة وكأنها مقدمة على الدخول في مسار جديد وفي حراك سياسي للخروج من حالة الصراع والعدوان الراهنة التي تعود المسؤولية عنها الى المطامع الأمريكية الإستعمارية والى النزعة الصهيونية التوسعية.

ترتفع الأصوات وتطرح المبادرات من الغرب الأمريكي والأوروبي، ومن أوساط ليست كلها في موقع القرار داخل النخبة السياسية الإسرائيلية، تنادي بحلول سياسية للخروج من المأزق الذي أدخلت قوى العدوان نفسها فيها، وكذلك ذوو الأطماع الإمبراطورية. لكن دون أن تتخلى عن ثوابتها أو الأصح عن مصالحها.

وتأتي هذه الأصوات والإقتراحات والمبادرات على خلفية النقاش والجدل الحاد الذي تصاعد مؤخراً على خلفية تعثر المشروع الامبراطوري وإخماد روح المقاومة، والجدل حول تقاسم المسؤوليات عن هذا الفشل.

في مشهد السياسة الأمريكية الرسمية، تتبلور تغيرات في المقاربة إزاء الورطة في العراق. ويجري التخلص من رأس الهرم العسكري في أمريكا - دونالد رامسفيلد بعد أن هرب العديد من مفكري وأيدلوجيي عصابة المحافظين الجدد قبل أن تغرق السفينة. وتتم الإستعانة بالجمهوري جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لتقديم تصور حول المخرج من المأزق الذي يقوم على الإستعانة بدول الجوار: إيران وسوريا بدل اعتماد التهديد والحصار والعداء.

نحن الآن أمام بداية متغيرات جديدة ولكنها لا تؤشر بعد الى وجهتها. المتغيّر الأساس هو أن هناك اعترافا من الإدارة الأمريكية بالفشل. والمتغيّر الثاني هو انعكاس ذلك على الواقع الإسرائيلي. حتى الآن لا تزال نزعة المكابرة والتظاهر بالنصر تسم تصريحات كل من قباطنة الإدارة الأمريكية وعلى رأسهم جورج بوش وقباطنة اسرائيل ممثلة برئيس حكومتها إيهود أولمرت. هما يدركان في قرارة نفسيهما حقيقة ورطتهما. ولذلك فإنه ليس بإمكان أي منهما القيام بأية مغامرة عسكرية جديدة ضد ما يسمونه بمحور الشرّ، سوريا ايران وحزب الله.

هذا المحور نجح في أن يصمد ويقاوم ميدانياً وسياسياً.. نجح في منع تشكيل جبهة عالمية (من القوى المؤثرة) تقوم بعمل عسكري ضده. بحيث أن اسرائيل أصبحت تسلم الآن بأن لا أمريكا ولا أوروبا مستعدة أو قادرة على القيام بخطوات عسكرية ضد إيران تحديداً. ولذلك فإن بوش بعد أن كان يهدد ويُعدّ الخطط لضرب إيران أصبحت تصريحاته ومواقفه متواضعة ليقول للرئيس الفرنسي جاك شيراك: أنه سيتفهم اسرائيل إذا ما قامت بعمل عسكري ضد إيران. ولكن وبسبب هذا المتغيّر في الموقف الأمريكي، ليس لدى اسرائيل تصور محدد كيف يجب أن تتصرف إزاء ما تسميه بالخطر النووي الإيراني.

أزمة إسرائيل تتفاقم
إذاً فإن المأزق الذي تعيشه اسرائيل يتفاقم، وعدم الوضوح والإرتباط يأخذ أشكالاً جديدة منذ مغامرتها الدموية الأخيرة في لبنان. إن إسرائيل تشيخ وكل شيء فيها يتحلل كما قال الكاتب الإسرائيلي ديفد غروسمان الذي فقد ابنه في العدوان على لبنان. الإنتهازية والنزعة الفردية والرغبة الشخصية في البقاء هي من سمات النخب الإسرائيلية الحالية الحاكمة.

كانت إسرائيل تتوقع وتنتظر من الحرب الإمبريالية الأمريكية على العراق التي حرّضت عليها بصورة هستيرية، أن تُخمد كل روح مقاومة لمشروعها في المنطقة. وهذا كان من ضمن طموحات المحافظين الجدد. كان الإعتقاد أن احتلال وسرقة ثروات أحد أهم أقطار العالم العربي لما يمتلكه من ثروة طبيعية وبشرية كبيرة ونوعية وتاريخ حضاري عريق، سيؤدي من بين أمور أخرى الى فرض حل تصفوي على الفلسطينيين ويخضع كل من يدعم قضيتهم في العالم العربي والإسلامي. ولكن الأمور سارت عكس ما كانت ترجوه.

وعندما لاحت الفرصة في الصيف الأخير لتوجيه ضربة لأحد أهم معاقل المقاومة والممانعة العربية، حزب الله وسوريا، والذي ترى فيه أمريكا من أسباب تعثر مشروعها في العراق وفلسطين ولبنان، شجعت اسرائيل لتخرج بحرب وحشية شاملة ضد المقاومة الإسلامية في هذا البلد العربي غير أن صمود المقاومة اللبنانية خيّب آمالهم وفاقم أزمة كل من الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية.

إزاء ذلك تشجعت أوروبا أو بعض دولها المهمة لطرح مبادرات سياسية جديدة. وبغض النظر عن قصورات هذه المبادرات وعن مدى القدرة على متابعتها طالما هناك تبعية لأمريكا، فإنها تثير الإرتباك والجدل داخل إسرائيل.
أطراف دولية أوروبية وغير أوروبية تتحرك بعد أن رأت الفشل الأمريكي تلو الفشل. وأصبح كل فشل يترك عواقب سلبية على هذه الدول.

إن آخر مظاهر المأزق الذي تعانيه إسرائيل والذي يدفع ثمنه كل يوم شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية. هو الفشل الذريع في تحقيق الأمن الإسرائيلي في هذه المنطقة الفلسطينية والذي يجرّ النظام السياسي والعسكري الحاكم الى ارتكاب المزيد من المجازر وأعمال التدمير والحصار لإخضاع الفلسطينيين ووقف إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية.

لقد أرادت إسرائيل أن تعوض عن النصر المفقود في لبنان عبر القيام بالمزيد من الإجتياحات والقتل والإغتيال والقصف بالدبابات والطائرات لتظهر لشعب فلسطين أنها لم تهزم في لبنان وأن قدرتها وشهيتها للقتل لم تتأثر ولم تتآكل وأنها لن تسلم بالحق الفلسطيني.

لا شك إن أكثر ما يثير إحباط قادة إسرائيل الدمويين هو أن يروا صواريخ القسام البدائية تنهال على المدن الإسرائيلية أثناء وبعد لحظات من تراجع القوات الإسرائيلية من بيت حانون، وبعد كل ما قامت به من قتل للأبرياء وهدم للمنازل وللبنية التحتية.
كل ذلك يثير النقاش والخلاف داخل الحكومة الإسرائيلية حول كيفية التعاطي مع هذه النتائج لعدوانهم. أصوات تقول بضرورة التحدث مع الفلسطينيين ومع السلطة.. دون أن تتخلى عما تسميه بضرورة استمرار محاربة المقاومين الفلسطينيين. وهناك من يدعو الى محو أحياء كاملة وعدم التجاوب مع أي مبادرة سياسية ولو كانت قاصرة عن تلبية حقوق الشعب الفلسطيني.

الخلاف الدائر بين إيهود أولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس يدور على المكانة الشخصية أكثر مما يدور على أمر آخر. لا يوجد خلاف جدي بين رؤيا الإثنين حول رؤية الحل للصراع.
بكلمات قليلة: المأزق الإسرائيلي يتمثل أولاً في: الفشل الأمني في قطاع غزة بعد الإخفاقات في لبنان، وفي التغيرات في المقاربة الأمريكية للوجود الأمريكي في العراق وتعثر مشروعها الإمبراطوري وفي التعامل مع سوريا وإيران. وثانياً: غياب المشروع السياسي لهذه الحكومة.

لكن هل كل هذه المتغيرات المعبّرة عن مأزق المعسكر المعادي، ستتواصل بثبات وتصب بالضرورة في صالح شعبنا الفلسطيني وشعبنا في كل من لبنان وسوريا والعراق؟ في الحقيقة مع أن نهج المقاومة والممانعة في هذه الأقطار والموقف الإيراني الصلب وليس نهج الإستسلام، هو الذي أدى الى هذه الإخفاقات الأمريكية والإسرائيلية. فإن الأزمة التي تعيشها بعض هذه المواقع العربية؛ مثل فلسطين ولبنان والعراق لا تقل حدّة عن مأزق المعسكر المعادي. وفي هذا الموضوع لنا كلام آخر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018