حسابات أم سياسات خاطئة../ سليمان تقي الدين

للمرة الأولى منذ بدأ هذا المسلسل الرهيب من الاغتيالات التي تهز لبنان ووحدته الوطنية، يذهب فريق سياسي إلى تحميل فريق سياسي آخر مسؤولية معنوية مباشرة وصريحة، عن تغطية أعمال القتل والتستر على مرتكبيها. وتوجه إلى هذا الفريق الدعوة للالتحاق والتخلي عن مشروعه السياسي الخاص تحت طائلة المحاسبة!

يرسم هذا الموقف حاجزاً من الدم بين الجماعات اللبنانية يعطل التواصل في الحياة الاجتماعية محدثاً قطيعة على هذا الصعيد، كما يصعب تجاوزه عملياً بأي حوار سياسي لأنه اتهام بالإلغاء، ويؤسس لتبرير كل ردات الفعل التي تخرج عن منطق النزاع السياسي السلمي. هكذا ينصبّ الغضب لدى الجمهور، مع كل حادثة موجعة، على أطراف لبنانية منافسة أو جهات تقف على خصومة في الصراع السياسي المحتدم بين مشروعين، فتزيد الانقسام وتقوي أسبابه وتسقط المساحات المشتركة وتفتح للخارج معابر لاستتباع لبنان أو الهيمنة عليه.

فإذا كان اللبنانيون اليوم يواجهون صعوبات حقيقية وجدية لإعادة إنتاج وفاقهم الوطني، خاصة في تحديد موقع لبنان بين المحاور الإقليمية والدولية، فإن أخطر أشكال المعالجة هي اعتبار كل فريق الآخر <خارجاً> أو جزءاً من الخارج الذي يمكن التعامل معه بمنطق النبذ والإقصاء. والأخطر هو اللجوء إلى تكبير مساوئ هذا الخصم والتقليل من أهميته وحجمه ودوره في نفس الوقت، تشجيعاً للذات في محاولة التغلب عليه. هذه هي مقومات الحرب الأهلية التي ما زال الجميع ينكرها ويطمئن إلى عدم الوقوع في محظورها.

فعلياً ليس هناك من ضمانة بين اللبنانيين من الانزلاق التدريجي لمواجهات أهلية عنيفة بمقادير مختلفة إلا الاعتراف بالآخر ومعرفة ما يمثل، فلا يكون ادّعاء تمثيل اللبنانية الشاملة والوطنية الجامعة مجرد حسابات وهمية تصح في التحريض السياسي ولا تصح في قراءة التوازنات.

منذ سنتين والفريق <السيادي> يخطئ الحسابات، من تغيير رئيس الجمهورية، إلى إنهاء سلاح المقاومة، ومن أخذ السلطة منفرداً إلى تحقيق المحكمة الدولية بمعزل عن رضى الآخر وشراكته. وفي كل مرة يأخذ البلاد إلى أزمة لمجرد الادّعاء أنه الأكثري كماً ونوعاً، ولأنه يرتبط بقاطرة المجتمع الدولي ويملك مشروعية مطالبة بقضايا أخلاقية ومحقة من بينها <الحقيقة والعدالة>.

وإذا كانت شعارات هذا الفريق تحظى بالفعل بالقوة المعنوية وهي يجب أن تكون محل إجماع اللبنانيين، فإنها لا تبرّر الخلط بين مشروعية بعض الشعارات واحتكار السلطة، كما لا تبرر الممارسات الموصوفة بالتجاوز على الدستور والقانون، ومنع الحوار بين الفئات اللبنانية فيها وحولها.

فليس من طبيعة رجال الدولة أن يستعجلوا القرارات من خارج القواعد النظامية ليعاقبوا بحرمانها. وفي كل مرة تحل قوة الأمر الواقع محل القانون نقع في اللامشروعية وتجاوز حد السلطة.
إن إصرار هذا الفريق السياسي <الأكثري> على إنجاز المحكمة الدولية لا يحقق أهدافه المعلنة ما لم يسلك الطريق الدستوري والقانوني بالقوة المعنوية الناتجة عن توافق وطني. فإذا كنا نريد <المحكمة والعدالة> من <خارج القانون> تحت وهم القدرة على استحضارها من قبل المجتمع الدولي، على فرض إمكان ذلك، نبرّر للآخر الطعن بمصداقيتها ووظيفتها وبالتالي نتائجها.

هذا المسار السياسي السلطوي الذي يخطئ الحسابات ويصر على تجاهل الآخر أو يخفض من أهميته في القرار الوطني، يمكن أن يستدرك لمصلحة الوحدة الوطنية والسلم الأهلي والعودة إلى صيغة الشراكة. فإذا لم يبادر فريق السلطة فلا تعود المسألة حسابات، بل سياسات خاطئة!


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018