اغتيال الجميل بين أسئلة لم تطرح و"أجوبة" جاهزة../ د.عبد الإله بلقزيز

قبل أيام قليلة من اغتيال بيار أمين الجميل، توقّع سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية لحزب “القوات اللبنانية” - انطلاق مسلسل جديد من الاغتيالات يستهدف، هذه المرة، وزراء في حكومة فؤاد السنيورة قَصْد إفقادها النصاب القانوني وإسقاط شرعيتها الدستورية. كان لافتاً للانتباه ان تحذيرا ثانيا من نفس النوع صدر عن كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الامريكية. ثم ثبت أن “التحذيرين” معاً لم يكونا محض “توقعين” بل ربما أكثر من ذلك بكثير.

في دولة ديمقراطية محكومة بالمؤسسات ويحكمها القانون، مثل دول أوروبا والأمريكتين وبعض دول الجنوب، لا يمكن أن يمر مثل هذا التحذير من دون تحقيق واحتياط. قد لا يكون في وسع حكومة بلد صغير كحكومة لبنان أن تتحدى في مدى وجاهة المعلومات الحاملة وزيرة الولايات المتحدة في الخارجية (رايس) على إبدائها المخافة من تجدد عمليات الاغتيال، لكنها قطعا تستطيع إجراء تحقيق في الأسباب التي تدعو زعيم تيار سياسي الى تحذير الوزراء من الاغتيال لخطورة ما ورد في تصريحه ثم لاتصال ما قاله بالسلم المدني والاستقرار السياسي. ربما كان كلامه تحليلاً سياسياً أو توقعاً افتراضياً أو شيئاً بهذه المثابة، لكن التحقيق وحده يقرر إن كان الأمر كذلك أو على صلة ما بمعلومات توفرت له فدفعته الى إطلاق التحذير.

يذهب بعض اللبنانيين الى أبعد من مجرد الاستفهام المحايد فيتساءلون تساؤلات تشكيكية وإن أضمروها في عبارات استفهامية عامة: من أدرى زعيم “القوات اللبنانية” بأن البلد مقدم على اغتيالات سياسية جديدة بعد عام من توقفها؟ وكيف استطاع أن يقدر تقديرا دقيقا بأنها ستستهدف وزراء في الحكومة في المقام الأول؟ ولماذا تحققت “النبوءة” بعد أيام معدودات من الإعلان عنها؟ هل كانت في حوزته معلومات؟ وإذا كان كذلك، لماذا لم يدل بها للمراجع الأمنية، أو - وهذا الأهم - لماذا لم تبادر تلك المراجع الى مساءلته عنها، أو - في أقل الأحوال - الى تكثيف إجراءات الحماية الأمنية للوزراء من باب الاحتراز وإلى حين التثبت من دقة المعلومات الحاملة زعيم “القوات” على التحذير، أو من وجاهة التوقع ان كان محض تحليل نظري؟

ثمة فارق كبير بين أن يقارب المرء “نازلة” اغتيال الشيخ بيار بهذه الاسئلة - وهي مشروعة بمعايير المنطق والسياسة والتحقيق الجنائي- وبين أن يقفز عنها الى إطلاق اتهامات جاهزة ومتسرعة ضد فريق آخر من اللبنانيين، وضد القوى الإقليمية التي يعتقد أن لها صلة بالجريمة. تفتح المقاربة الأولى الباب أمام الاحتمالات كافة: أمام احتمال ان تكون الجريمة من تدبير بقايا الأجهزة السورية في لبنان، أو من تدبير شبكات الاستخبارات “الاسرائيلية” والدولية الناشطة في لبنان، أو من تدبير قوى لبنانية محلية: إما من تلك المعارضة للحكومة او من تلك التي تريد خلط الأوراق من جديد في الساحتين المسيحية واللبنانية لإنقاذ حكومة 14 آذار.

أما “المقاربة” الثانية، المتجاهلة للأسئلة والجاهزة بجوابها الاتهامي، فتستسهل التفكير في هذه الجريمة النكراء، حين تُسَلِّم سلفا بأن الجاني معروف، وهو هو سوريا، ومن يحالفها في لبنان!

والأدعى الى الإثارة والانتباه ان الرئيس أمين الجميل، المعني بالجريمة ابتداء (وانتهاء)، والمفجوع بفقدان ابنه، كان أقل خصوم سوريا المندفعين الى اتهامها من سائر السياسيين الذين يشاركونه الموقع والتحالف. لديه شكوك في صلة ما لسوريا بموضوع الاغتيال - لأن لديها “سوابق” على ما قال - لكنه حرص على التذكير بأن خلفيته القانونية (كمحام) لا تسمح له بأن يطلق الاتهامات جزافا من دون بينة أو دليل. غيره حسم أمره منذ اللحظة الأولى لوقوع الجريمة، فكان الشاهد والمدعي العام والقاضي من دون أن ينتبه بأنه بذلك يسيس القضية تسييساً، ويصادر دور القضاء ولعله - بذلك كله - يوحي لخصومه بأنه هكذا ايضا يريد المحكمة الدولية.

لست هنا معنيا بتبرئة ذمة سوريا والمعارضة اللبنانية الحليفة لها (أو غير المعادية لها) فهذا شأن قضائي صرف. لكن الذي أفهمه من ملابسات هذه الجريمة النكراء ويفهمه غيري (من اللبنانيين ابتداء ومن العالم تاليا)، أن هذه الجريمة تفسد على سوريا “انتصاراتها” المستجدة في لبنان منذ نصر المقاومة على العدوان “الاسرائيلي” في صيف هذا العام، وتفسد على المعارضة (“حزب الله”، “التيار الوطني الحر”، “أمل” والحلفاء) نشوة هجومها السياسي المعاكس على قوى 14 آذار وحكومة فؤاد السنيورة منذ انسحاب “الوزراء الشيعة” من الحكومة وإنتاج حالة حادة من الأزمة الدستورية- والميثاقية كما تقول المعارضة - في البلاد.

لقد كانت المعارضة تتهيأ للنزول الى الشارع لإسقاط الحكومة أولاً ولفرض إجراء انتخابات نيابية مبكرة تاليا، فأي مصلحة لها أو لسوريا في القيام بعملية اغتيال وزير لن تكون نتيجته سوى قلب الطاولة عليها وإسقاط تحركها الجماهيري أو تعطيله أو إرجائه بحسبان المضي فيه - والجريمة حصلت - إحراجا شديدا مع الشارع اللبناني، والمسيحي منه خاصة؟ ومن النافل القول ان الخاسر الأكبر - هنا - هو ميشال عون و”التيار الوطني الحر”. وهو الحليف الذي لا يستطيع “حزب الله” أو حركة “أمل” الاستغناء عنه في هذه المعركة، وإلا بدت معركة طائفة واحدة ضد تحالف طائفي ثلاثي.

وربّ قائل يقول ان للجريمة وظيفة سياسية أخرى هي منع تشكيل المحكمة الدولية لمحاكمة المتورطين في اغتيال الشهيد رفيق الحريري. وقد يكون هذا عذراً أقبح من زلة في نظر كثيرين. ذلك ان جريمة اغتيال الشيخ بيار لن يكون من شأنها سوى تعزيز القناعة بالحاجة الى المحكمة الدولية تلك ومحاصرة اعتراض من يمكنه إبداء الاعتراض عليها في الداخل اللبناني او في المحيط الاقليمي، بل من شأنها صرف روسيا عن تحفظاتها على عدم احترام التصديق الحكومي اللبناني على مسودة المحكمة الدولية للآليات الدستورية. هذا طبعا دون التذكير بأن الجريمة وقعت بعد صياغة المسودة، ومصادقة حكومة السنيورة عليها وردها إلى مجلس الأمن. ويكفي أن تكون موافقة هذا الأخير على المسودة ساعات قليلة بعد اغتيال بيار الجميل، كي تقيم دليلا على أن الجريمة لا يمكن ان تخدم إلا من يرغب في استعجال تشكيل المحكمة الدولية تلك.

هذه ليست مرافعة للدفاع عن بشار الأسد وحسن نصرالله وميشال عون ونبيه بري وسليمان فرنجية وعمر كرامي وطلال أرسلان (مع حفظ الألقاب). إنها - بالأحرى - أسئلة واستدراكات مشروعة على أجوبة /اتهامات جاهزة. أيها الناس، لبنان لا يتحمل هذا القدر من العبث باستقراره.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018