استغاثة حماده لن تجدي وحديثه عن «الملالي» فضح تورّط الاكثرية/ ابراهيم ناصر الدين

كان شعار المعارضة منذ بضع ساعات التهديد بالنزول الى الشارع، وكان السؤال متى وكيف، ‏وفي تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم يتغير الشعار، ويصبح متى ترحل حكومة الرئيس ‏فؤاد السنيورة وتولد حكومة الوحدة الوطنية، اما اذا تأخر رحيلها فان الشعارات ‏ستتبدل حتماً ليصبح السؤال من سيترأس الحكومة الجديدة وهل ستسمح قوى المعارضة للاكثرية ‏الحالية بالمشاركة بالثلث المعطل بعد ان تصبح اقلية عقب انتخابات نيابية مبكرة.‏

هذا السيناريو ليس وهماً بحسب مصادر سياسية رفيعة، لان ساعة الحقيقة اقتربت ولم يعد مسموحاً ‏في لبنان بعد الطائف تكرار خطيئة «المارونية السياسية» ومن تعاون معها آنذاك في ادخال ‏البلاد في حرب اهلية كان عنوانها التهميش والاستئثار بالسلطة.‏

‏ وستكون خطوة المعارضة اليوم بداية الغيث لسلسلة تحركات جدية وسريعة وغير استعراضية ‏تستخدم فيها الوسائل السلمية وتشمل المحافظات كافة والنقاط الحيوية في البلاد التي تشل ‏عمل الحكومة ولا تؤثر على تماسك الدولة.‏

وتلفت المصادر عينها الى ان المعارضة استفادت كثيراً من تجربة قوى السلطة التي فشلت في ‏استخدام الشارع من قبل، لذلك ما يحصل اليوم لا يشبه ابداً حملة «فل» الفولكلورية ‏والاعتصام في قلب العاصمة بيروت لن يشبه ابداً ما حصل في خيم ساحة الشهداء فالمعتصمون ‏اليوم لن يناموا ولن يتركوا عيون وزراء الحكومة تنام والتحضيرات اللوجستية باتت جاهزة ‏حيث قسمت المجموعات الى فرق عمل تتناوب في مكان الاعتصام فتدخل «فرقة» وتخرج اخرى وفق ‏جدول اعد في الايام القليلة الماضية وتتضمن كل مجموعة عناصر من اطياف المعارضة كافة يقود ‏كل منها مسؤول ميداني ينسق مع غرفة عمليات خاصة انشئت لمتابعة التطورات على الارض.‏

وبالنسبة لتوقيت التحرك فهو مرتبط بعدة عوامل سياسية واجتماعية ودينية لان المسائل ‏اللوجستية كانت جاهزة قبل اغتيال الوزير بيار الجميل، وتشير المصادر نفسها الى ان الامين ‏العام لحزب الله السيد حسن نصرالله واطراف المعارضة انتظروا «الضوء الاخضر» لبدء التحرك من ‏الرابية حيث عكف الجنرال ميشال عون خلال الساعات القليلة الماضية على دراسة واقع ‏الشارع المسيحي «المحتقن» على وقع الاساءات التي تعرض لها التيار الوطني عقب اغتيال ‏الجميل، وبعد دراسة مستفيضة لم يجد الجنرال اي مسوغ لتأجيل التحرك خصوصاً ان الحملة لم ولن ‏تتوقف والاحتقان سوف يستمر لان الحرب ضده منذ عودته الى لبنان معركة الغاء لدوره ودور ‏الاكثرية المسيحية التي يمثلها بعد ان رضي رئيس الهيئة التنفيذية في القوات سمير جعجع بدور ‏ثانوي في معادلة السلطة واخرج المسيحيين من دائرة القرار لصالح تيار المستقبل.‏

وتشير المصادر الى ان التحرك كان يمكن ان يبدأ امس لكن المعارضة اختارت التأجيل ساعات ‏قليلة الى آخر الاسبوع رغبة منها في التقليل من الاضرار الاقتصادية علّ قوى السلطة ترضخ ‏للضغط الشعبي قبل الاثنين المقبل، كما ان المنظمين ارادوا ان تبدأ عملية التغيير بعد ‏انتهاء الشهر الجاري بحيث يتمكن المواطنون كافة من قبض رواتبهم.‏

وفي الشق الديني للمسألة فان التوقيت كان لافتا بالنسبة للكثيرين حيث لا يخفى على احد ‏قدسية يوم الجمعة عند المسلمين فيما انطلاق التحرك عند الساعة الثالثة بعد الظهر له ‏دلالة خاصة عند المسيحيين الذين يؤمنون بان ابواب السماء تكون مفتوحة في هذه اللحظات ‏امام الدعاء ومناجاة الله.‏

وتلفت المصادر الى ان السيد نصرالله في دعوته امس تقصد التأكيد في كلمته المتلفزة على ‏عروبة بيروت وردد اكثر من مرة هذا التعبير ليقول الى من يعنيهم الامر ان بيروت ليست ملكاً ‏لاحد وهويتها السياسية لا يحددها اي طرف لبناني بمعزل عن شركائه في الوطن وما يحصل اليوم ‏ليس صراع نفوذ على السلطة بل معركة استعادة الهوية الحقيقية لهذا البلد الذي يحاول ‏البعض تحويله الى ساحة لتصفية الحسابات مع دول اقليمية في المنطقة.‏

وتلفت المصادر الى ان اركان السلطة مربكون ويشعرون بالتوتر والقلق ويكابرون من دون ‏جدوى، وفي رأيها فان استغاثة الوزير مروان حماده امس لن تجديه نفعاً ومحاولاته لايصال صوته ‏الى اذان الرئيس الاميركي جورج بوش غير مجدية، لانه جاء الى المنطقة باحثا عمن ينقذه من ‏ورطته ومل سماع اصوات البكاء والنحيب ممن فقد الثقة بهم بعد ان خذلوه، ولكن ما في يده ‏حيلة «وما في بالميدان الا حديدان».‏

وتشير المصادر الى ان يأس حماده دفعه بالامس الى تذكير الرئيس الاميركي انه ورفاقه ما زالوا ‏موجودين وحاول لفت انتباهه الى انهم جزء من الادوات «الفاعلة» لضرب ايران. ولذلك ‏استحضر في تصريحاته امس تخيير اللبنانيين بين الديموقراطية وحكم الملالي في طهران.‏

وبذلك يكون الوزير حماده كشف في شكل واضح دوره ودور اصدقائه في استحضار الصراعات ‏الخارجية الى الساحة اللبنانية، خصوصاً ان اهم اهداف جولة بوش كانت استنهاض الدول ‏والحكومات العربية التي تدور في فلك واشنطن لتضييق الخناق على ايران وسوريا وقد كشفت ‏مصادر غربية في لندن عن رسالة ابلغها الملك الاردني عبدالله الثاني الى الرئيس الاميركي ‏ومفادها ان احتواء الحرب الاهلية في العراق لا يمر من خلال اشراك ايران وسوريا بل اعطاء ‏دور اكبر للعرب السنة، هناك «واذا كانت الحرب قد عززت دور طهران فمن غير المقبول ان ‏يعزز احلال السلام دورها مرة اخرى».‏

وتزامنت هذه المعلومات مع دخول المملكة العربية السعودية بقوة على خط الصراع في العراق ‏لمواجهة النفوذ الايراني وهو ما عبر عنه صراحة نواف عبيد المستشار الامني للعاهل السعودي ‏في حديث لصحيفة الواشنطن بوست امس، وهو ما يفسر التذبذب الواضح في مواقف رئيس تيار ‏المستقبل النائب سعد الحريري. وازاء ذلك تؤكد المصادر ان المعارضة في تحركها اليوم تبدأ ‏عملية انقاذية للبلاد من احلام البعض الذين ما زالوا يراهنون على سياسة الاحلاف ويدخلون ‏لبنان في صراع لا طاقة له على تحمله.‏

وتنصح المصادر قوى السلطة بان تتعقل وتقبل بالشراكة وبالامر الواقع الجديد لان اوهام ‏البعض التي تدفعهم الى الاعتقاد ان العالم سيتجند لمساعدتهم ليست واقعية، فاسرائيل اصبحت ‏ورقة محروقة ولم تخرج بعد من خيبة املها، اما اتكال البعض على قوات اليونيفيل فهو ‏‏«مضحك» لان الجميع يعرف ان مجرد تحوير مهامها سيدفع بجنودها الى العودة «سباحة» الى بلادها.‏


"الديار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018