الديموقراطية بالشارع ../ طلال سلمان

يخطئ مَن يتسرّع فيحكم على الاعتصام الاعتراضي في قلب بيروت، اليوم، على أنه <حدث محلي> قائم بذاته، ليس له ما قبله، ولن يكون له بالتالي ما بعده، من صراع المصالح والنفوذ داخل لبنان وعلى مستوى المشرق العربي (أقله) بل <الشرق الأوسط الكبير> بالتعبير الأميركي المستحدث لمنطقتنا برمتها.

إنه في بعض وجوهه صراع على الحكومة، بل على السلطة، في هذا الوطن الصغير الذي كان شعبه دائماً أكبر من حكمه بما لا يقاس، والذي اتسعت أرضه المحدودة المساحة لصراعات أبعد مدى من جغرافيته وأعظم تأثيراً من <محلياته> التي غالباً ما تندّر بها العرب كطرائف أو لطائف في جلسات السمر، وتحسّروا على أن الأنظمة القائمة في بلادهم لا تمدهم بمثلها إثارة، كون السياسة فيها حكرا لأهل الحكم بلا شريك..
ذلك أن السلطة في لبنان <البلد البلا داخل> لم تكن في أي يوم محلية، وهي كانت تعكس دوماً ما يتجاوز حالة الصراع الداخلي بين القوى السياسية المختلفة الاتجاهات فيه إلى ما يدور في المنطقة من حوله، سواء أكان متصلاً بالصراع العربي الإسرائيلي، أم بمحاولات تقاسم النفوذ بين القوى الغربية المختلفة، وإن انتظمت الآن جميعاً داخل إطار الهيمنة الأميركية.

صحيح أن عنوان الاعتصام السلمي مغرق في محليته إذا ما اختصرناه في مطلب تعديل الحكومة بحيث تكون المعارضة مشاركة فعلياً في قرارها لا مجرد صوت اعتراضي يمنحها الشكل الديموقراطي ولكنه لا يمنع توجهاً يعتبره خطأ أو خطراً على أمن البلاد أو على هويتها.

لكن الصحيح أيضاً أن الافتراق الذي صدّع الحكومة وأعطى المعارضة حجة للطعن في شرعية الحكومة، وفي دستوريتها، ولو لأسباب ميثاقية تتصل بالتوازن الوطني، إنما يتصل بالنهج السياسي المعتمد والذي تتداخل فيه وتتقاطع مصالح دول كبرى أجنبية وعربية، وإن كان النفوذ الأميركي المهيمن على المنطقة هو الأعظم حضوراً.

المفجع أن يكون هذا الانشقاق الخطير قد حصل بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، بكل المجد الذي تحقق للبنان فيها ببسالة مقاومته وصمود شعبه وتضحياته العظيمة، وتماسك السلطة فيه برغم الضغوط لشقها وبرغم عمليات التحريض اليومية لتمرير قرارات دولية تحقق لإسرائيل سلماً ما عجزت عن تحقيقه بالحرب الوحشية التي استهدفت الإنسان والعمران في هذا البلد الصغير.. والمنيع.

وعلى عكس ما جرى عند العدو الإسرائيلي الذي اعترف بفشله في تحقيق أهدافه من حربه على لبنان والمقاومة فيه، فقد شجرت الخلافات هنا بين حلفاء الأمس ووصلت إلى حد القطيعة والمقاطعة وتبادل الاتهامات، فإنهم في تل أبيب تبادلوا الاتهامات وأنشأوا لجان التحقيق في أسباب الفشل لمحاسبة المسؤولين عنه، ثم دعموا حكومتهم بالأكثر تطرفاً وعنصرية وعدائية، ربما لتأكيد إسرائيليته المستجدة.

المهم، فإنه لكي نفهم حقيقة ما جرى ويجري في بيروت علينا أن نقرأ جيداً ما جرى ويجري في عمّان القريبة بالجغرافيا البعيدة في توجهاتها، خلال الأيام القليلة الماضية.

فقبل أن يصل إليها الرئيس الأميركي جورج بوش كان الملك الهاشمي يبشّرنا بثلاث حروب أهلية في كل من لبنان التائه عما يدبّر وسط زوبعة الخلافات التي شملت البديهيات وهزت مقوّمات وجوده، وفلسطين المضيّع مستقبلها في دوامة الصراع على سلطة <بلدية> ليس لها من مقومات السلطة إلا الألقاب والصور، والعراق المضيّع مجد ماضيه وسلامة حاضره في دوامات دمه المهدور في الفتنة المؤهلة لاغتيال مستقبله، كياناً سياسياً وشعباً لم يعرف الأمان منذ دهور.

أما بعد وصول الرئيس الأميركي إلى العاصمة الأردنية فقد توالى إصدار أوامر العمليات: وهكذا وجد محمود عباس في نفسه من الجرأة ما يكفي لكي يقول، وهو واقف في ظلال كوندليسا رايس إن <مشروع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية قد سقط في طريق مسدود>... بينما تبلغ نوري المالكي أمر العمليات الخاص بعمله في العراق تحت عنوان أن قوات الاحتلال الأميركية باقية، وأن عليه شخصياً أن يعالج (!!) أمر الفتنة التي تكاد تغرق العراقيين بدمائهم، سنة وشيعة وطوائف أخرى، نساءً وأطفالاً وشيوخاً، علماء وأطباء وأساتذة وجامعات إلخ..

لخصت رايس الموضوع بقولها: <العديد من الدول العربية تريد أن ترى أبا مازن وأمثاله ينجحون>.. وحين وجّه إليها صحافي سؤالاً صريحاً أجابت وابتسامتها تضيء سمرة وجهها: <أبو مازن هو الرئيس المنتخب ولست أنا>!
? ? ?
إذاً فهو الاعتصام الاعتراضي يبدأ في قلب بيروت عصر هذا اليوم، ويمتد كما تقول المعارضة حتى سقوط الحكومة.
وقد رد الرئيس فؤاد السنيورة مساء بالتأكيد أن حكومته التي تمثل الأكثرية باقية وأن لا سبيل إلى إسقاطها إلا في المجلس النيابي..

هو صراع بالوسائل الديموقراطية، إذاً، فاللجوء إلى الشارع هو اعتصام بالديموقراطية... وقد استخدمت <الأكثرية> الحاكمة الآن هذا الشارع لإسقاط حكومة سابقة، دون أن يؤخذ عليها أنها متعسفة في استخدام هذا السلاح المشروع.

فليكن الاحتكام إلى الديموقراطية لائقاً بها، بسلميته، وبحرصه على <الدولة>، وباحترامه لإرادة شعبها، وبوعيه لما يدبر لهذا الوطن الصغير مما لا يمكن فصله عما يدبر لسائر العرب في أقطارهم، وهذا العراق بعد فلسطين شاهد وشهيد.

... لعل العرب يخافون من تعميم نموذج الديموقراطية بالشارع فيتدخلوا لتسوية تعذر على الأطراف المحليين الوصول إليها، فيجنّبوا لبنان، ويجنّبوا أنفسهم تجربة سيكون لها ما بعدها..
وفي كل حال فإن النجاح في سلمية الاعتصام هو شهادة لأهدافه.

"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018