14 آذار 2005 و1 كانون الأول 2006../ وليد شقير

ما من فريق سياسي يعتقد بأنه قادر على ان يحقق انتصاراً ويحسم الأمور لمصلحته، إلا وعليه ان يُقبل على القيام بكل ما من شأنه إسعافه على تحقيق أهدافه، في شكل لا يقبل الالتباس والشك... اللهم إلا استخدام وسائل العنف والقتل والإكراه تحت التهديد بإزهاق الأرواح، وعمليات الاغتيال بأنواعها البشعة...

مناسبة هذا الكلام، هي ما يشهده لبنان من صراع سياسي حاد يرافقه احتقان شعبي قلّ نظيره، في صفوف جمهور المعارضة والأكثرية على السواء، وتهيؤ المعارضة اللبنانية الى تحرك شعبي واعتصامات حاشدة من أجل إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.

هل ان الفريق المعارض قادر على الحسم وتغيير موازين القوى داخل السلطة السياسية، وتحقيق أهدافه المعلنة وغير المعلنة؟ بل هل ان موازين القوى على الأرض والظروف المحلية والخارجية مواتية لتغيير المعادلة السياسية؟

الغرابة في الأمر، وهو ما يراه الكثير من الديبلوماسيين العرب والأجانب المحايدين، ان كلاً من الفريقين يقر بأنه غير قادر على الحسم ضد الفريق الآخر بحيث تكون الغلبة له، لا المعارضة ولا الأكثرية، بمقياس الاضطرار الى الحد الأدنى من التوافقية في نظام الطوائف اللبنانية. هذا ما أثبتته المفاوضات التي أجريت على الأقل خلال الأسابيع الماضية والتي لم تسفر عن نتيجة، سوى التمرين الذي قام به الأفرقاء، نظرياً، على مخارج محتملة للمأزق السياسي المصيري الذي يعيشه لبنان.

وفي انتظار نتائج التحرك المقبل، لا بد من بعض الملاحظات:

1- يشبّه الفريق المعارض تحركه في الشارع وسعيه الى التغيير بالتحرك الذي قامت به قوى 14 آذار في العام 2005، الذي أدى، مع عوامل خارجية ضاغطة والقرار الدولي الرقم 1559 الى الخروج السوري وإجراء الانتخابات و «انقلاب» داخل السلطة، لإعطاء مشروعية للتحرك الذي يقوم به اليوم من اجل فرض مطالبه، فهل يستقيم هذا التشبيه؟ لقد كانت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هي رافعة هذا التحرك أولاً، وتجاهل هذا العامل في تغيير العام 2005، هو مجدداً إنكار لواقع الجريمة ولكثافة اللحظة اللبنانية - الإقليمية - الدولية التي تمثلها، على الوضع اللبناني بعد الاحتقان الذي ولّده التمديد القسري للرئيس إميل لحود. والتذرع باستغلال قوى 14 آذار للجريمة من اجل إحداث الانقلاب هو، مرة أخرى، إنكار لموقع الاغتيال في تسلسل الأحداث. وحصول الاغتيال قبل الموعد الدستوري للانتخابات كانت له دلالة. ونتائج الانتخابات في موعدها كانت لها دلالة، بعد حصول الانسحاب السوري. ومع ذلك فالتغيير الذي حصل كان جزئياً، لأن رمز الإدارة السابقة، السورية للحكم اللبناني، أي لحود، بقي شريكاً في السلطة.

ان التشبيه بين 14 آذار 2005 و1 كانون الأول (ديسمبر) 2006، لا يستقيم. فالاغتيال الذي حصل قبل ايام يستهدف قوى 14 آذار نفسها. وهذا التشبيه «قد» يستقيم اذا كان هدف التحرك الشعبي مثلاً انسحاب قوات «يونيفيل» في الجنوب، لأن فريقاً من اللبنانيين بات يعتبرها محتلة. فهذا المطلب هو الذي يعطي مشروعية كاملة لاتهام الحكومة التي تريد المعارضة إقالتها على انها حكومة أميركية، على رغم الدرجة العالية من الافتعال. إلا ان المفارقة تكمن في ان القرار 1701 الذي أتى بقوات «يونيفيل» هو نتيجة تسوية أوروبية – عربية – أميركية من جهة، وتسوية لبنانية داخلية من جهة ثانية... والمعارضة لم تعلن الى الآن نيتها إسقاطها.

2- ان التدخلات الخارجية في لبنان ليست غريبة عليه، لكنه في الحالات التي استطاع فيها ان يخفف من أضرارها، كان هناك غلاف سميك نسبياً من المجتمع السياسي اللبناني قادر على استيعاب تلك التدخلات وعلى اجتراح التسويات التي تحول دون ذلك، وحين كان هذا الغلاف الممتص لصدمات الصراعات الخارجية يتحول الى قشرة رقيقة كان الوضع الداخلي يتعرض للعبث المدمّر والدموي.

لقد تحولت تلك الطبقة السميكة نسبياً الى قشرة رقيقة في مرحلة الإدارة السورية المباشرة للبنان، وتشكّلت طبقة سميكة تستوعب التدخلات بعد الخروج السوري شكّل التحالف الرباعي هيكلها، لاستيعاب التدخلات. لكن انفراط هذا التحالف بفعل التدخلات الخارجية هو الذي جعل الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله يقترح في آخر حديث له مع كوادر الحزب ان يلتقي جماعة التحالف الإيراني - السوري (المعارضة) مع جماعة أميركا في الحكومة لإنتاج تسوية. والمشكلتان اللتان تعترضان هذه الدعوة تكمنان في ان إحياء التحالف الرباعي مستحيل، وأن أي تسوية لا يمكن ان تتم من دون المسيحيين بعد الآن. وربما انه لهذا السبب اغتيل الوزير بيار أمين الجميل.

ثم ان المفاوضات التي أجريت على أعلى المستويات من اجل ايجاد مخرج للأزمة الحالية، دلت على انه حتى القشرة الرقيقة لحماية لبنان من التدخلات الخارجية تكاد تكون معدومة. هذا ما اكتشفه الوسطاء الذين وصلوا الى شبه اتفاق حول الخلاف على الموضوع الحكومي، حين تناول الأمر المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في الغرف المغلقة... هذا على رغم ان مجلس الأمن استند الى تسوية لبنانية حين أقر المحكمة.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018