الحروب الأهلية أخطر الحروب../ محمد الأزعر

كلما أنذرت الأجواء باندلاع حرب ما في مكان ما، تجهم نشطاء حقوق الإنسان وسارعوا إلى تحسس ملفاتهم وأعلنوا حالة الاستنفار القصوى، ذلك لأنهم يعلمون يقيناً أن الحروب تمثل انقضاضاً على المبادئ والمثل والاطر القانونية التي يسهرون عليها، وفي طليعتها حق الحياة.

بيد أن الحروب أنواع: ساخنة وباردة، هجومية (استباقية) عدوانية ودفاعية عادلة، محدودة وشاملة، داخلية وخارجية، نظامية وشعبية، فهل يمكن المفاضلة بينها من حيث مستويات الإساءة المتوقعة لمبادئ وحقوق الإنسان؟ الأصل أن هذه الأنماط جميعها تتنافس في انتهاك حرمات الذين تسوقهم أقدارهم النكدة إلى أحابيلها. فإذا لم يكن من المقارنة بدٌ، فإننا نحسب أن الحروب الأهلية الداخلية تزاحم على رأس القائمة بجدارة.

معيار التصنيف هنا يتعلق بحجم الدمار المتوقع من الحرب، وبناء على الخبرات والسوابق والشواهد، نجادل بأن لعنة الصراعات الاهلية تكاد ترقى بنتائجها على المجتمعات التي تساق اليها الى جحيم الدمار الشامل، ففي هذه الصراعات تتحدد الجبهات وخطوط التماس الساخنة بشكل غامض، قد لا يعيه ولا يفهم كنهه كثير من المتحاربين أنفسهم، انها صراعات تُمارس فيها العوامل الموروثة، كالعرق والدين والمذهب واللون والهوية القبلية العشائرية واللغة، أدواراً ظاهرة في التعرف على جماعات القتال وتعيين خنادقهم، وكذلك تفعل بعض المحددات والعوامل المكتسبة كالخلفيات الايديولوجية والانتماءات الحزبية والأهداف والطموحات الاقتصادية والسياسية.

ومع أن تفهم هذه الخريطة يساعد الراغبين في استيضاح هويات المتخاصمين المتقاتلين وأطرهم، إلا أن عملية التفهم هذه تنطوي بحد ذاتها على تعقيدات وصعوبات كبيرة، لا سيما إذا اتجهت الاجتهادات الى مقاربة العنصر الحاسم في اشعال فتيل الحرب. فبمجرد أن يمتشق المتقاتلون السلاح ويحتكموا للغة النار والدم، تنداح عناصر هذه الخريطة، الموروثة منها والمكتسبة، على بعضها البعض لتشكل دائرة مغلقة لا يدري أحد من أين تكسر وكيف.

في مشهد كهذا، تنفلت معظم الضوابط والمعايير الأخلاقية والانسانية والقانونية، ولا تعجب إذا ما وجدت الجيران والأصدقاء، بل وأحياناً بعض الإخوة، وقد انقلبوا الى أعداء يتربص بعضهم ببعض، ويتسيد نفر قليل من محترفي القتل والاغتصاب، وتستشري آفات الإجرام بلا أية روادع أو حسابات، وتشرع ابواب المجتمع (الجماعات) والدولة لتدخلات الآخرين من كل حدب وصوب، لأصحاب النيات الحسنة ووسطاء الخير كما للمحرضين من ذوي المصالح السياسية والاقتصادية وتجار السلاح ودعاة الخراب، وبصفة عامة يعيش الناس قلق الموت الذي قد يأتيهم من كل مكان، من حيث يحتسبون ولا يحتسبون، والذين يُقدر لهم الإفلات بحياتهم لا يغادرهم هذا القلق ولا يغادرونه الى آجال وربما أجيال ممتدة.

أيضاً تقول السوابق إن من لا يلقى حتفه جراء الحرب الأهلية ولعنتها في مجتمعه، أو يصاب بإعاقة مستديمة أو يتحول الى لاجئ خارج بلده أو نازح داخلها، فإنه حتماً يبقى ضحية لصدوع وعاهات اجتماعية وأخلاقية قيمية ونفسية قد لا يبرأ منها ما دام حياً، وهي صدوع وأمراض مستعصية ربما أورثها السلف للخلف، بما يؤدي الى تجدد نوازع الانتقام والثأر في الذاكرات الجمعية لمن شاركوا في هذه الحرب، وصولاً الى الإعداد والاستعداد لجولات اخرى تالية.

مثل هذا الخراب العاجل والآجل للبلاد والعباد يكاد لا يُقاس بما ينتج عن سيناريوهات الحروب التي قد تستخدم فيها اسلحة الدمار الشامل. ومن دواعي الأسى أن أقطاراً عربية بعينها عاينت مثل هذا القياس حتى لا يمكن اتخاذ حصاد حروبها الداخلية شاهداً على صدقيته. حدث ذلك فيما بعد ثورات التحرر الوطني والاستقلال غداة الحرب العالمية الثانية في كل من لبنان والسودان والجزائر والصومال ونسبياً في اليمن، وتتعاظم دواعي الأسى حين نعلم أن بعض هذه الاقطار خسر في هذه الحروب اضعاف ما ضحى به من الأرواح والمال والمقدرات ثمناً لتحرره من ربقة القوى الاستعمارية! وهي حقيقة يتخذ منها بعض المرجفين بزمن الاستقلال مادة للسخرية والتندر من العرب وأحوالهم العجيبة في إدارة الخلافات والتعامل مع النزاعات الداخلية والخارجية.

نحسب في كل حال أن الصبر على الحوارات والمشاورات والخلوات بين المتخاصمين داخل هذا القطر العربي او ذاك، وصولاً إلى استمرار أسس العيش المشترك، أجدى بكثير وأقل تكلفة من الاحتكام الى لغة الدم في الشوارع والحارات والازقة، كما نحسب أن هذا القول يعني راهناً وفي ساعتنا هذه شعوباً عربية بعينها ومتنفذين عرباً بعينهم، تُحلق في آفاقهم غربان شؤم الاقتتال الاهلي، بإلحاح شديد في العراق ولبنان، وبدرجة أقل في فلسطين.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018