الاعتصام ضد السلم الأهلي../ داود الشريان

كشفت الحرب الاسرائيلية على لبنان في الصيف الماضي ان «حزب الله» ينفر من السياسة، ويرى ان استمرار وجوده العسكري رهن باستمرار مناخ الازمة في لبنان، فالحزب المسلح ولد في ظروف متأزمة، ولا يمكن ان يبقى الا باستمرار الظروف التي نشأ فيها، فهو افتعل معركة مع اسرائيل وتسبب في تشريد الناس وتدمير البلد من اجل تسويغ مزاعم ضرورة التمسك بالسلاح، ووقف كل التوجهات الوطنية التي نشأت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخلط الاوراق لتغييب الحقيقة، وهو اليوم يقود لبنان الى فتنة طائفية من اجل الغرض ذاته، فالمعركة التي يقودها ضد حكومة السنيورة معركة للتدمير تحت شعار التغيير، فالاعتصام الذي يبدو في الظاهر انه ممارسة ديموقراطية هو في الحقيقة انقلاب على الشرعية، بدعوى الوطنية.

ان الاعتصام الذي دعا اليه «حزب الله» هو اخطر تحرك سياسي على الساحة اللبنانية منذ نهاية الحرب الاهلية في لبنان، ليس لأن الاعتصام انقلاب عسكري مغلف بشعارات ديموقراطية فحسب، بل لأن هذا الاعتصام يهدف في نهاية المطاف الى ضرب السلم الاهلي الذي سعى اليه اتفاق الطائف ونجح الى حد بعيد في تثبيته. والخطورة هذه المرة ان الضربة تستهدف منطقة سلمت من ويلات الحرب الاهلية، فتلك الحرب رغم شراستها وشموليتها وتعدد اطرافها لم تتعرض للعلاقة بين الشيعة والسنة في لبنان، أما اليوم فإن السجال في الشارع والمكاتب المغلقة هو سجال شيعي - سني، و «حزب الله» هو المسؤول عن هذا المنحى الذي يسيطر على الأزمة الراهنة، وينذر بإدخال لبنان الى ظروف سياسية لا تختلف عن تلك التي يعيشها العراق، فـ «حزب الله» استطاع خلال اليومين الماضيين جر الشارع الاسلامي، وبعض النخب الدينية والسياسية الى لغة غير معهودة بين المسلمين في لبنان، فنحن للمرة الاولى نرى قناة «المستقبل» تواجه قناة «المنار»، وللمرة الاولى نسمع تبادل التهم وتمييز أحياء السنة عن أحياء الشيعة، وهذا التوجه سيفضي الى مرحلة خطيرة اذا لم يتم لجم هذا الانفعال والتجييش. فـ «حزب الله» لا يمثل كل الشيعة، ولا ينبغي ان يعطى الفرصة للتحدث باسمهم جميعاً، فلبنان استطاع ان يتجاوز المحن السابقة بفضل وحدة المسلمين، وقدرتهم على التمسك بمبدأ التعايش والمحافظة على السلم الاهلي بين الطوائف، لكن ما يجري اليوم سيدمر هذا الانجاز اذا لم يتنبه العقلاء الى خطورة نتائج هذا الاعتصام.

ان المطالبة باسقاط حكومة او زعامة في لبنان أمر اعتاده االلبنانيون، وهو يبدو امراً طبيعياً في ظل التركيبة الطائفية حين يطالب الموارنة باسقاط رئيس الجمهورية، و السنة برحيل رئيس الحكومة، والشيعة بتغيير رئيس مجلس النواب. لكن المطالبة بإسقاط حكومة السنيورة اخذت شكلاً مختلفاً، فـ «حزب الله» اراد تصوير الامر وكأنه انقلاب شيعي على موقع السنة في التركيبة الطائفية في لبنان، فجاءت ردة فعل ابناء الطائفتين على نحو يؤكد ان «حزب الله» نجح حتى الآن في تحقيق هذا الغرض. واذا اضفنا الى المشهد الراهن في لبنان علاقة «حزب الله» بإيران، وتدخل الاخيرة في العراق يصعب علينا قبول شعار الوحدة الوطنية الذي يرفعه المعتصمون.

لاشك في أن الدعم العربي والدولي الذي تحظى به حكومة السنيورة سيقلل من احتمالات انزلاق الأزمة الراهنة الى حرب داخلية، فضلاً عن ان مقومات هذه الحرب غير مكتملة، لكن هذا لا يعني ان ما يجري زوبعة وستمضي، فالاعتصام اشعل بوادر الفتنة بين الشيعة والسنة، وخلق واقعاً سياسياً لا يجدي معه الحوار ولهذا لا ينبغي النظر الى الأزمة الراهنة من زاوية المحكمة الدولية فحسب، فلا بد من تطويق الأهداف الطائفية التي أراد زعماء الاعتصام تحقيقها، وأي حل قادم لهذه الأزمة ينبغي ان يتعامل مع ما يجري أمام مقر الحكومة اللبنانية باعتباره حلقة اخرى في مسلسل الفتنة الطائفية التي تهدد المنطقة العربية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018