الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والصراحة الأميركية المفقودة/ جيمي كارتر*

كنت قد وقعت عقداً مع دار "سايمون آند شوستر" للطباعة والنشر، قبل عامين، لتأليف كتاب عن الشرق الأوسط، على أن يعتمد الكتاب على ملاحظاتي الشخصية، بحكم مراقبة "مركز كارتر" لثلاث حملات انتخابية فلسطينية، وكذلك بحكم المشاورات التي أجريتها مع القادة السياسيين وناشطي حركة السلام الإسرائيليين.

وخلال أعوام 1996 و2005 ثم 2006 كنا قد غطينا كافة شرائح المجتمع الفلسطيني، حيث جرى انتخاب الزعيم الراحل ياسر عرفات، ثم خلفه محمود عباس "أبومازن" في رئاسة السلطة الفلسطينية، بينما تم انتخاب أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني. واتسمت الانتخابات تلك بقدر كبير من النزاهة، بينما كان إقبال الناخبين عليها كبيراً جداً، ما عدا في مدينة القدس الشرقية، حيث تمكنت نسبة 2 في المئة فحسب من جملة الناخبين المسجلين، من الاقتراع بسبب الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها إسرائيل وقتئذ.

وفي الأعوام نفسها، كانت القضايا الأكثر سخونة ومثاراً للجدل والخلاف فيما يتصل بالسلام الإسرائيلي- الفلسطيني، قد حظيت بنقاش مستفيض في الأوساط الإسرائيلية وفي غيرها في الدول الأخرى، ما عدا الولايات المتحدة الأميركية.

وقد شهدت بنفسي على امتداد الثلاثين عاماً الماضية، كيف تفرض القيود المشددة على أي حوار حر ومتزن حول الحقائق الملموسة على أرض ذلك النزاع. وما هذا التمنع الذي نرى عن انتقاد أي من السياسات التي تنتهجها إسرائيل، إلا بسبب الضغوط غير العادية التي تمارسها "لجنة العمل السياسي الأميركي الإسرائيلي" (الأيباك) على صناع السياسات والقرارات هنا في أميركا، في ظل غياب أي أصوات أخرى مناهضة لها.

وبالنتيجة فقد أضحت محاولة أي عضو من أعضاء الكونجرس لاتخاذ موقف متزن بين طرفي النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، شبيهة بالانتحار السياسي، خاصة إذا ما حاول ذلك الموقف دعوة إسرائيل للالتزام بالقوانين الدولية، أو إذا ما جهر أحدهم بصوته دفاعاً عن العدالة واحترام حقوق الفلسطينيين. وما أقل عدد أعضاء الكونجرس الذين يجرؤون على زيارة مدن فلسطينية مثل رام الله ونابلس والخليل وغزة، بل حتى زيارة بيت لحم، والتحدث إلى سكانها المنكوبين.

ومما يصعب على المرء فهمه، ميل كبريات الصحف والمجلات الأميركية، إلى ممارسة نوع من الرقابة الذاتية على نفسها، في نشر كل ما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، على نقيض الحرية والجرأة الكبيرة اللتين تتسم بهما الصحف الإسرائيلية الصادرة في موقع النزاع نفسه!

ومع شيء من التردد وعدم اليقين إزاء الكيفية التي سيستقبل بها كتابي، فقد عمدت إلى استخدام الخرائط والنصوص والمواد الوثائقية لوصف الموقف بدقة كما هو، ولمناقشة وتحليل السبيل الوحيد لإحلال السلام هناك. وما هذا الطريق عندي، سوى تعايش الفلسطينيين والإسرائيليين جنباً إلى جنب، كل في نطاق حدوده الدولية المتعارف عليها.

وتتفق هذه الخيارات مع القرارات الأساسية التي اتخذتها الأمم المتحدة في هذا الصدد، وحظيت بدعم كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن انسجامها مع السياسات الخارجية الأميركية المتبعة منذ عام 1967، وتتسق كذلك والاتفاقيات التي أبرمها القادة الإسرائيليون وحكوماتهم في عامي 1987 و1993، مع العلم بأنها الاتفاقيات التي نال بعضهم جراءها جائزة نوبل للسلام في العامين المذكورين. ليس ذلك فحسب، بل تتسق الخيارات نفسها والعروض التي قدمها القادة العرب –عبر جامعة الدول العربية- بالاعتراف بإسرائيل في عام 2002، ثم مع "خريطة الطريق" التي بلورتها "الرباعية الدولية" وأقرتها منظمة التحرير الفلسطينية، بينما تعنتت إسرائيل في رفضها والاعتراض عليها.

وتجب الإشارة هنا، إلى أن الكتاب المذكور إنما هو مكرس لمناقشة الظروف والأحداث في فلسطين وليس في إسرائيل، حيث تسود الديمقراطية في هذه الأخيرة، وحيث يعيش المواطنون مع بعضهم بعضاً، ويتمتعون إلى حد كبير بحقوق المساواة القانونية فيما بينهم. وعلى الرغم من أنني لم أمض سوى أسبوع واحد فحسب من الجولات الخاصة بالتوقيع على الكتاب، فإن النتائج الأولية لاستقباله تبدو جد إيجابية ومبشرة. فمبيعاته عالية، وصداه الإعلامي يزداد باطراد، بينما تتوالى اللقاءات التلفزيونية التي أجريت معي حتى الآن بخصوصه. غير أنني لم أرَ سوى نزر يسير للغاية من التغطية الصحفية لما كتبت في كبريات الصحف الأميركية. والملاحظ هنا أن معظم عروض الكتب الشبيهة، إنما تقوم بها منظمات يهودية لا ترجح زيارتها للأراضي المحتلة، بينما لوحظ أن انتقادها الرئيسي للكتاب ما وصف بالعداء لإسرائيل.

وحتى الآن فقد جهر اثنان من أعضاء الكونجرس بانتقاداتهم الحادة للكتاب. فعلى سبيل المثال وصفته "نانسي بيلوسي" الناطقة الجديدة باسم المجلس، عبر بيان لها أصدرته قبل نشر الكتاب، بأنه لا يعبر عن رأي الحزب "الديمقراطي" تجاه ما يحدث في إسرائيل. إلى ذلك نُشرت تعليقات أخرى عبر موقع "أمازون دوت كوم" وصفت الكتاب بالعداء للسامية، بينما اتهمه آخرون بالتلفيق والكذب، في حين رمته "آلان ديرشوفيتز" بـ"عدم اللياقة".

لكن وفي العالم الحقيقي، وخلافاً لما هي عليه ردود الأفعال هذه، فقد جاءت الاستجابة للكتاب على قدر كبير من الإيجابية. فقد وقعت عليه في خمس مكتبات، زاد عدد المشترين في كل واحدة منها على الألف مشترٍ. وفي هذه المكتبات الخمس، لم أسمع سوى تعليق سلبي واحد، دعا فيه أحدهم لمحاكمتي بتهمة الخيانة العظمى، بينما وصفني أحدهم في "سي سبان" بالعداء للسامية. على أن أسوأ تجربة واجهتني في هذه الجولات جميعاً، رفض عرض مجاني من قبلي بالحديث عن الكتاب، في عدد من المؤسسات الجامعية ذات الكثافة الطلابية اليهودية الكبيرة، والإجابة عن الأسئلة التي يوجهها لي الطلاب والأساتذة في تلك الجامعات. على أن هناك من كبار الشخصيات اليهودية وعدد من أعضاء الكونجرس من شكرني خفية على كشفي عن الحقائق، وتقديم أفكار جديدة عن النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني في كتابي هذا.

ويصف الكتاب القمع الوحشي والاضطهاد الواقع على سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك تشدد نظام استصدار أذونات العبور، وإجراءات الفصل المتعمد بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود القاطنين في أراضي الضفة الغربية. إلى ذلك يستمر الآن تشييد جدار عزل أو سجن أمني سميك عملاق بين الجانبين، مع العلم بأنه يلتهم ما تبقى للفلسطينيين من أراضٍ، ويقتطعها منهم لتكون حكراً خاصاً بالمستوطنين.

وفي اعتقادي الشخصي، أن في هذه الإجراءات من القهر والقمع، ما يفوق كثيراً ذلك القمع الذي تعرض له المواطنون الأفارقة السود في جنوب أفريقيا، إبان الفصل العنصري. على أني قلت بوضوح هنا، أن الدافع الإسرائيلي ليس عنصرياً، بقدر ما هو تعبير عن رغبة أقلية يهودية في التوسع الاستيطاني الاستعماري على حساب الفلسطينيين. وهذه هي حقائق الشرق الأوسط الغائبة على الأميركيين.

"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018