ملاحظات على هامش "معركة الشرعية"/ خليل شاهين*

تسعى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى "إحياء" دورها "المرجعي"، فتكبو في أولى غزواتها.

سعي مبارك بين "الصفا والمروة" ينتهي بالطواف حول الرئاسة!

هكذا، تكمل اللجنة التنفيذية دورانها في حلقة الدور المفقود، وربما تهدم بنفسها آخر بقايا دورها "المرجعي" المتآكل لصالح "رئيس السلطة" لا "قائد الشعب"، وقبل ذلك بالتوصية بالانقسام لا الوحدة الوطنية.

وفي ذلك، تكمن أبرز الإشكاليات، فمعادلة "الرئيس" و"القائد" في التناقض بين قيادة حركة التحرر والرئاسة الوهمية، هي الوجه الآخر لبضاعة "المرجعية" والذراع"؛ الأولى حركة تحرر وطني، والثانية سلطة تتلفح بوهم الدولة ورموزها.

فمن يقود من؟ المرجعية أم الذراع؟ الرئيس أم القائد؟

نظريا، تسمى منظمة التحرير الفلسطينية المرجعية العليا للسلطة، التي تعد ذراعا للمثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وعمليا، ينتهي دور المنظمة عندما يبدأ دور السلطة؛ تغيب مرجعية الكيان "المعنوي" للمنظمة في حضرة الكيان "المادي" للسلطة، فيأكل الذراع جسده. أو ربما تبدأ "الغرغرينا" في الذراع، فإن لم تبتر امتدت إلى باقي الجسد.

و"فلسفة المنظمة والذراع" ليست مثل "الحسناء والوحش"، فلا تآلف في الأولى كما هو الود والاكتمال في تناقض الثانية. كانت الذراع، منذ البداية، طريقا التفافية على منظمة التحرير المرفوضة دوليا، والمحاصرة إقليميا، وكانت إقرارا من مهندسي اتفاق أوسلو بالتكيف في نطاق "المشروع الممكن" لا "المشروع المنشود". وهو تكيف في نطاق سلطة الحكم الذاتي وفق خارطة المناطق المصنفة (أ، ب، ج)، قبل أن تلتهمها إعادة الاحتلال وبناء جدار الفصل العنصري، ليعود "المشروع الممكن" إلى نقطة البداية، إلى إعادة التفاوض اليوم، بعد سنوات على تنفيذ "نبضات نتنياهو"، على تطبيق تفاهمات شرم الشيخ، أي العودة إلى الوضع الذي كان قائما عشية اندلاع انتفاضة الأقصى قبل ست سنوات.

وفي سياق "واقعية الممكن" كلما اشتدت زيم، كان التكيف في الجغرافيا، مستحيلا ربما من دون تكيف في السياسة. وبذلك، تتالت "نبضات" التكيف في نطاق "المشروع الوطني" ذاته. صار مشروع "دولة مجتمع الضفة والقطاع" غير المحسوم في حدود مساحته وسيادته، عنوان "المقايضة الكبرى" على حساب تقرير المصير والعودة، وكذلك على حساب التمثيل "الجمعي" للشعب في شتى أماكن تواجده من خلال منظمة التحرير.

و"أماكن التواجد" هذه لم تكن أصلا "جمعية"، فالتكيف على صعيدها كان سابقا على التكيف في نطاق الجغرافيا والسياسية المحددة بسقف "أوسلو"، فلم تجرؤ المنظمة على أن تعلن قط عن حقها في تمثيل الفلسطينيين، مثلا، في الأردن أو إسرائيل، وهي لا تزال "لا تمثل" أي فلسطيني يتعرض للتنكيل والتمييز العنصري، وحتى القتل، في إسرائيل؛ فقضيته هذه ليست قضيتها.

بهذا المعنى، كان التكيف يعيد صياغة المجتمع السياسي الفلسطيني التقليدي على مقاس مجتمع الضفة والقطاع الذي تمثله سلطة الحكم الذاتي، على حساب "التمثيل الجمعي" لمجتمعات أو تجمعات الفلسطينيين في الشتات، معبرا عنه بمنظمة التحرير، وهذه كانت تعبيرا عن وجود الحركة الوطنية التحررية، التي تكيفت، كذلك، في الجغرافيا والسياسة على مقاس مجتمع الضفة والقطاع.

كان هذا المسار في تطور/ تكيف الحركة الوطنية، ممثلة في منظمة التحرير وفصائلها، يحمل بذور تآكل المجتمع السياسي التقليدي، في الحضور والدور والفعل، وفي "التمثيل الشرعي" أيضا، فيما كان التيار الإسلامي يتحول منذ اندلاع الانتفاضة الأولى إلى تيار فلسطيني وطني (National)، يحمل معه "الرمزية المعنوية" لمشروع يتجاوز الجغرافيا والسياسة كما يحدد سقفهما مسار "أوسلو"، وبذلك كان ينشد "الجمعية" في إعادة إبراز الهوية الوطنية المعنوية للفلسطينيين جميعا في كافة "مجتمعاتهم" أو تجمعاتهم في الوطن والشتات، مضفيا عليها بعدا دينيا، يمارسه معظم الفلسطينيين يوميا، أي عقيدة يعرفونها جيدا وتربوا على ممارسة طقوسها.

وفي الواقع، لم تكن هذه العملية سوى أولى مؤشرات انفتاح معركة "التمثيل الشرعي" التي يخوضها اليوم بقوة التيار الإسلامي، ممثلا بحركة حماس، في مرحلة أفول المجتمع السياسي التقليدي، أي تراجع الحركة الوطنية و"الرمزية المعنوية" لمشروعها "التمثيلي" للشعب الفلسطيني.

فعلت الحركة الوطنية ذلك بيديها، هي اختارت تكييف "المشروع الوطني" في نطاق "مجتمع الضفة والقطاع" تحت سقف محددات "أوسلو"، وقد فعلت هذه الحركة ذلك طوال السنوات الماضية بشقيها: "فتح السلطة" أو "سلطة فتح"، وفصائل المعارضة، التي "عارضت" في السلطة على مستوى الضفة والقطاع، لا في المنظمة على مستوى الشعب، حتى باتت هويتها "المعارضة" اليوم غير معروفة، فلا هي "معارضة" في السلطة، ولا في المنظمة، فيما كانت "حماس" تعارض في السلطة، لكنها تبني "شرعية التمثيل" على مستوى الشعب في كافة أماكن تواجده، وجودا تنظيميا، وبنية عسكرية حيث أمكن، ووجودا خدماتيا من خلال الجمعيات الخيرية، وعلاقات وتحركات سياسية تنطق باسم الفلسطينيين جميعا أمام الحكومات العربية والأجنبية، وكل ذلك حدث قبل أن تفوز "حماس" في الانتخابات التشريعية، وربما جاء الفوز محطة في سياق معركة "التمثيل الشرعي" المفتوحة.

هنا الأزمة اليوم في أكثر تجلياتها تعقيدا ومأساوية: أفول المجتمع السياسي التقليدي المتكيف "تمثيلا" في نطاق جغرافيا وسياسة "أوسلو"، في مواجهة صعود التيار الإسلامي "الوطني" المتكيف "تمثيلا" في نطاق مشروع بحجم خارطة الشتات الفلسطيني. إنها معركة شرعية التمثيل والقيادة في ظل استمرار انغلاق منظمة التحرير على أطراف الحركة الوطنية التقليدية. وفي وضع كهذا، لا يمكن للتيار الإسلامي أن يرعى نمو "شرعية التمثيل" إلا خارج هذه الدائرة المغلقة "غير المستعدة" بعد لاستيعابه في نطاقها، رغم أن "الاستيعاب" شرط "تهدئة" معركة شرعية التمثيل والقيادة، على الأقل إلى حين.

باستمرار الوضع على حاله، تنكشف أكثر أزمة العلاقة بين المنظمة والسلطة، بين المرجعية والذراع، وتبدو "فلسفة الذراع" واهية وإن حولها البعض إلى "ثابت وطني" يرقى إلى مستوى "الثوابت الوطنية المقدسة". فلا السلطة صارت ذراعا، ولا المنظمة بقيت مرجعية.

آخر الأمثلة، كان أداء اللجنة التنفيذية للمنظمة منذ إعلان حركة فتح عن وصول حوارها الثنائي مع حركة حماس إلى "طريق مسدود"، فقد "استدعي" أعضاء اللجنة من ممثلي الفصائل، ومعهم ممثلي الكتل البرلمانية (باستثناء الكتلة الأكبر)، ومن تيسر من شخصيات، إلى اجتماع لتقييم حوار استثنيت منه هذه الفصائل أصلا، ومن ثم تم تشكيل لجنة تقييم "سداسية" من أعضاء "التنفيذية"، حضر اجتماعها أكثر من الأعضاء "الستة"، وبضمن ذلك "خبراء تقييم" ليسوا أعضاء في "التنفيذية"، بل لم يشاركوا في الحوار الثنائي، وبعضهم انتقده قبل أن يهرع لتقييمه!

ليست هذه نهاية القصة، بل بدايتها، فقد بدا كأن اجتماعات اللجنة التنفيذية باتت أقرب إلى ورشات العمل، فهي تنتهي بتقديم توصيات بدلا من اتخاذ قرارات. ولا تقتصر المشكلة هنا، على الشكل، بل تطال جوهر دور المنظمة ولجنتها التنفيذية، وتثير التساؤلات مجددا حول العلاقة بين المرجعية والذراع، وحول الإشكالية المتعلقة بدور كل من القائد والرئيس. فقد تحولت "المرجعية" إلى جهة تقدم توصيات إلى قائدها بصفته "رئيسا" لذراعها الذي يصنع القرار فعلا. ولا تغير من هذه الحقيقة القرارات التي اتخذت لتفعيل دور المنظمة، طالما أن اللجنة التنفيذية تتنازل عن دورها "المرجعي" في صنع القرار لصالح رئيس السلطة/ الذراع، وتكتفي بدور تقديم التوصيات "غير الملزمة"، ناهيك عن كونها توصيات بالانقسام لا توحيد الشعب.

مرة أخرى، هنا المشكلة، المنظمة توصي، ورئاسة السلطة تقرر، ليعود التساؤل مطروحا: من يقود من؟ المرجعية أم الذراع؟ وكيف يمكن للجنة التنفيذية أن تنتقل من مستوى تقديم التوصيات إلى صنع القرار الوطني في فضاء يتجاوز الجغرافيا والسياسة المحددين بسقف "أوسلو"، وهو فضاء بحجم مهمة إعادة بناء الحركة الوطنية على مستوى الشعب في كافة أماكن تواجده، ومن يحلق فيه يكسب معركة شرعية التمثيل والقيادة في أوساط الشعب، قبل صناديق الاقتراع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018