بيكيت للسنيورة : اقتحام السراي خط أحمر أميركي../ اسكندر شاهين

لا تفصل احدى المرجعيات السياسية بين الأزمة الحكومية الراهنة وبين مسيرة الاستقلال، بحيث ‏يعيد المصدر المذكور التجاذبات على الساحة المحلية الى العام 1920 يوم قام الجنرال غورو ‏باعلان حدود «دولة لبنان الكبير» بشحطة قلم، مما خلق عقدة تتعلق بالاقضية الاربعة التي ‏سلخت عن سوريا لا تزال تردداتها تطغى على الرقعة السياسية منذ فجر الاستقلال الاول على ‏الرغم من الاعتراف الشهير للرئيس السوري الراحل حافظ الاسد باستقلال لبنان، وحتى اليوم، ‏بحيث تعيش الساحة المحلية احدى أخطر ازماتها مع انطلاقة الاستقلال الثاني اذا جاز التعبير ‏بين اكثرية برلمانية تتمثل بفريق 14 شباط واكثرية واقعية تتجسد «بالتيار الوطني الحر» ‏و«حزب الله» وحلفائهما.

ولكن الفارق بين الاستقلال الاول والثاني هو الانقلاب النوعي في ‏الموازين بحيث تحول المطالبون السابقون بالانضمام الى دولة سوريا وهم السنة في العشرينات ‏الى ابرز المنادين بسيادة لبنان وحريته واستقلاله مرفقين ذلك بعدائية حادة لسوريا، على ‏خلفية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقد بات بند المحكمة الدولية أحد اهم البنود ‏الخلافية بين فريقي 14 شباط و8 آذار، والسبب الرئيسي المعلن للانقسام الوطني الحاد في البلد ‏الصغير من ادناه الى اقصاه، بالاضافة الى قضية الرئاسة الاولى ومسألة الانتخابات النيابية ‏المبكرة وقانونها المنتظر.

وفي الوقت الذي برزت فيه مساعي المبعوث السوداني مصطفى عثمان ‏اسماعيل على صعيد الوساطة بين الفريقين وكأنها من باب رفع العتب، لأن المسألة فالج لا يعالج ‏الا اقليمياً مع ما يعنيه ذلك من تداخل العامل الاقليمي مع الرياح الدولية، فإن ‏المبادرة التي يقوم بها الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وفق المرجعية ‏السياسية نفسها لن تكون من حيث النتائج افضل بكثير من مبادرة اسماعيل، وسط انغلاق مختلف ‏نوافد وابواب الحوار بين المعتصمين في الشارع، وبين المتحصنين في السراي الكبير وسط التصعيد ‏البارز لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة وتصويبه القصف باتجاه قصر «عين التينة» متهماً رئيس ‏مجلس النواب نبيه بري بخطف البرلمان وتعطيله.

وربما هذا القصف الذي فاجأ بري يندرج في ‏خانة اعلان السنيورة وفريق 14 شباط الحرب الشاملة على فريق 8 آذار وتكريس بري من حيث ‏موقعه انه فريق، ولا يستطيع ان يلعب دور الوسيط او الدائرة الوسطى التي باستطاعتها ان ‏تكون على مسافة واحدة من الجميع، مما يسقط نهائياً العودة الى طاولة الحوار على قاعدة ان ‏المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وفق فريق 14 شباط بعد تجربة «الطاولة المستديرة» والحرب ‏الاسرائيلية على لبنان وما احاط بها من اجواء اتهامية بين الفريق المذكور وقوى 8 آذار، ‏ليبلغ الخطاب السياسي سقفاً تخوينياً يقطع شعرة معاوية بين اللاعبين الاساسيين على الرقعة.

‏ولعل من ابرز مؤشرات اعلان السنيورة الحرب الشاملة على خصومه محاولة رئيس الحكومة تصدير ‏قضية المحكمة الدولية الى مجلس النواب واللعب على وتر الاكثرية النيابية، مما سيعمم ‏‏«الفوضى البناءة» على كامل الرقعة السياسية وضرب اي موقع محسوب على الاعتدال وتغليب ‏منطق «الغالب والمغلوب» على مقولة «لا غالب ولا مغلوب»، التي اعتمدت منذ الاستقلال اسلوباً ‏يحكم التوازنات بين مختلف الافرقاء المحليين.

ويشير المصدر نفسه الى ان لجوء فريق 14 شباط الى ‏اسلوب «الغالب والمغلوب» قد يشكل مقتلا للفريق المذكور، لا سيما وان المسار التاريخي لهذا ‏المنطق يؤكد ان كمال جنبلاط ذهب ضحية قناعته بهذا الامر، والعمل على وضعه موضع التنفيذ ‏ابان الحرب الاهلية اللبنانية، وسط الصراعات الاقليمية والدولية آنذاك، والتي بلغت ‏ذروتها في المرحلة الراهنة اثر الاجتياح الاميركي للعراق، وربما هذه التحركات هي التي فرملت ‏رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط الذي رفض منطق «نصف انقلاب» ولكنه لم يسع ‏الى انقلاب كامل معتمداً على مراجعة تاريخية لمسار البلد منذ فجر استقلاله.

واذا كان لافتاً ‏تشبث السنيورة بمواقفه الرافضة لقيام حكومة وحدة وطنية على الرغم من الاعتصام الحاشد ‏على اعتاب السراي فإن المعلومات وفق المصدر نفسه تشير الى أن رئيس الحكومة تلقى من وزيرة ‏الخارجية البريطانية مرغريت بيكيت تطمينات من الادارة الاميركية تقول: ان اقتحام السراي ‏خط اميركي احمر، وان ادارة بوش ابلغت المعنيين اقليمياً انها لن تقف مكتوفة الايدي اذا حصل ‏ذلك، وستقوم برد عسكري يطال مواقع سيادية في بعض الدول، وقد ابلغت قيادة المعتصمين بهذا ‏الامر من قبل الجهات المعنية، وان تشدد السنيورة في رفضه للحلول يعود الى ما تم ابلاغه به ‏عبر موفدين اجانب آخرين بعد زيارة بيكيت المذكورة.‏

"الديار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018