سادة الفشل: من الأمة إلى.. الملل../ فالح عبد الجبار

يتسلى الإنكليز بالنزهة، والألمان بالجري، والفرنسيون بالمقاهي، اما نحن فنتسلى بالنميمة، السياسية طبعاً.

النميمة هي الحكي من وراء الظهر، ويسميه العراقيون «قص» أو «مقص»، وهو كناية عن الطعن في الظهر. وهناك خليط طريف من النميمة والتخيل أجده عند سائقي سيارات الأجرة. فإن كان هذا جائعاً لحديث، وإن ارتكبت حماقة التبسط في الحوار، انهال عليك سيل من النمائم والقصص والحكايا في أدق أمور السياسة، تكتشف خلالها ان محدثك يعرف جزماً من قتل الحريري غيلة، وبوسعه ان يعطيك اسم رجل الاستخبارات الإسرائيلي، أو السوري، أو الأميركي، الذي تولى المهمة. ويمكن له ان يفتي بكل ثقة أيضاً بمن حرّك من في العراق، أو بمن فجر شاحنة على الحدود الأردنية. هذا العالِم بكل شيء، الكاريكاتيري بكل المقاييس، المتحدث في كل الأمور حديث الخبير، من الإبرة الى الفضاء، هو صورة مصغرة عن السياسي القائد، الذي نجده في أكثر من بلد إما رئيساً أو عاهلاً، أو زعيم ميليشيا، أو رأس طائفة.

ويذكّرني هؤلاء بحكاياهم، ومآزقهم، برواية غولدنغ «سادة الذباب» التي أحور عنوانها الى «سادة الفشل». يحكي غولدنغ (الفائز بجائزة نوبل) عن ثلة أطفال، أبرياء كما نحب ان نقول، هم تلاميذ مدرسة ابتدائية في رحلة استكشاف. وحين تهوي الطائرة، ويحطوا على جزيرة غابية، مجهولة، بلا راشد ينظم لهم ايقاع حياتهم، يتملكهم الرعب فيغدو طبيعة ثانية.

في غمرة الخوف المستديم ينقسم التلاميذ الى فريق قنص الطرائد، وفريق جمع الثمار وإيقاد النار. وسرعان ما يتحول الفريقان الى زمرتين متناحرتين، تُسفك في صراعهما دماء. وتنحدر المجموعة بأسرها الى ما يشبه الحياة البدائية، صراعاً وقتلاً. وحين يحاول العقلاء تذكير الآخرين بأنهم نسوا القواعد، قواعد اللياقة، قواعد الأدب، قواعد العمل الجماعي، وأن غياب القواعد يعني السقوط في هاوية الهمجية، يرد القناصون على سلاح النقد بالنقد بالسلاح. فرصاصاتهم جاهزة لكي تخترق جسد من يخرق عالمهم الجديد، المنفلت، عالم اللاقواعد.

كلما أعدت قراءة فصول من هذه الرواية تذكرت الكثير من الزعماء العرب، وغير العرب. وكلما استمعت الى حكايا هؤلاء الزعماء، تذكّرت الرواية. لا أدري متى يخرج علينا غولدنغ عربي ليكتب لنا «سادة الفشل»، أو «سادة الذباب»، لا فرق.

ما هي أبرز مواصفات الزعيم، سواء كان زعيم الدولة أو زعيم الطائفة، أو زعيم الميليشيا، أو جامع كل هذه الشرائط، لا يهم، لا يهم ابداً.

أول صفاته ان المال الخاص والمال العام متداخلان. «الجيب واحد» كما يقول الكرماء. وما ان ينخلع هذا عن كرسيه، حتى يشفط الخزينة المركزية. حصل هذا امام أنظارنا في العراق، يوم اقتحم قصي، نجل الرئيس المخلوع، البنك المركزي ليصادر ودائع العملة الصعبة: نحو أربعة بلايين دولار، وفي اليمن غادر رئيس بعد إفراغ خزائن البنك المركزي، وفي فلسطين بقيت حسابات «الثورة» باسم الرئيس. وهناك حشد من الرؤساء الأفارقة غير العرب عملوا ويعملون بالمثل. وفي بلد عربي آخر أقام شقيق الرئيس ميناء خاصاً للاستيراد بلا جمرك، وهو ينعم اليوم بامتلاك عقارات ضخمة في لندن، وغيرها من العواصم، بقيمة مئات الملايين من الدولارات، وفي عراق اليوم شفط امثال هؤلاء نحو سبعة بلايين ونصف البليون في بحر ثلاث سنوات، بحسب تقديرات لجنة النزاهة، المهددة بالتصفية. وفي لبنان يقدر حجم الفساد بنحو 40 في المئة من الموازنة، بحسب رأي أحد خبراء الأمم المتحدة، في حين ان الفساد الموازي في الهيئات غير الحكومية (ميليشيات وسواها) لا يزال بعيداً عن الأنظار.

ثاني أبرز مواصفات الزعماء كره مؤسسات الدولة، حتى لو كانوا قادتها. فثمة دوماً رغبة في اقتطاع جزء من مؤسسة لإنشاء امتداد شخصي للزعيم خارج الضوابط القانونية للدولة، مثل إنشاء حرس شخصي، أو تأسيس ميليشيا، أو جهاز أمن خاص. وغالباً ما يزج الزعيم نجله في هذه الصروح الهادمة للدولة. وعلى غرار كيم إيل سونغ محبوب الأربعين مليون كوري (علماً أن نفوس كوريا الشمالية لا يزيد على 17 مليون نسمة)، يتولى الابن كيم جونغ إيل السلطة. ولولا الغزو لتربع قصي على عرش الجمهورية العراقية، اسوة بالجيران. بينما يستعد ثلاثة رؤساء عرب للاقتداء بهذا المثال. قال لي كاتب ثاقب النظر: «يبدو ان الجمهوريات الوراثية صارت نظاماً إقليمياً».

أما إذا بدأ الزعيم حياته قائداً لميليشيا فسيجد صعوبة مضاعفة في التخلي عن منبع قوته الشخصي هذا لمصلحة الاندراج في الدولة، فهو يرى في هذا الاندراج تقييداً لسلطته الشخصية غير المقيدة، ولا يرى ان دخوله الدولة هو ايضاً تقييد لسلطة الآخرين.

وبلغ لعب الميليشيات حداً هزلياً. ففي العراق تزعم الميليشيات أنها أتت لحماية العتبات المقدسة، في حين انها تهدد هذه العتبات عينها، أو تزعم انها لتحرير البلاد، وتوحيدها، فيما هي تتسبب في شق البلاد وإذكاء صراع أهلي قد ينفتح على حرب اهلية. أو انها تتحول بقرار واحد الى «شرطة» فتنزل الى الشارع لتفرض سلطة الحزب الذي تمثل.

هذه حالات من العراق ولبنان وفلسطين، البلدان الثلاثة المبتلاة بانهيار الدولة القديمة، والتمرغ في فترة انتقالية لحين نشوء الدولة الجديدة. واللادولة هي الحل الأمثل لجل الزعماء، مع فارق ان اللادولة ترغم الزعيم على التعايش مع زعماء آخرين صغار مثله.

السمة الثالثة للزعماء في رقعتنا شغفهم بالعنف، بسحق العظام، وشن الحروب، ولا نكاد نجد زعيماً يخفف من غلواء الحماسة الخطابية. وعلى رغم اننا أفشل أمم الأرض في تنظيم العنف (الجيوش، الحروب) فإن الزعماء الأكثر حديثاً عن النصر، القريب أو البعيد، والأكثر شغفاً باقتناء الأسلحة. وأنا أفضّل ان نقتني أربعين ألف كومبيوتر على اقتناء أربعين ألف صاروخ. فالتحدي العلمي أقدر على المواجهة من التحدي العسكري الذي سجلنا فيه الفشل تلو الآخر، على رغم الإنكار المستديم.

السمة الرابعة للزعماء هو ازدراؤهم بالقواعد القانونية، دستورية أو سواها. فالزعيم هو زعيم، ليس لأنه مفوّض، بل لأنه يمثل أقانيم جرداء مثل التحرير، الوطنية، الأمة، الثورة.

في ما مضى كانت القبائل تختار زعماءها بفضل الحنكة، والمهارة العسكرية، والبسالة، وأيضاً الجود والكرم. من هنا المثال القديم لتعريف القائد القبلي بأنه «سيف ومنسف».

اما اليوم فإن هذه الفضائل لا تقاس بأفعال محددة، بل تضخ في قنوات الإعلام، ضخاً، وتفرضها اجهزة القسر فرضاً. بالذهب الرنان يشتري الزعماء فضائيات وبرامج. اعترف لي مدير برامج تلفزيونية بان زعيماً دفع ربع مليون دولار لتدبيج لقاء معه ونفر من نافخي الأبواق.

لن أمضي في قائمة السجايا، تاركاً الباقي، وهو كثير، لخيال القارئ، مكتفياً بهذا: لقد أنجز الموحدون من الزعماء تمزيق النسيج الوطني للأمم التي شيدت على أنقاض الدولة العثمانية. وتكابد هذه الأمم اليوم على طريق إعادة بناء الأمة. في مطلع حياة جيلي كان الشعار: الوحدة العربية، واليوم في كهولتنا بات الشعار: الوحدة الوطنية. فيا للتقدم!


"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018