الحقائـق العــاريـة../ حسن عاصلة

تناولت وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة في الأسابيع الماضية الملف المدني (الجزائي) والاتفاق الذي أخرجته حكومة إسرائيل، والمحامي عادي ميخلين، الذي يمثل بعضًا من ذوي شهداء هبة القدس والأقصى (هبة أكتوبر)، والذي دار حوله جدل حول جوهر ملف الشهداء وعلاقة ذوي الشهداء بأبناء شعبهم، وكذلك جدل عنيف آخر بين ذوي الشهداء أنفسهم، وأحيانا بين ذوي الشهداء وبعض قادة الوسط العربي.

لقد أساء الاتفاق إلى جماهيرنا ونضالنا وتاريخنا وحضارتنا وانتمائنا، وأساء إساءة كبيرة للشهداء ومفهوم جوهر النضال والعطاء الذي آمنوا به واستشهدوا من أجله. وقد أتت الإساءة في ثلاثة بنود صارخة وردت في الاتفاق المتعلق بالملف المدني الجزائي وهي:

1- إسقاط المسؤولية عن حكومة إسرائيل، في كل ما يتعلق بعدوان أكتوبر الدموي علينا وعلى أبناء شعبنا في الضفة والقطاع وما نتج عنه من سقوط الشهداء ومئات الجرحى.

2- المساواة بين الجلاد والضحية، حيث ورد في الاتفاق أنّ ذوي الشهداء وحكومة إسرائيل يأسفون لأحداث أكتوبر وسقوط الجرحى، بمن فيهم جرحى قوات الأمن.

3 - إسقاط حق ذوي الشهداء وحق شعبنا في ملاحقة جلاديه، وقاتلي شهدائه في «عدوان أكتوبر» أثناء هبة القدس والأقصى.

وقد نصّ الاتفاق على أنه «بتوقيعه من قبل المحكمة وذوي الشهداء يقفل الباب على هذه القضية المؤلمة للجميع وليست لذوي الشهداء أية مطالب أخرى مستقبلا». لقد شوّه هذا الاتفاق صورة الجماهير العربية وشوّه تاريخنا وحضارتنا وانتماءنا الوطني وشوّه نضالنا الوطني وداس طهرنا الإنساني، الخلقي والأخلاقي، وسلبنا حق الدفاع عن أنفسنا، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلا، وحطّ من شأننا في أعين أعدائنا وأصدقائنا في كل مكان.

لم يكن هناك موقف مُوحّد حيال هبة القدس والأقصى وتداعياتها ونتائجها وتأثيرها على مستقبل شعبنا وانتمائه وبقائه في أرض الآباء والأجداد.

هذا أمر طبيعي؛ فما حدث أثناء هبة القدس والأقصى كان عدوانا صارخًا دمويًا قامت به الحكومة الإسرائيلية ضد شعبنا في الجليل والمثلث والنقب، هدفت به ضرب روحنا الوطنية وانتمائنا وتاريخنا وحضارتنا ووجودنا فوق أرض الآباء والأجداد.

إنّ غياب النقاش الجماعي الواعي أدى إلى ضياع الحقيقة وأدّى إلى انقساماتٍ أضرّت بمسيرتنا وأضرّت بقضية شهدائنا وأصابت عزيمة ذوي الشهداء ووحدتهم وتصميمهم على مواصلة المشوار في ملاحقة الجناة المُعتدين. ولم يخف بعض قادة شعبنا رغبتهم في إعلان براءتهم من هذا الحدث والتهرب من نتائجه. وكم كانوا صريحين في إشارتهم إلى "أطراف أخرى كمسؤولة عن هذه الهبة"، وعليهم بالتالي تحمل النتائج وحدهم (أي "الأطراف الأخرى").

وقد حاول نشطاء الراغبين في إعلان البراءة إعاقة مسيرة ذوي الشهداء وتفسيخ إطارهم وعملوا يدًا واحدة مع المتهاونين لإضعاف نضالنا في ملاحقة حكومة إسرائيل وقادتها ومُجنديها الذين شنّوا العدوان علينا.

وكم كانوا جادّين ومُثابرين في محاولتهم توصيف ما جرى كحدث مؤسف وغلطة ينبغي استنكارها والتخلص منها وتصحيحها، فأصبح التعايش هو الهم الأكبر، أما الوجود والبقاء فقد وضعوه في أسفل سلم الأفضليات. أما دم الشهداء فعلينا نسيانه وتجاهله حتى لا نغضب الطرف الآخر، أيّ الجماهير اليهودية وحكومتها وحتى لا تقع المسؤولية على أحد. ولقد بدا التحرك فوضويًا وفرديًا، وذلك لإبعاد التهمة عن المصدر المخطط والمنفذ.

إنّ ذوي الشهداء وبعد مرور سنة ونصف على سقوط الشهداء وجدوا أنفسهم وحدهم في الميدان، إلا من قلة من أبناء هذا الشعب. أربع سنوات بكاملها حمل ذوو الشهداء همومهم وأحزانهم وساروا وحدهم، حتى في ذكرى أبنائهم، فلا يطلبنّ أحدٌ من ذوي الشهداء أن يحملوا الراية والألم والجرح وحدهم.
التواجد الهزيل في أيام إحياء الذكرى كان أصدق تعبير أنّ لا احد يقف مع الشهداء وأهالي الشهداء، إلا قلة مؤمنة. وكان واضحًا أنّ هناك من يدفع باتجاه دفن هذه المناسبة نهائيًا. أما "عدالة" ومحاموها فكانوا هناك من اللحظة الأولى وتفانوا في حمل المسؤولية وأعطوا فوق طاقتهم، علمًا بأننا سجّلنا عليهم بعض الأخطاء.

لقد ذهب أغلبية ذوي الشهداء إلى المسار "المدني- الجزائي"، تاركين في قلبي جرحًا نازفًا وحزنًا عارمًا حارقًا، وكانت قطيعة بيننا دامت عدة أشهر اتصلوا بعدها وقدموا إلى بيتي. وقلت لهم: لا أريد أن أناقشكم من جديد، لكنني أريد أن أحذّركم من أنّ حكومة إسرائيل تفضل الاتفاق معكم على أن تذهب إلى القضاء والمحاكم. لا تُوقّعوا أية وثيقة من دون دراستها وفهمها واستشارة "عدالة"، أو أيّ مُحامٍ آخر من الوسط العربي تثقون به. كونوا يقظين جدًا.

لم يأخذ باقي ذوي الشهداء بنصيحتي، بل بالغ الديناميون من بينهم في تنازلهم ووقعوا على الاتفاق السيء المُسيء لنا جميعًا.

ولولا غباء الحكومة التي تعجّلت بالتوجه إلى الإعلام لنشر الخبر ولتهبّ النار في الهشيم بعد ذلك، لكان الاتفاق نفّذ ولبقي طي الكتمان.

كانت من بين ذوي الشهداء مجموعة لم تقرأ الاتفاق ولم يُفسَّر لها كما يجب وكما هو مطلوب أخلاقيًا وقانونيًا وهبّت هذه المجموعة تدافع عن نفسها وتطالب بإلغاء الاتفاق. لكن الديناميين حاولوا المماطلة وكسب الوقت من دون وجه حق. وأصرّوا على ألا يخرجوا ضد المحامي عادي ميخلين.