عدنا لنقطة الصفر.. عباس: إلى حكومة تعترف بإسرائيل../ زياد أبو شاويش

انتخابات مبكرة تساوى انشقاق طويل الأمد، هذا كان رأينا قبل خطاب عباس ولا يزال، ولان مسوغات هذا الموقف أصبحت معروفة للجميع ، سواء ما يتعلق منها بالشأن الداخلي واحتمالات النتيجة، أو الشأن الخارجي وموقف أصحاب الشروط التعجيزية والذين يدفعون باتجاه حرب فلسطينية فلسطينية.

إذن الأهم بعد الخطاب هو رؤية أسبابه واشتراطاته وإمكانيات أن تكون هذه الاقتراحات في خدمة القضية والشعب أو عكس هذا ، والأمر لا يحتمل التسويف أو التمويه أو المجاملة ، ولا حتى الكلام التوفيقي الذي يدفع الأمور إلى مزيد من التأزم.

عندما فرضت الولايات المتحدة الأمريكية تعيين رئيس وزراء بصلاحيات واسعة لتحجيم دور عرفات ( رحمه الله)، اختار الشهيد القائد، وبضغط امريكي عربي، السيد محمود عباس لهذا المنصب، وقد قدم السيد عباس كل ما من شأنه إثبات حسن النية فيما يتعلق بنهج السلام الفلسطيني كخيار استراتيجي، وعززه بطرح قناعته الشخصية حول عذابات الشعب اليهودي على مر التاريخ وبطريقة أغضبت كل الشعب الفلسطيني، وتسببت في حرج الراحل، الذي لم يتورع بعد ذلك بأقل من سنة عن وصف رفيقه ورئيس وزرائه بكرزاى فلسطين، نسبة إلى السيد كرز اى الصنيعة الأمريكية في أفغانستان، وبرغم قسوة التشبيه، لم تقف اي شخصية فلسطينية جدية في حركة فتح أمام الأمر، ولم تصدر حركة فتح اي بيان لتنفي عن أمين سر منظمة التحرير وعضو لجنتها المركزية هذه الصفة، ثم قتل عرفات، وبدأنا عهداً جديداً.

إن استدعاء هذه المعطيات يمثل ضرورة لفهم ما يجرى الآن وحتى تكون المقاييس دقيقة وعلمية، ولا يتم دغدغة العواطف والمشاعر وشحنها بالروح الجاهلية، وبحمية القبائل الفصائلية المتخلفة، أو بالضحك على ذقون الناس وهذا لابد أن يكون منارتنا جميعاً لمعالجة شأن من اخطر ما مر به شعبنا، فأين هي نتيجة المرونة التي أبداها الأخ محمود عباس أثناء توليه الوزارة؟، وما هي المكاسب التي حققها على ضوء ذلك؟

لاشيء يذكر بل المزيد من التوتير والقتل، ومن ثم الدخول في صراع مكشوف مع قيادة فتح إلى أن انتهى الأمر باغتيال الأخ الشهيد ياسر عرفات. وعلى هامش ذلك جرت في نهر حركة فتح مياه كثيرة وتغيرت موازين القوى الداخلية ولعبت إسرائيل وأمريكا دوراً محورياً عبر نفوذ هما في تغليب فئة على أخرى ورأينا اليوم المشهد بدلالاته التي لا تخفى على احد، فدعاة الانتخابات المبكرة والمحرضين منذ نجاح حماس على استخدام صلاحيات الرئيس في إقالة حكومة حماس أو الانتخابات المبكرة كانوا يحيطون بالرئيس يمنة ويسرة ، وأبرزهم السيد ياسر عبدربه صاحب وثيقة جنيف الشهيرة.

والآن وبالنظر لتولي الرئيس مسؤولياته لمدة عام كامل قبل تشكيل حماس للحكومة، ما الذي قدمته إسرائيل له؟، وهل راجع رئيسنا نصوص اوسلو على ما فيها من إجحاف؟ والى متى يمكن أن ينتظر شعبنا لتنفيذ الشق المتعلق بحقوق شعبنا في وطنه؟ ولماذا لا يغضب ومعه المصفقون ضد حماس على هذا النكث الصهيوني الامريكي بكل التعهدات تحت ذرائع كاذبة؟ ولماذا الغضب على حماس إذا تأخرت في بعض وعودها والحصار يلف حكومتها من كل اتجاه؟ لماذا لا نقول الحق لشعبنا ونخبره عمن يحاصره ويجوعه ويساهم في قتل أبنائه بشكل مباشر وغير مباشر؟ لماذا لا نقول لأهلنا في الداخل والخارج أننا لا نستطيع مجابهة أمريكا وحلفائها في المنطقة وان مصلحة شعبنا تتطلب التساوق مع ضغوط هؤلاء فنريح ونستريح ؟ وألف لماذا يمكن سوقها على هذا الصعيد.

وما دمنا في إطار السؤال لماذا، فلماذا لا نسأل الأخ الرئيس..؟ لماذا الانتخابات المبكرة؟.

نحن سنجيب على السؤال بالاعتماد على ما قدمه السيد الرئيس في تبريره لذلك، ومن ثم لنرى مدى انسجام ذلك مع رؤى الشعب وتطلعاته بعيداً عن الخلاف المستجد مع حركة حماس.

يقول الرئيس أن حال الشعب أصبح لا يطاق في ظل الحصار المفروض عليه، وقدم عرضاً للحال لا يسر عدواً ولا صديق منحياً باللائمة على حكومة حماس باعتبارها السبب الرئيسي لهذا البؤس وهذا الحصار، وان حماس فشلت في تلبية شروط بقائها في السلطة كونها لم تلتزم بالشرعية الدولية والاتفاقات السابقة، ومن ثم شددت الحصار وأدامته على شعبنا، وبدل أن نستفيد من الجو الدولي المواتي وعنوانه الرئيسي تقرير بيكر الذي يدعو لدولة فلسطينية باعتبار الحل في المشكلة الفلسطينية سيقود لانفراجات في كل مشاكل الشرق الأوسط ومعضلاته، بدل هذا تقوم حماس بتعزيز علاقاتها مع القوى المناهضة لهذا المناخ وترفض قيام حكومة تكنوقراط أو كفاءات على أساس شروط المجتمع الدولي، وهي بذلك تهدر فرصة من أهم ما صادفنا منذ اوسلو للان، والى هنا يمكن أن نتفهم موقف الرئيس عباس رغم كل الملاحظات الجدية جداً التي يمكن أن نسوقها لإثبات العكس، وأوردنا نموذجاً لها في مطلع المقال بالحديث عن فترة تولي السيد عباس رئاسة الحكومة، وحديثه وسلوكه المطمئن (بتسكين الميم وكسر الهمزة ) لليهود وحلفائهم الأمريكيين.

إذن لنتفق على أن هناك فرصة بل فرصاً وان شعبنا أنهك وتعب، وان الحوار يجب أن لا يدوم للأبد، وأننا يجب أن نصل لحل يرفع الحصار عن الشعب.. الخ، فهل يا ترى الانتخابات الرئاسية والتشريعية هي التي تحل كل هذا و( تشيل الزير من البير) على حد أمثالنا الفلسطينية؟

إن نظرة مدققة لما يجرى والى الحالة في الشارع الفلسطيني والفرز الحاد الذي يجرى بسرعة يجعلنا نجيب ونحن مطمئنين: لا.... هذه الانتخابات لن تحل المشكلة ولن ترفع الحصار.

يقول السيد عباس حرفياً: نريد حكومة من الكفاءات ترفع الحصار عن شعبنا!!!!! في إشارة شديدة الدلالة على أن اي حكومة بخلاف ذلك مرفوضة ولن ترفع الحصار عن الشعب، وقال أيضاً في ذات السياق حول مواصفات الحكومة التي يريد أو بالاحرى تشترطها أمريكا والرباعية وإسرائيل: نحن لم نطلب ولا نطلب أن تعترف الفصائل بإسرائيل، أو تلتزم بالاتفاقيات والشرعية العربية أو الدولية، نحن نريد حكومة تعترف بكل هذا، ولا داعي لان يلوث أصحاب الثوابت أيديهم بكل هذه الاعترافات. ونسي الرئيس أن هناك انتخابات جرت قبلها هو بالذات رغم كل التحذيرات من النتائج، وان هذه الانتخابات جرت على أسس سياسية، وبرامج تتناول هذا الشأن بما فيه وعلى رأسه اتفاق اوسلو ذاته الذي جرت الانتخابات على أساسه، وان هناك حركة ربما لا نؤيدها ولا نحبها قد نجحت على خلفية عدم اعترافها بإسرائيل على وجه الخصوص، وان هذا النجاح يقود حتماً إلى أن تشكل هذه الحركة حكومتنا العتيدة، وانه ليس من المنطق ولا الحق أن تنجح حماس ثم توافق على حكومة تحمل في برنامجها كل نقائضها، ومطلوب من حماس أن تبصم على ذلك تحت ذريعة الحصار الذي ما كان لينجح أو يصل إلى هذا المدى لو أحسنا جميعاً وعلى رأسنا سيادة الرئيس عباس في التعامل مع هذا الملف كمعركة كفاحية وسياسية نتوحد حولها كما نتوحد في المواجهات العسكرية، بل ما حدث هو العكس والغريب أن البنوك الفلسطينية لعبت دوراً في الحصار ولم نسمع اى إدانة لها من البعض الذي يتباكى على الشعب الفلسطيني وجوعه.

إذن وحسب كلام السيد الرئيس مطلوب حكومة ليس لحماس اي سيطرة عليها أو حتى مجرد التأثير، وهذه الحكومة يجب أن تعترف ليس بالشرعية بصنوفها المعروفة، بل أضيف إليها صنف جديد اسمه شرعية الوجود الصهيوني على أرضنا. وبغير هذا لن يرفع الحصار، ولو لم يكن الأمر كذلك فلماذا الانتخابات المبكرة؟ وهو السؤال الذي طرحناه كبيراً منذ البداية.

إن افتراض أن الانتخابات هي المخرج من الأزمة يعني حكماً وبالمنطق والعقل أنها الانتخابات التي ستزيح حماس عن صدر الشرعيات المنوه عنها، وهو ما يعني أن سقوط حماس أمر مؤكد، وربما يكون الأمر كذلك اي تسقط حماس إذا اجريت انتخابات، وفي هذه الحالة من الذي سيشكل الحكومة ومن الذي سيقبل بالتعاون مع حكومة ليس لها هدف سوى رفع الحصار المالي عن الشعب الفلسطيني وهل مشكلتنا فقط في هذا الإطار؟ وهل وجود الاحتلال ليس مشكلة؟ أم أن هناك ضمانات بالانسحاب وإعادة الحقوق لو أزيحت حماس؟ ولو كان الأمر كذلك فلم لا يتم الإعلان عنه هذا ونكون أول الدافعين لحماس خارج الحلبة، بل انني اعتقد انه لو كان الأمر كذلك فان حماس ستغادر الساحة بدون قيد أو شرط. وفي ظل حكومة ليس لها من أهداف سوى ما ورد في خطاب الرئيس واتت باملاءات أمريكية وفي ظرف استثنائي؟ هل ستتعاون معها حماس أم الشعبية أم من؟ ثم لو افترضنا أن الانتخابات اجريت رغم انف حماس فهل يعتقد اي أبله أن الأمور ستكون على ما يرام، أم أننا سنكون في مواجهة حصار داخلي أكثر خطورة ؟

وأنا لن افصل في نتائج يمكن أن تترتب على الانتخابات ولكن لنسأل أصحاب المبكرة ماذا لو نجحت حماس في إحداها؟.

أنا افهم أن يكون هذا الطرح الرئاسي للضغط على حماس، وقد شعرنا بفسحة أمل عندما لم يحدد الرئيس فترة زمنية معينة لهذه الانتخابات، كما انه ترك الباب مفتوحاً لمزيد من الحوارات، لأنه يعلم أن اي انتخابات مبكرة بدون توافق وطني عليها سيدخلنا في المجهول، ناهيك عن النتائج الدموية على الأرض، وقد رأينا بعضها بعد الخطاب مباشرة.

اننى اعتقد ومعي الكثير من أبناء شعبنا أن الحوار للوصول للوحدة الوطنية، ولألف عام، أفضل بما لا يقاس من الاقتتال الفلسطيني لاي فترة مهما كانت قصيرة، وان الأفضل من الانتخابات الرئاسية والتشريعية الملتبسة قانونياً لارتباطها بمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، هو إجراء مراجعة عامة ودقيقة لاتفاقات القاهرة بهدف تطبيقها وفي مقدمها إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا، والناظم الرئيسي لحركته ونضاله السياسي، وبمشاركة الجميع، وباعتبار أعضاء المجلس التشريعي الحالي أعضاءً طبيعيين في المجلس الوطني الفلسطيني، حسب تفاهمات واتفاقات القاهرة التي وقع عليها الرئيس محمود عباس مع فصائل العمل الوطنية والإسلامية. وربما بهذا نبدأ من نقطة متقدمة لمصلحة شعبنا وقضيتنا ونستفيد من المعطيات الدولية بطريقة ناجعة أكثر ، ولا نبدأ كما هو الحال الآن من نقطة الصفر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018